د. دانييلا القرعان تكتب: هل تكون قضية الوزير البكار القشة التي تقصم ظهر الفساد الإداري في الأردن؟

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 27436
 د. دانييلا القرعان تكتب: هل تكون قضية الوزير البكار القشة التي تقصم ظهر الفساد الإداري في الأردن؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

مع عودة جلالة الملك عبدالله الثاني من جولته الخارجية، وعودة رئيس الوزراء إلى ممارسة مهامه، تتجه الأنظار إلى الداخل الأردني أكثر من أي وقت مضى، فالمنطقة تعيش تحولات متسارعة، والاقتصاد يواجه تحديات متراكمة، والمواطن ينتظر قبل أي شيء أن يرى دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في قراراتها، حاسمة في مواجهة كل أشكال الفساد الإداري.

خلال الأيام الماضية، احتل ملف معالي وزير العمل المستقيل مساحة واسعة من الاهتمام الشعبي والإعلامي، ليس فقط بسبب تفاصيل القضية نفسها، وإنما لأنه أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتجدد كلما ظهرت قضية جديدة: هل ستتوقف المساءلة عند حالة بعينها، أم ستكون بداية نهج مختلف يطال الجميع دون استثناء؟

قد تكون هذه القضية، إذا استُكملت في إطار القانون والشفافية، القشة التي تقصم ظهر ثقافة التهاون مع الفساد الإداري، لا لأن حجمها أكبر من غيرها، بل لأنها جاءت في مرحلة يشعر فيها الأردنيون أن الدولة بحاجة إلى تجديد ثقة الناس بمؤسساتها، وإرسال رسالة واضحة بأن المنصب العام مسؤولية لا حصانة.

فالمواطن الأردني لا يطالب بالانتقام من أحد، ولا بتصفية الحسابات، وإنما يطالب بمعيار واحد يطبق على الجميع، مهما علت المناصب أو تشعبت العلاقات. فالدولة القوية لا تُقاس بعدد القوانين التي تملكها، بل بقدرتها على تطبيقها بعدالة وتجرد.

واليوم، يبدو أن الأردن أمام فرصة حقيقية لإعادة ترتيب بيته الداخلي. فإذا اقترنت الإرادة السياسية بإجراءات عملية، فقد نشهد مرحلة جديدة عنوانها مراجعة الأداء، ومحاسبة المقصر، وتقييم المسؤول على أساس الإنجاز والنزاهة والكفاءة، لا على أساس النفوذ أو المكانة.

إن محاربة الفساد لا تعني الاقتصار على إحالة ملف أو استقالة مسؤول، بل تعني بناء منظومة تمنع تكرار الأخطاء، وتعزز الرقابة، وتحمي المال العام، وتكافئ أصحاب الكفاءة، وتغلق الأبواب أمام الواسطة والمحسوبية وسوء استخدام السلطة.

ولعل الظرف الإقليمي الدقيق يجعل من الإصلاح الداخلي ضرورة وطنية لا ترفاً سياسياً، فكلما ازدادت المنطقة اضطراباً، ازدادت الحاجة إلى جبهة داخلية متماسكة وإدارة عامة كفؤة ومؤسسات تحظى بثقة المواطنين.

ويبقى السؤال الذي ينتظر الأردنيون إجابته بالأفعال لا بالأقوال: هل ستكون قضية الوزير البكار بداية مرحلة جديدة من الاجتثاث الحقيقي للفساد الإداري، أم ستبقى مجرد محطة عابرة في سجل طويل من القضايا؟

الأردنيون لا ينتظرون معجزات، إنما ينتظرون رسالة واضحة أن لا أحد فوق القانون، وأن حماية الدولة تبدأ بحماية نزاهة مؤسساتها، وأن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يصبح القانون هو المرجع الوحيد للجميع، دون استثناء، أملنا بالله وبجلالة الملك أن يكون التغيير قريباً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم