التعويض العادل في دعاوى الاستملاك بين الاجتهاد القضائي واستقرار المراكز القانونية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 33148
التعويض العادل في دعاوى الاستملاك بين الاجتهاد القضائي واستقرار المراكز القانونية

قراءة قانونية في آثار بعض التطبيقات العملية
بقلم: محمد إبراهيم مطالقة -محام وباحث

تُعد حماية الملكية الخاصة من المبادئ الدستورية الراسخة التي تقوم عليها دولة القانون، ولم يكن المشرع الدستوري عندما أجاز نزع الملكية للمنفعة العامة يقصد مجرد نقل الملكية من الفرد إلى الإدارة، وإنما قرن هذا الاستثناء بضمانة أساسية تتمثل في التعويض العادل. فالتعويض ليس منحة تمنحها الإدارة، ولا ميزة تفضل بها على المالك، وإنما هو حق دستوري يقابل المساس بحق دستوري آخر هو حق الملكية.

ومن هنا، فإن العدالة في دعاوى الاستملاك لا تتحقق بمجرد وجود تعويض، وإنما بمدى تعبير ذلك التعويض عن القيمة الحقيقية للحق المنزوع، وبمدى تمكين القضاء من ممارسة ولايته الكاملة في الوصول إلى هذا التعويض وفق البينات والخبرة الفنية، بعيدًا عن أي قيد لا يستند إلى نص قانوني نافذ.

وانطلاقًا من هذه الحقيقة، يبرز اليوم نقاش قانوني مشروع حول بعض التطبيقات العملية التي ظهرت في دعاوى الاستملاك خلال السنوات الأخيرة، وهو نقاش لا يستهدف مراجعة الأحكام القضائية، ولا يمس استقلال القضاء أو هيبته، وإنما يسلط الضوء على آثار عملية أفرزتها بعض الاتجاهات القضائية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن تطوير العدالة يبدأ من الحوار القانوني الرصين، وأن الاجتهاد القضائي، مهما بلغت مكانته، يبقى بطبيعته قابلًا للتقييم والتطوير متى كشفت الممارسة العملية عن نتائج تستدعي ذلك.

لقد أدرك المشرع خصوصية دعاوى الاستملاك عندما نص في المادة (189) من قانون الملكية العقارية على حق أطراف الدعوى في اللجوء إلى القضاء عند الاختلاف على مقدار التعويض، كما ألزم بالفصل في هذه الدعاوى خلال مدة لا تتجاوز سنة من تاريخ تسجيلها. ولم يكن هذا التنظيم التشريعي وليد المصادفة، وإنما يعكس إدراكًا لطبيعة هذه المنازعات التي تمس حقًا دستوريًا بالغ الأهمية، وتستوجب سرعة الفصل وتحقيق العدالة في آن واحد.

غير أن التطبيق العملي أظهر في عدد من القضايا امتداد الخصومات لسنوات طويلة نتيجة تكرار نقض الأحكام وإعادة الدعاوى إلى محاكم الموضوع لإجراء خبرات جديدة، حتى أصبحت بعض الدعاوى تشهد أربع أو خمس خبرات متتالية. ولا يقتصر أثر هذا الواقع على إطالة أمد التقاضي، بل يمتد إلى زيادة الكلفة المالية على المتقاضين، وتعطيل استقرار المراكز القانونية، وإضعاف الغاية التي أرادها المشرع من تحديد مدة زمنية للفصل في هذه الدعاوى.

ويزداد الأمر أهمية إذا ما استحضرنا أن التعويض في دعاوى الاستملاك لا يتعلق بحق مالي مجرد، وإنما يقابل انتقاصًا من حق الملكية الذي يتمتع بحماية دستورية، الأمر الذي يقتضي أن تكون إجراءات الوصول إليه متفقة مع فلسفة العدالة الناجزة، لا أن تتحول الخصومة إلى مسار يمتد لسنوات نتيجة تكرار إجراءات الخبرة.

ولعل أكثر المسائل التي تستحق الدراسة تتمثل في موقع الخبرة القضائية داخل هذه المنظومة. فالخبرة ليست إجراءً شكليًا، وإنما وسيلة إثبات علمية استعان بها القانون لتمكين المحكمة من الوقوف على مسائل فنية لا تدخل في نطاق تكوينها القانوني. ولهذا أوجب قانون البينات على الخبير أن يؤدي مهمته بتجرد وصدق وأمانة، وجعل استقلال الرأي الفني أساسًا لعمله.

ومن هنا، فإن أي تطبيق عملي قد يؤدي إلى شعور الخبير بأن تقريره لن يحظى بالقبول إلا إذا انتهى إلى نتيجة محددة سلفًا، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى المحافظة على الاستقلال الفني الذي أراده المشرع للخبرة القضائية. فالخبير ينبغي أن يبحث عن القيمة السوقية الحقيقية للعقار وفق قواعد التقييم العلمي، لا أن يبحث عن النتيجة الأكثر قبولًا من الناحية الإجرائية. وإذا أصبح الخبير يخشى أن يؤدي اجتهاده الفني إلى استبعاد تقريره أو عدم استحقاقه لأتعابه، فإن النقاش لا يعود متعلقًا بشخص الخبير، وإنما بالوظيفة التي شرعت الخبرة لتحقيقها.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل قانوني مشروع: إذا كان المطلوب من الخبير، مهما بلغت خبرته العلمية والعملية، أن يلتزم عمليًا بالسعر الإداري أو أن يقترب منه، فما الغاية من تشكيل لجان الخبرة وتحليفها اليمين وإجراء الكشف الميداني وإعداد تقارير فنية مفصلة؟ وهل تبقى الخبرة وسيلة لإظهار الحقيقة الفنية، أم تتحول إلى إجراء شكلي يعيد إنتاج معيار محدد سلفًا؟

إن السعر الإداري، من حيث الأصل، يمثل أحد المؤشرات التي يمكن الاستئناس بها عند تقدير التعويض، لكنه لا يمثل بذاته القيمة السوقية الحقيقية للعقار في جميع الأحوال، ولا يستطيع بطبيعته أن يستوعب الخصائص الفردية لكل قطعة أرض من حيث الموقع، والتنظيم، وطبيعة الاستثمار، ومستوى الخدمات، والعرض والطلب، والتطور العمراني. ومن ثم فإن تحويله من عنصر استرشادي إلى معيار يكاد يكون ملزمًا يثير نقاشًا قانونيًا حول مدى اتساق ذلك مع فلسفة التقييم العقاري التي تقوم على تقدير كل عقار وفق ظروفه الخاصة.

وتزداد أهمية هذا النقاش عند قراءة المادة (189) من قانون الملكية العقارية قراءةً متكاملة. فهذه المادة لم تمنح القضاء سلطة شكلية في مراجعة قرارات الإدارة، وإنما نقلت إليه ولاية تقدير التعويض عند النزاع. ولو كان المشرع قد أراد إلزام المحكمة بالسعر الإداري، لما أجاز أصلًا إقامة دعوى لإعادة تقدير التعويض، لأن ذلك كان سيجعل حق التقاضي مجرد إجراء شكلي لا يغير من النتيجة شيئًا. ومن هنا، فإن الغاية التشريعية من النص تؤكد أن المحكمة تمارس سلطة تقديرية مستقلة تستند إلى البينات والخبرة الفنية للوصول إلى التعويض العادل.

وفي هذا الإطار، يبرز كذلك نقاش قانوني حول بعض التطبيقات العملية التي اتجهت إلى اعتماد نسب محددة للزيادة على السعر الإداري، وهي نسب تتقارب في نتائجها مع ما ورد في مشروع تعديل قانون الملكية العقارية. وليس المقصود من إثارة هذه المسألة مناقشة مشروع القانون ذاته، ولا الاعتراض على أي اجتهاد قضائي، وإنما التأكيد على مبدأ دستوري مستقر، مؤداه أن المشروع التشريعي، مهما بلغت مراحل مناقشته، لا يكتسب أي أثر قانوني قبل استكمال إجراءاته الدستورية ونشره وفق الأصول. والأصل أن يظل القضاء مطبقًا للنصوص النافذة، بينما يبقى المشروع التشريعي تعبيرًا عن إرادة مستقبلية لا تنشئ التزامًا قبل نفاذها.

ولا يتعلق الأمر هنا بالفصل بين السلطات بوصفه مفهومًا نظريًا، وإنما باعتباره ضمانة دستورية لاستقرار النظام القانوني. فالسلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص في سن القواعد القانونية، والسلطة القضائية تطبق تلك القواعد بعد نفاذها، ويظل هذا التوازن أحد أهم أسس دولة القانون، لأنه يحقق اليقين القانوني ويحفظ الثقة في النظام التشريعي والقضائي معًا.

ومن زاوية أخرى، فإن تكرار صدور أحكام متفاوتة في قضايا تتعلق بالمشروع الاستملاكي ذاته، أو بأراضٍ متجاورة ومتشابهة في أوصافها، يطرح تساؤلات تتعلق بمبدأ الأمن القانوني، الذي أصبح من المبادئ الأساسية في الفكر القانوني الحديث. فالأمن القانوني لا يعني تطابق الأحكام في جميع القضايا، وإنما يعني أن تكون النتائج القضائية قابلة للتوقع بدرجة معقولة متى تشابهت الوقائع والمراكز القانونية، بما يعزز المساواة بين المواطنين ويرسخ الثقة بالقضاء.

كما تبرز إشكالية أخرى تتمثل في تحميل المالك نفقات الخبرات الجديدة التي تعاد نتيجة الطعون، رغم أنه لم يكن سببًا في إعادة إجراءات الخبرة. وقد تتحول هذه النفقات، في بعض الحالات، إلى عبء مالي يحول دون استمرار المطالبة بالحق، وهو ما يستدعي دراسة هذا الجانب من منظور العدالة الإجرائية، تحقيقًا للتوازن بين أطراف الخصومة.

ومن التطبيقات التي تستحق التأمل كذلك صدور أحكام قضت بتعويض يقل عن المبلغ الذي سبق أن قدرته لجنة الاستملاك ووافقت عليه الجهة المستملكة عند مباشرة إجراءاتها. ولا يتعلق الأمر هنا بمناقشة صحة حكم أو خطئه، وإنما ببحث الآثار العملية التي قد تجعل المواطن الذي لجأ إلى القضاء طلبًا لتعويض عادل ينتهي إلى نتيجة تقل عما كان معروضًا عليه قبل إقامة الدعوى، بما يثير تساؤلات حول الأثر العملي لهذا الواقع على الثقة بجدوى اللجوء إلى القضاء في مثل هذه المنازعات.

ولا تقف آثار هذه التطبيقات عند حدود الخصومة الفردية، بل تمتد إلى منظومة العدالة بأكملها. فإطالة أمد التقاضي، وارتفاع كلفة الوصول إلى القضاء، وتراجع الدور الحقيقي للخبرة القضائية، واتساع الفجوة بين التعويض والقيمة السوقية، وتفاوت النتائج في الوقائع المتشابهة، كلها عوامل تستحق الدراسة لما قد يترتب عليها من آثار تمس الأمن القانوني واستقرار المعاملات. كما أن استقرار المبادئ القضائية في القضايا المتعلقة بالملكية الخاصة يعد أحد المؤشرات المهمة على البيئة القانونية الجاذبة للاستثمار، لأن المستثمر، شأنه شأن المواطن، يحتاج إلى منظومة قانونية مستقرة يمكن توقع نتائجها في إطار من العدالة واليقين.

إن النقاش حول هذه المسائل لا ينبغي أن يُفهم بوصفه اعتراضًا على القضاء، بل هو تعبير عن الثقة بالمؤسسة القضائية وقدرتها على تطوير أدواتها ومراجعة تطبيقاتها كلما كشفت الممارسة العملية عن آثار تستوجب التقييم. فالاجتهاد القضائي لم يكن يومًا نصًا مقدسًا، وإنما هو عمل قانوني يتطور مع تطور المجتمع والاقتصاد والتشريع، ويبقى الحوار العلمي أحد أهم وسائل إثرائه.

ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تستدعي حوارًا مؤسسيًا هادئًا بين المجلس القضائي ونقابة المحامين والفقه القانوني، بهدف دراسة هذه التطبيقات وآثارها، والوصول إلى معايير أكثر اتساقًا مع فلسفة التعويض العادل، ومع استقلال الخبرة القضائية، ومع الولاية الأصيلة لمحاكم الموضوع في تقدير الوقائع والبينات، وبما يحقق التوازن بين حماية المال العام وصون الملكية الخاصة.

فالعدالة لا تُقاس بعدد الأحكام الصادرة، وإنما بقدرتها على تحقيق الطمأنينة القانونية، وترسيخ الثقة في القضاء، وصيانة الحقوق التي كفلها الدستور. وعندما يظل الحوار القانوني منطلقًا من احترام القضاء، ومستندًا إلى النصوص والمبادئ الدستورية، فإنه يصبح أحد أدوات تطوير العدالة، لا وسيلة للنيل منها، ويغدو الدفاع عن التعويض العادل دفاعًا عن سيادة القانون ذاتها.

saraya news
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم