د. سالم نايف الكركي يكتب: سقوط الأصنام الإدارية .. حين يحمل "الميت سريرياً" قلم التقييم!

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 17760
د. سالم نايف الكركي يكتب: سقوط الأصنام الإدارية ..  حين يحمل "الميت سريرياً" قلم التقييم!
د. سالم نايف الكركي

د. سالم نايف الكركي

حين قررت الحكومة مؤخراً تطبيق نظام جديد لتقييم الموظفين بناءً على أدائهم وإنتاجيتهم، استبشر الناس خيراً واعتبروا ذلك خطوة جادة لإنهاء عصر المحسوبية والتقارير المعلبة التي تمنح الجميع تقدير ممتاز دون إنجاز يذكر وهذا القرار في ظاهره ثورة إدارية طال انتظارها، ولكن في باطنه أزمة كبرى ستظهر فور البدء بالتطبيق، أزمة تتعلق بالمسؤول الذي سيحمل القلم ليقيم غيره.


إن نجاح هذا القرار لا يرتبط بالأنظمة التقنية أو المعايير المؤسسية بقدر ارتباطه بالدرجة الأولى على الشخص الجالس على كرسي المسؤولية، فهو الحكم والجلاد في هذه العملية، وهنا تكمن المفارقة العجيبة، فكيف نطلب من مسؤول جاء إلى منصبه بالمحسوبية أو الصدفة، وتعود على سياسة "تسيير الأعمال" دون أي بصمة أو إنجاز حقيقي، أن يقيم موظفاً مبدعاً أو يكتشف كفاءة مدفونة؟ إنها المعضلة الأزلية التي تلخصها العبارة الشهيرة: "فاقد الشيء لا يعطيه".


لقد انحسرت وظيفة بعض المسؤولين في مؤسساتنا ليصبحوا مجرد "حراس سدنة للروتين العقيم"، يرتجفون رعباً من أي قرار جريء، ويتحصنون ببطانة من المنافقين الذين يتقنون السجود والامتثال بدلاً من العمل والكفاءة، إن منح هؤلاء العاجزين سلطة تقييم الموظفين ليس مجرد خطأ إداري، بل هو جريمة اغتيال للإصلاح، فأنتم تمنحون القتلة سلاحاً شرعياً لمعاقبة أصحاب العقول الحرة والكفاءات الفذة، وتكريم الأتباع والمصفقين، ليتشوه التقييم من أداة للبناء إلى مقصلة لتصفية الحسابات والشخصنة المقيتة.


إن تسليم رقاب المبدعين لضمائر هؤلاء الموتى سريرياً هو تدمير ممنهج للمستقبل، فكيف لـ "عقول متكلسة" استمرأت القاع أن تقيس قامات من يطاولون السحاب؟ إنها طعنة في صدر العدالة الإنسانية، حين يغدو "العجز" حكماً على "العبقرية"، و"الجهل" مقياساً "للمعرفة" وإنكم بهذا لا تقيمون الأداء، بل تشرّعون مذبحة صامتة تُباد فيها الكفاءات الحقيقية بدم بارد، ليبقى المسرح مفرغاً تماماً من الأحرار، ولا يعتليه إلا سماسرة التبعية وأقزام الإدارة.


إن كانت الحكومة جادة حقاً في "ثورتها البيضاء" لتطهير الإدارة وترجمة التوجيهات الملكية السامية لخلع ثوب الترهل والبيروقراطية، فعليها أن تعي أن بتر الفساد والترهل يبدأ من الرأس لا من القاع، وإن غربلة القيادات المتكلسة، وإزاحة العاجزين، وضخ دماء جديدة تنبض بالخبرة والجدارة والنزاهة، هي الخطوة الصفرية وقانون الإصلاح الأول قبل التجرؤ على تقييم أصغر موظف، فالمرحلة لم تعد تحتمل إلا قادة ميدانيين يحفرون إنجازاتهم في عصب حياة المواطن، بدلاً من تلك الأصنام الإدارية التي تنتهي حدود بطولاتها عند عتبات مكاتبها وخلف زجاج سياراتها الحكومية.


إن كراسي المسؤولية ميدان اختبار للأمانة وليست صالونات للوجاهة والاستعراض الفارغ والمسؤول الحقيقي هو من يُعمّد منصبه بالإنجاز الاستثنائي ويشكل سياجاً يحمي الكفاءات من التهميش والإقصاء ولن تستقيم خطط التحديث في وطننا إلا بـزلزال إداري شامل يقتلع عروش العجز الإداري ويطرد جبن التردد المتأصل في قمم القيادة الإدارية فالقائد الجسور الممتلئ بالجدارة هو وحده المؤهل لإمساك ميزان العدالة وتقييم أداء الموظفين، وهو الوحيد القادر على دفع عجلة التغيير لتسحق دبابير البيروقراطية المتكلسة في طريقها نحو المستقبل.

حمى الله الوطن، والقيادة، والشعب.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم