ماهر البطوش يكتب: حين تصبح المعلومة قضية وطن

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 21538
ماهر البطوش يكتب: حين تصبح المعلومة قضية وطن
ماهر البطوش

ماهر البطوش

قد تبدو شاشة حاسوب، أو خادم إلكتروني، أو قاعدة بيانات مجرد أدوات تقنية، إلا أن المشرع الأردني نظر إليها بوصفها جزءاً من منظومة الأمن الوطني، ومرفقاً لا تقل أهميته عن المنشآت الحيوية أو الوثائق الرسمية. فالمعلومات التي تحتفظ بها الوزارات والمؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية والمالية والمصرفية أصبحت تمثل ركائز للإدارة العامة، والاقتصاد، والأمن، والاستقرار، الأمر الذي استوجب توفير حماية جزائية خاصة تتناسب مع خطورة المساس بها.

ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول بعض مواد القانون رقم (17) لسنة 2023، مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي، انطلاقاً من أن المعرفة بالقانون تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية من الجريمة.

وتكشف الفقرة (أ) من المادة (4) عن انتقال المشرع من حماية الأنظمة المعلوماتية بصورة عامة، كما ورد في المادة (3)، إلى حماية فئة أكثر حساسية، تتمثل في الشبكات المعلوماتية وأنظمة المعلومات ووسائل تقنية المعلومات العائدة للوزارات، والدوائر الحكومية، والمؤسسات الرسمية والعامة، والأجهزة الأمنية، والجهات المالية والمصرفية، والشركات التي تملكها أو تساهم بها تلك الجهات، إضافة إلى البنى التحتية الحرجة. وهذا التخصيص يعكس إدراكاً بأن الاعتداء على هذه الأنظمة لا يقتصر أثره على جهة بعينها، بل قد يمتد إلى الدولة بأكملها.

ولم تكتفِ الفقرة (أ) بحماية هذه الأنظمة، بل اشترطت أن يكون الدخول أو الوصول غير المصرح به بقصد الاطلاع على بيانات أو معلومات غير متاحة للجمهور تمس الأمن الوطني، أو العلاقات الخارجية للمملكة، أو السلامة العامة، أو الاقتصاد الوطني. وهنا تتجلى فلسفة المشرع في حماية طبيعة المعلومات لا مجرد وسيلة حفظها، فالمساس بهذه البيانات قد يؤدي إلى نتائج تمس مصالح الدولة العليا، حتى وإن لم تُستخدم تلك المعلومات لاحقاً.

ولذلك قرر المشرع لهذه الجريمة عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن (2500) دينار ولا تزيد على (25000) دينار، في رسالة واضحة مفادها أن مجرد الوصول غير المشروع إلى المعلومات الحساسة يمثل خطراً يستوجب العقاب.

أما الفقرة (ب) فقد انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة، فلم يعد الأمر متعلقاً بمجرد الاطلاع على المعلومات، وإنما بالدخول بقصد إلغائها أو حذفها أو إتلافها أو تدميرها أو تعديلها أو تغييرها أو نقلها أو نسخها أو نشرها أو إعادة نشرها أو حجبها أو إفشائها أو تشفيرها. وهنا شدد المشرع العقوبة فجعلها الأشغال المؤقتة مع غرامة لا تقل عن (5000) دينار ولا تزيد على (25000) دينار، فإذا تمكن الجاني من تحقيق النتيجة التي قصدها، أصبحت العقوبة الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات، إضافة إلى غرامة مقدارها (25000) دينار، وهو ما يعكس التدرج في العقاب بحسب جسامة الفعل والنتيجة المترتبة عليه.

ولم تغفل الفقرة (ج) حماية المواقع الإلكترونية الرسمية، إذ جرمت الدخول أو الوصول إليها قصداً بهدف الاطلاع على معلومات غير متاحة للجمهور تمس الأمن الوطني أو العلاقات الخارجية للمملكة أو السلامة العامة أو الاقتصاد الوطني. ويكشف ذلك أن المشرع لم يحصر الحماية في أنظمة المعلومات الداخلية، وإنما مدها إلى المواقع الإلكترونية الرسمية، باعتبارها واجهات رقمية تمثل مؤسسات الدولة وتحظى بالثقة العامة. وقد قرر لهذه الجريمة الحبس مدة لا تقل عن أربعة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن (2500) دينار ولا تزيد على (25000) دينار.

أما الفقرة (د) فقد تناولت أخطر صور الاعتداء على المواقع الإلكترونية الرسمية، عندما يكون الدخول او الوصول بقصد إلغاء البيانات أو إتلافها أو تدميرها أو تعديلها أو تغييرها أو نقلها أو نسخها أو حذفها أو إضافتها أو حجبها أو تشفيرها. وفي هذه الحالة قرر المشرع عقوبة الأشغال المؤقتة، وغرامة لا تقل عن (5000) دينار ولا تزيد على (25000) دينار، فإذا تحققت النتيجة التي استهدفها الجاني أصبحت العقوبة الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات، إضافة إلى غرامة مقدارها (25000) دينار.


ومن أبرز ما يميز المادة (4) ما نصت عليه الفقرة (هـ) إذ خرج المشرع على القاعدة العامة المتعلقة بالشروع، وقرر معاقبة الشروع في جميع الجرائم الواردة في هذه المادة بالعقوبة ذاتها المقررة للجريمة التامة. ويكشف هذا التوجه عن إدراك المشرع أن الجرائم التي تستهدف أمن الدولة الرقمي لا يجوز انتظار اكتمالها حتى تتدخل العدالة، بل إن مجرد البدء في تنفيذها يمثل خطراً يستوجب المواجهة والعقاب.

إن المادة (4) لا تحمي أجهزة الحاسوب أو المواقع الإلكترونية بوصفها أدوات تقنية فحسب، وإنما تحمي سيادة الدولة في فضائها الرقمي، وتصون أمن مؤسساتها وثقة المواطنين بها. فالهجوم على نظام معلومات حكومي، أو محاولة الوصول إلى بيانات تمس الأمن الوطني، لم يعد مجرد مخالفة تقنية، بل أصبح اعتداء على مصالح وطنية تستوجب أقصى درجات الحماية القانونية.

وتؤكد هذه المادة أن الأمن الوطني في العصر الحديث لم يعد يقتصر على حماية الحدود والمنشآت، بل أصبح يشمل أيضاً حماية البيانات والأنظمة والمواقع الإلكترونية التي تقوم عليها إدارة الدولة الحديثة. ولهذا جاءت أحكامها مشددة ورسالتها واضحة؛ فحماية الوطن تبدأ أيضاً بحماية فضائه الرقمي، لأن المعلومة اليوم قد تكون في أهميتها بحجم الوطن نفسه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم