أ.د. حسن عبدالله الدعجه
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ان مبادرة خليفات في مضارب ابن منيزل تبرز تحول الجغرافيا إلى رسالة سياسية، فلا تُقاس قيمة المبادرات بالحضور الحاشد فقط، وإنما بالرسائل التي تحملها، وبالزمان الذي تنطلق فيه، وبالمكان الذي تختاره لتقول ما تريد. ولهذا لم يكن انعقاد المحطة الأربعين لمبادرة الدكتور عوض خليفات في مضارب الشيخ محمد صبري القطاونة، حفيد "ابن منيزل"، حدثاً اجتماعياً عادياً، بل كان إعلاناً سياسياً مكتمل الأركان، أعاد التأكيد على أن الأردن، في لحظات التحول الكبرى، يعود دائماً إلى منابعه الأولى؛ إلى العشيرة بوصفها مؤسسة وطنية، وإلى التاريخ باعتباره مصدراً للشرعية، وإلى الدولة باعتبارها المظلة الوطنية للجميع والى القيادة الهاشمية رمز الوحدة والاستقلال والسيادة.
فالمنطقة تمر بمرحلة غير مسبوقة من السيولة الاستراتيجية؛ خرائط يعاد رسمها، وحدود يعاد تعريفها، وتحالفات تتبدل بسرعة، فيما تتآكل منظومات الردع التقليدية وتتراجع فعالية المؤسسات الدولية أمام منطق القوة. وفي مثل هذه البيئات المضطربة، تصبح الجبهة الداخلية أهم من أي سلاح، لأن الدول لا تسقط عادة من حدودها الخارجية، وإنما تبدأ بالانهيار عندما تتصدع وحدتها الوطنية.
من هنا تكتسب مبادرة الدكتور عوض خليفات أهميتها الحقيقية؛ فهي لا تتحرك بمنطق ردود الأفعال، وإنما بمنطق بناء المناعة الوطنية الاستباقية. إنها محاولة لإعادة إنتاج التوافق الوطني حول الثوابت الكبرى، وترسيخ مفهوم الدولة بوصفها هوية اردنية وطنية ومشروعاً سياسياً يتجاوز الانقسامات والهويات الفرعية، في وقت أصبحت فيه المجتمعات العربية هدفاً لحروب الإدراك والاستقطاب والتفكيك.
لكن الرسالة الأعمق لم تكن في الكلمات وحدها، بل في المكان الذي احتضنها. فحين تفتح مضارب الشيخ محمد صبري القطاونة أبوابها لهذا اللقاء الوطني، فإنها لا تستضيف اجتماعاً سياسياً فحسب، وإنما تستحضر ذاكرة رجل أصبح جزءاً من السردية الوطنية الأردنية؛ الشيخ محمد بن منيزل القطاونة، الذي لم يكن مجرد شيخ عشيرة، بل مدرسة في الكرم، ورمزاً للشهامة، وركناً من أركان المقاومة الشعبية ضد الهيمنة الأجنبية، وداعماً للثوار العرب والفلسطينيين، حتى غدا اسمه مرادفاً للعطاء، ولقبه الناس بـ"حاتم الكرك".
ولعل ما ذهب إليه معالي الدكتور عوض خليفات، في استحضاره تاريخ أبطال الكرك في حماية الدخيل ونصرة المظلوم، وتحديداً سيرة ابن منيزل، لم يكن مجرد استدعاء لشخصية تاريخية، بل قراءة سياسية واعية لمعنى الدولة الأردنية وجذورها الاجتماعية. فمن خلال هذا الاستحضار، أراد التأكيد على أن بناء الدولة الأردنية لم يكن نتاج المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما ثمرة شراكة تاريخية راسخة بين القيادة الهاشمية والعشائر الأردنية، التي دفعت أثمان الحرية والاستقلال، وقدّمت الرجال قبل الشعارات، وصاغت بدمائها وتضحياتها معادلة الدولة والاستقرار.
ولذلك فإن وجود الشيخ محمد صبري القطاونة في قلب هذا المشهد لم يكن مجرد دور بروتوكولي للمضيف، بل تجسيداً لاستمرار مدرسة وطنية عريقة، ترى في الكرم شكلاً من أشكال الانتماء، وفي جمع الأردنيين رسالة وطنية، وفي فتح البيوت للحوار مسؤولية تجاه الدولة قبل أن تكون واجباً اجتماعياً. فالمضيف الحقيقي لم يكن بيتاً من الشعر أو حجراً، وإنما إرثاً تاريخياً ما زال ينتج المعنى الوطني جيلاً بعد جيل.
أما الدكتور عوض خليفات، فقد نجح خلال السنوات الماضية في تحويل مبادرته من لقاءات دورية إلى مساحة للحوار الوطني العميق، تلتقي فيها الخبرات السياسية والعسكرية والأكاديمية والعشائرية حول سؤال واحد: كيف نحافظ على الأردن في زمن تتغير فيه موازين القوى بسرعة غير مسبوقة؟ وهذا السؤال هو جوهر التفكير الاستراتيجي، لأنه ينقل النقاش من إدارة الأزمات إلى صناعة القدرة الوطنية على الصمود.
ولعل أكثر ما يميز المبادرة أنها لا تقدم خطاباً انفعالياً، بل تؤسس لفلسفة سياسية قوامها أن الأمن الوطني يبدأ من الإنسان، وأن وحدة المجتمع تمثل أول خطوط الدفاع، وأن الهوية الوطنية الأردنية ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل عقداً اجتماعياً يحمي الدولة عندما تشتد العواصف.
ومن كلمتي في هذا الاجتماع العشائري الوطني، أكدت أن التاريخ الأردني يثبت، منذ الملك ميشع الذي واجه مملكة إسرائيل واستعاد استقلال مؤاب، مروراً بممالك الأردن العربية القديمة، ثم الثورة العربية الكبرى، ووصولاً إلى الدولة الهاشمية الحديثة، أن الأردن لم يكن يوماً مجرد مساحة جغرافية، بل مشروعاً حضارياً للدفاع عن الأرض والكرامة والقدس. واليوم تستعيد مبادرة خليفات هذا الامتداد التاريخي العميق، لتؤكد أن حماية الوطن ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية مجتمع كامل، تتكامل فيه القيادة مع الشعب، والمؤسسة مع العشيرة، والتاريخ مع الحاضر، في معادلة وطنية راسخة عنوانها: الأردن أولاً، والقدس في قلب الوجدان الأردني.
وفي زمن تتكاثر فيه مشاريع التفتيت، تبقى الرسالة الأهم التي خرجت من الكرك واضحة: إن الدولة القوية لا تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما بوحدة المجتمع، وعدالة المؤسسات، ووعي النخب، والولاء للقيادة الهاشمية، واستمرار الشراكة التاريخية بين القيادة والشعب. وما بين رؤية الدكتور عوض خليفات، ورمزية مضارب الشيخ محمد صبري القطاونة، وإرث ابن منيزل الذي ما زال حاضراً في وجدان الأردنيين، تتجدد حقيقة سياسية راسخة مفادها أن الأردن، كلما اشتدت العواصف من حوله، عاد إلى جذوره ليزداد قوةً وثباتاً.
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ان مبادرة خليفات في مضارب ابن منيزل تبرز تحول الجغرافيا إلى رسالة سياسية، فلا تُقاس قيمة المبادرات بالحضور الحاشد فقط، وإنما بالرسائل التي تحملها، وبالزمان الذي تنطلق فيه، وبالمكان الذي تختاره لتقول ما تريد. ولهذا لم يكن انعقاد المحطة الأربعين لمبادرة الدكتور عوض خليفات في مضارب الشيخ محمد صبري القطاونة، حفيد "ابن منيزل"، حدثاً اجتماعياً عادياً، بل كان إعلاناً سياسياً مكتمل الأركان، أعاد التأكيد على أن الأردن، في لحظات التحول الكبرى، يعود دائماً إلى منابعه الأولى؛ إلى العشيرة بوصفها مؤسسة وطنية، وإلى التاريخ باعتباره مصدراً للشرعية، وإلى الدولة باعتبارها المظلة الوطنية للجميع والى القيادة الهاشمية رمز الوحدة والاستقلال والسيادة.
فالمنطقة تمر بمرحلة غير مسبوقة من السيولة الاستراتيجية؛ خرائط يعاد رسمها، وحدود يعاد تعريفها، وتحالفات تتبدل بسرعة، فيما تتآكل منظومات الردع التقليدية وتتراجع فعالية المؤسسات الدولية أمام منطق القوة. وفي مثل هذه البيئات المضطربة، تصبح الجبهة الداخلية أهم من أي سلاح، لأن الدول لا تسقط عادة من حدودها الخارجية، وإنما تبدأ بالانهيار عندما تتصدع وحدتها الوطنية.
من هنا تكتسب مبادرة الدكتور عوض خليفات أهميتها الحقيقية؛ فهي لا تتحرك بمنطق ردود الأفعال، وإنما بمنطق بناء المناعة الوطنية الاستباقية. إنها محاولة لإعادة إنتاج التوافق الوطني حول الثوابت الكبرى، وترسيخ مفهوم الدولة بوصفها هوية اردنية وطنية ومشروعاً سياسياً يتجاوز الانقسامات والهويات الفرعية، في وقت أصبحت فيه المجتمعات العربية هدفاً لحروب الإدراك والاستقطاب والتفكيك.
لكن الرسالة الأعمق لم تكن في الكلمات وحدها، بل في المكان الذي احتضنها. فحين تفتح مضارب الشيخ محمد صبري القطاونة أبوابها لهذا اللقاء الوطني، فإنها لا تستضيف اجتماعاً سياسياً فحسب، وإنما تستحضر ذاكرة رجل أصبح جزءاً من السردية الوطنية الأردنية؛ الشيخ محمد بن منيزل القطاونة، الذي لم يكن مجرد شيخ عشيرة، بل مدرسة في الكرم، ورمزاً للشهامة، وركناً من أركان المقاومة الشعبية ضد الهيمنة الأجنبية، وداعماً للثوار العرب والفلسطينيين، حتى غدا اسمه مرادفاً للعطاء، ولقبه الناس بـ"حاتم الكرك".
ولعل ما ذهب إليه معالي الدكتور عوض خليفات، في استحضاره تاريخ أبطال الكرك في حماية الدخيل ونصرة المظلوم، وتحديداً سيرة ابن منيزل، لم يكن مجرد استدعاء لشخصية تاريخية، بل قراءة سياسية واعية لمعنى الدولة الأردنية وجذورها الاجتماعية. فمن خلال هذا الاستحضار، أراد التأكيد على أن بناء الدولة الأردنية لم يكن نتاج المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما ثمرة شراكة تاريخية راسخة بين القيادة الهاشمية والعشائر الأردنية، التي دفعت أثمان الحرية والاستقلال، وقدّمت الرجال قبل الشعارات، وصاغت بدمائها وتضحياتها معادلة الدولة والاستقرار.
ولذلك فإن وجود الشيخ محمد صبري القطاونة في قلب هذا المشهد لم يكن مجرد دور بروتوكولي للمضيف، بل تجسيداً لاستمرار مدرسة وطنية عريقة، ترى في الكرم شكلاً من أشكال الانتماء، وفي جمع الأردنيين رسالة وطنية، وفي فتح البيوت للحوار مسؤولية تجاه الدولة قبل أن تكون واجباً اجتماعياً. فالمضيف الحقيقي لم يكن بيتاً من الشعر أو حجراً، وإنما إرثاً تاريخياً ما زال ينتج المعنى الوطني جيلاً بعد جيل.
أما الدكتور عوض خليفات، فقد نجح خلال السنوات الماضية في تحويل مبادرته من لقاءات دورية إلى مساحة للحوار الوطني العميق، تلتقي فيها الخبرات السياسية والعسكرية والأكاديمية والعشائرية حول سؤال واحد: كيف نحافظ على الأردن في زمن تتغير فيه موازين القوى بسرعة غير مسبوقة؟ وهذا السؤال هو جوهر التفكير الاستراتيجي، لأنه ينقل النقاش من إدارة الأزمات إلى صناعة القدرة الوطنية على الصمود.
ولعل أكثر ما يميز المبادرة أنها لا تقدم خطاباً انفعالياً، بل تؤسس لفلسفة سياسية قوامها أن الأمن الوطني يبدأ من الإنسان، وأن وحدة المجتمع تمثل أول خطوط الدفاع، وأن الهوية الوطنية الأردنية ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل عقداً اجتماعياً يحمي الدولة عندما تشتد العواصف.
ومن كلمتي في هذا الاجتماع العشائري الوطني، أكدت أن التاريخ الأردني يثبت، منذ الملك ميشع الذي واجه مملكة إسرائيل واستعاد استقلال مؤاب، مروراً بممالك الأردن العربية القديمة، ثم الثورة العربية الكبرى، ووصولاً إلى الدولة الهاشمية الحديثة، أن الأردن لم يكن يوماً مجرد مساحة جغرافية، بل مشروعاً حضارياً للدفاع عن الأرض والكرامة والقدس. واليوم تستعيد مبادرة خليفات هذا الامتداد التاريخي العميق، لتؤكد أن حماية الوطن ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية مجتمع كامل، تتكامل فيه القيادة مع الشعب، والمؤسسة مع العشيرة، والتاريخ مع الحاضر، في معادلة وطنية راسخة عنوانها: الأردن أولاً، والقدس في قلب الوجدان الأردني.
وفي زمن تتكاثر فيه مشاريع التفتيت، تبقى الرسالة الأهم التي خرجت من الكرك واضحة: إن الدولة القوية لا تُبنى بالخطابات وحدها، وإنما بوحدة المجتمع، وعدالة المؤسسات، ووعي النخب، والولاء للقيادة الهاشمية، واستمرار الشراكة التاريخية بين القيادة والشعب. وما بين رؤية الدكتور عوض خليفات، ورمزية مضارب الشيخ محمد صبري القطاونة، وإرث ابن منيزل الذي ما زال حاضراً في وجدان الأردنيين، تتجدد حقيقة سياسية راسخة مفادها أن الأردن، كلما اشتدت العواصف من حوله، عاد إلى جذوره ليزداد قوةً وثباتاً.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات