د. تيسير رضوان الصمادي يكتب: وداعا للعولمة الفائقة: من رفاهية "الوقت المناسب" إلى حتمية "تحسبا لأي طارئ"

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 30386
د. تيسير رضوان الصمادي يكتب: وداعا للعولمة الفائقة: من رفاهية "الوقت المناسب" إلى حتمية "تحسبا لأي طارئ"
د. تيسير رضوان الصمادي

د. تيسير رضوان الصمادي

بعد ثلاثة عقود من البحبوحة التي عاشها العالم في ظل عولمة فائقة نظرت إلى العالم كخط انتاج واحد متكامل وعابر للحدود، وبعد أن ركنت الشركات الكبرى إلى استراتيجية "في الوقت المناسب" (Just−in−Time)، معتمدة بشكل شبه كلي على شحن القطع من دول متعددة لتصل إلى المصانع قبل تجميعها بفترة قصيرة دون الحاجة لإنشاء مخازن ضخمة، وبعد أن كانت هذه الشركات تسعى وراء عولمة الأرباح، وخفض التكاليف، وتشغيل الأيدي العاملة الرخيصة العابرة للحدود، دون الانتباه للمخاطر الجيوسياسية. بعد كل ذلك تلقى النظام الاقتصادي العالمي ثلاث صدمات هيكلية متتالية أحدثت تصدعات يصعب جسرها؛ بدأت أولاها مع جائحة كورونا التي شلت مصنع العالم، أي الصين، وتسببت في ارتفاعات قياسية في أسعار الشحن والتأمين، تلتها الحرب الروسية على أوكرانيا التي أدت إلى عسكرة موارد الطاقة والغذاء، وصولاً إلى الصدمة الهيكلية الثالثة المتمثلة في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، والذي تحول بدوره إلى حرب ممرات بحرية أدت إلى شبه شلل تام في شريان التجارة الدولية في قلب الشرق الأوسط. وليس من المبالغة الزعم بأن هذه الصدمات قد أعلنت عمليا عن نهاية نموذج السوق العالمي المفتوح، والتحول الكلي نحو استراتيجية "تحسباً لأي طارئ" (Just in Case) حيث أصبح يتم تقديم عامل "الأمان المرن" من خلال تسييس سلاسل الإمداد على عوامل الكفاءة والانتاجية.
وقد تجلى ذلك، خلال الجائحة، في توقف خطوط إنتاج المواد الخام والمكونات الوسيطة وتكدس حاويات الشحن في الموانئ الخطأ حول العالم وتأخر فترة تسليم البضائع من أسابيع إلى شهور، مما تسبب في نقص حاد في مجموعة واسعة من السلع، ومنها الأدوية والأغذية ووسائل النقل المتنوعة. وعندها اكتشفت مصانع الغرب أنها عاجزة عن إنتاج سلعها النهائية نتيجة عدم توفر قطع صغيرة ورخيصة تُصنع حصرياً في مدينة في أطراف قارة أخرى. وأدرك صُناع القرار والشركات الكبرى أن "العولمة الفائقة" القائمة على ملاحقة أرخص يد عاملة في أي بقعة من الأرض، جعلت الأمن القومي والاقتصادي، وتحقيق الأرباح بطبيعة الحال، رهينة للظروف الجغرافية والصحية لدول أخرى.







أما التطورات التي أعقبت الحرب الروسية على أوكرانيا فقد شكلت مسمارا آخر في نعش العولمة الفائقة بعد أن قامت روسيا بتحويل إمدادات الطاقة إلى سلاح مباشر من خلال خفض وقطع تدفقات الغاز عبر خطوط أنابيب "نورد ستريم"، مما وضع أوروبا أمام شتاء قاس وأدى إلى ارتفاع فلكي في أسعار الطاقة. وكان رد المعسكر الغربي، في المقابل، بتحويل النظام المالي وسلاسل التوريد النقدية إلى سلاح عبر عزل البنوك الروسية عن نظام "سويفت" (SWIFT) وتجميد قرابة 300 مليار دولار من الأصول الروسية السيادية. هذا الحدث بدوره أرعب دولاً أخرى مثل الصين، وجعلها تدرك أن سلاسل الإمداد المالية والسلعية الخارجة عن سيطرتها لم تعد آمنة، مما دفعها للبحث عن بدائل.
ثم جاء الصراع القائم حاليا بين الولايات المتحدة وإيران كصدمة ثالثة ومباشرة ضربت عصب شريان النقل البحري والتجاري العالمي في مقتل بعد أن أصبحت البيئة الجيوسياسية الجديدة تهدد مضيقين من أهم مضائق العالم؛ مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي، ومضيق باب المندب الذي يربط حركة التجارة بين شرق العالم وغربه، عبر قناة السويس، الأمر الذي أسهم في انهيار عقيدة البحار المفتوحة والآمنة.
كل هذا الاستقطاب الحاد والمتراكم ولد استراتيجيات حمائية جيوسياسية تقودها القوى العظمى والشركات العالمية الكبرى أصبحت تقدم عنصر الأمان على عناصر الكفاءة والكلفة، وتقوم على عقيدة الخنادق والتحالفات السياسية والعوامل الإقليمية من خلال التوجه نحو نقل الإنتاج إلى الدول الصديقة والقريبة جغرافيا أو سياسيا (Friend- Shoring & Near- Shoring). فقد تخلت أوروبا عن مصادر الطاقة الروسية الرخيصة وتحولت نحو بدائل مضمونة ولكنها أعلى سعرا، مثل الغاز المسال القطري والأمريكي. كما قامت شركات عديدة بنقل أو إنشاء خطوط إنتاج جديدة في دول قريبة من الدول الغربية أو داخلها، مثل المكسيك والهند وفيتنام وبولندا، ومن الأمثلة على ذلك قيام شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (TSMC) ببناء مصنع للرقائق في ولاية أريزونا الأمريكية. كما أشارت تقارير منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي إلى زيادة قياسية في "القيود التجارية الحمائية"؛ حيث باتت الدول في الآونة الأخيرة تفرض حوالي ثلاثة آلاف من التدابير التجارية الجديدة سنوياً، مقارنة ببضع مئات من التدابيرقبل عقد من الزمن. وقد كان الثمن المباشر لكل هذا التفتت التجاري زوال عصر السلع التي تخلو من الهوية السياسية وارتفاع تكاليف الإنتاج، وبالتالي انتهاء عصرالسلع الرخيصة وخلق أرضية تضخمية هيكلية جديدة لم يشهدها الاقتصاد العالمي منذ أربعة عقود.
بدوره أسهم الصراع الأمريكي الإيراني في تسريع البحث عن "خرائط بديلة" للتعامل مع الاستعصاء الأمني في المضائق والبحار، حيث تسعى الدول الخليجية والقوى الدولية لتسريع وتيرة هندسة مشاريع ممرات برية وسكك حديدية بديلة لا تقع تحت رحمة التهديد الإيراني المباشر، الأمر الذي من شأنه أن يُعجل ببروز خرائط جيواقتصادية جديدة؛ مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا ،الذي أُعلن عنه رسمياً خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023، ومشروع "طريق التنمية"، الذي جرى التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم الخاصة به في إبريل 2024 من قبل العراق وقطر وتركيا والإمارات، حيث تسعى دول المنطقة، لتعظيم الاستفادة من موقعها وعائدات أصولها الاستراتيجية للتحول إلى "عقدة ربط ذهبية" لوجستية ورقمية تضمن استمرار التدفقات بعيداً عن بؤر التوتر البحرية.
وقد أصبح لزاما على الدول العربية أن تستغل هذه التطورات لتعظيم مكاسبها الاقتصادية من خلال تعزيزالتكامل الاقتصادي النفعي الشامل، وتعظيم مكاسب الموقع الجغرافي، وتجذير تكامل سلاسل القيمة المضافة القائمة على الميزة التنافسية، والعمل المشترك لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مجال سلاسل الإمداد والخدمات الرقمية والصناعات التحويلية والطاقة النظيفة، بما يضمن تحويل المنطقة من ممرات جغرافية مستهدفة إلى مركز ثقل اقتصادي عالمي يضمن تنمية مستدامة للأجيال القادمة.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم