م. صلاح طه عبيدات يكتب: الأردن بين ثروة الأرض وحكمة الإدارة

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 17245
م. صلاح طه عبيدات يكتب: الأردن بين ثروة الأرض وحكمة الإدارة
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

يثير الحديث عن ثروات الأردن الطبيعية جدلاً واسعاً بين المواطنين؛ فبين من يرى أن المملكة تجلس فوق كنوز هائلة، وبين من يعتقد أن الواقع الاقتصادي لا يعكس حجم تلك الإمكانات، تبقى الحقيقة أكثر تعقيداً من مجرد تعداد للثروات أو مقارنة بين الموارد والموازنة العامة. فالثروة لا تصنع الازدهار وحدها، وإنما تصنعه الإدارة الرشيدة والاستثمار طويل الأمد.
لقد حبا الله الأردن تنوعاً استثنائياً في موارده الطبيعية. فهو من أغنى دول العالم بالفوسفات والبوتاس، ويملك احتياطيات كبيرة من الصخر الزيتي، إلى جانب الرمال السيليكية عالية النقاء، والنحاس في جنوب المملكة، والمؤشرات الجيولوجية لوجود الليثيوم وبعض المعادن النادرة، فضلاً عن الثروات العلاجية والسياحية للبحر الميت، والموقع الجغرافي الذي يمنحه إمكانات كبيرة في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
غير أن امتلاك الموارد لا يعني تلقائياً تحقيق الثراء. فدول كثيرة تمتلك ثروات هائلة لكنها تعاني من الفقر بسبب سوء الإدارة، بينما استطاعت دول محدودة الموارد أن تصبح من أقوى الاقتصادات العالمية بفضل التخطيط، والحوكمة، والاستثمار في الإنسان.
إن التحدي الحقيقي في الأردن لا يكمن في وجود الموارد أو عدمها، بل في كيفية إدارتها. فالاقتصاد الحديث لم يعد يقيس نجاح الدول بحجم ما تستخرجه من خامات، بل بحجم القيمة المضافة التي تحققها منها. فبيع الفوسفات أو البوتاس كمواد خام يحقق عائداً، لكن تحويلهما إلى صناعات كيميائية وأسمدة ومنتجات متقدمة يضاعف القيمة الاقتصادية، ويوفر فرص عمل، ويزيد من الصادرات.
كما أن قطاع التعدين يحتاج إلى رؤية وطنية بعيدة المدى تقوم على جذب الاستثمارات النوعية، ونقل التكنولوجيا، وإعداد الكفاءات الأردنية، مع الحفاظ على البيئة وحقوق الأجيال القادمة. فالمورد الطبيعي مورد ناضب، أما المعرفة فهي المورد المتجدد الذي لا ينفد.
وفي مجال الطاقة، يمتلك الأردن واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، الأمر الذي يجعله مؤهلاً ليكون مركزاً إقليمياً للطاقة النظيفة وإنتاج الهيدروجين الأخضر مستقبلاً، وهو ما قد يفتح أبواباً جديدة للنمو الاقتصادي ويقلل الاعتماد على استيراد الطاقة.
أما المياه، وهي التحدي الأكبر الذي يواجه المملكة، فإن إدارتها أصبحت قضية أمن وطني. فالاستثمار في تحلية المياه، وإعادة الاستخدام، وتقنيات الري الحديثة، والحفاظ على الأحواض الجوفية، يمثل استثماراً في مستقبل الدولة وليس مجرد مشروع خدمي.
ولا يقل قطاع السياحة العلاجية والبيئية أهمية عن التعدين والطاقة. فالبحر الميت، والينابيع المعدنية، والمواقع الأثرية والدينية، تشكل ثروة اقتصادية مستدامة إذا ما أحسن تطويرها وتسويقها وفق معايير عالمية.
ومع ذلك، فإن نجاح أي استراتيجية لاستثمار الموارد الطبيعية يتطلب ثلاثة عناصر أساسية:
الشفافية في إدارة الثروات والعقود.
التخطيط العلمي بعيداً عن الحلول المؤقتة.
تحويل عوائد الموارد إلى مشاريع إنتاجية وتعليم وبحث علمي وبنية تحتية، لا إلى نفقات استهلاكية فقط.
إن الأردن لا يحتاج إلى معجزة اقتصادية بقدر ما يحتاج إلى رؤية وطنية تجعل من كل طن من الفوسفات، وكل متر مكعب من المياه، وكل ساعة من أشعة الشمس، فرصة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة.
فالازدهار لا يولد من باطن الأرض وحده، بل يولد عندما تلتقي الثروة الطبيعية بالإدارة الكفؤة، والقرار الاقتصادي الرشيد، والإرادة الوطنية التي تنظر إلى الموارد على أنها أمانة للأجيال، لا مجرد إيرادات آنية للموازنات. وعندها فقط، تتحول ثروات الأردن من أرقام في تقارير جيولوجية إلى واقع يلمسه المواطن في مستوى معيشته، وفرص عمله، وجودة حياته، ومستقبل أبنائه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم