موجات الحر تهدد اقتصاد أوروبا وتكبدها خسائر بمليارات الدولارات

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 23322
موجات الحر تهدد اقتصاد أوروبا وتكبدها خسائر بمليارات الدولارات
سرايا - تدفع الاقتصادات الأوروبية ثمنًا باهظًا لموجات الحر القياسية التي تضرب القارة، بعدما تحولت درجات الحرارة المرتفعة من أزمة مناخية إلى تهديد مباشر للنمو والإنتاجية.

ووفقا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، فإن موجات الحر القياسية في أوروبا لم تعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا للإنتاجية الاقتصادية والنمو، مع تحذيرات متزايدة من خبراء الاقتصاد بأن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى تباطؤ الاقتصادات الأوروبية ما لم تستثمر الحكومات في تحديث المباني والبنية التحتية وتهيئة أماكن العمل للتكيف مع التغير المناخي.

وفي بريطانيا، ومعظم دول أوروبا الغربية، تواجه الشركات والعاملون تحديات كبيرة شملت ارتفاع درجات الحرارة داخل المكاتب، وتعطل وسائل النقل، وإغلاق المدارس، فضلاً عن تعرض العاملين في مواقع البناء والزراعة لمخاطر الجفاف وضربات الشمس والإصابات المرتبطة بالإجهاد الحراري.

ويرى خبراء الاقتصاد أن الحرارة المرتفعة لم تعد قضية بيئية فقط، وإنما أصبحت عبئًا اقتصاديًا متزايدًا يهدد إنتاجية العمال ويقوض معدلات النمو، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على العمل الميداني أو التي يصعب فيها توفير بيئة عمل مكيفة.

خسائر في الإنتاجية
ونقل التقرير عن كبير اقتصاديي المناخ في مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس"، روبرت ماركس، إن وصول درجات الحرارة إلى أواخر الثلاثينيات أو أوائل الأربعينيات مئوية يؤدي إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية، كما يعطل العمل في قطاعات البناء والزراعة والتصنيع وتجارة التجزئة والضيافة وغيرها من الأنشطة التي يصعب فيها حماية العاملين من الظروف المناخية القاسية.

وأشار إلى أن هذه القطاعات تمثل نحو 27% من النشاط الاقتصادي في المملكة المتحدة، وترتفع النسبة إلى متوسط يبلغ 35% في دول أوروبا الغربية، موضحًا أن موجة حر تستمر أربعة أيام فقط قد تخفض نمو إنتاجية العمل الفصلية بنحو 1.5 نقطة مئوية في بريطانيا، وتصل الخسائر إلى نقطتين مئويتين في بقية أوروبا الغربية.

وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن قطاعي الزراعة والبناء سيكونان الأكثر تعرضًا لخسائر ساعات العمل بحلول عام 2030 في أوروبا الغربية والشمالية والجنوبية، نتيجة استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر.

مخاطر هيكلية
وفي السياق نفسه، خلصت دراسة أعدتها مجموعة التأمين الألمانية "أليانز" إلى أن الحرارة الشديدة أصبحت تمثل "مخاطرة اقتصادية هيكلية" بالنسبة لأوروبا، موضحة أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا تعد من أكثر الاقتصادات الأوروبية تعرضًا لخسائر الإجهاد الحراري، إذ تتراجع الإنتاجية بصورة حادة عندما تتجاوز درجات الحرارة حاجز 30 درجة مئوية، في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف الطاقة اللازمة لتبريد المباني والآلات.

ووفقًا لسيناريو الدراسة، قد تخسر فرنسا نحو 240 مليار دولار من الناتج الاقتصادي خلال الفترة بين عامي 2026 و2030، فيما قد تصل خسائر إيطاليا إلى 147 مليار دولار، وإسبانيا إلى 120 مليار دولار، بما يعادل خسارة تراكمية تصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي.

وقالت كاتارينا أوترمول، رئيسة قسم الأبحاث الموضوعية والسياسات في "أليانز" وأحد معدي الدراسة، إن موجات الحر لم تعد استثناءً، بل أصبحت اتجاهًا دائمًا، مؤكدة أن تكلفتها يتحملها الجميع، سواء العمال أو الشركات أو دافعو الضرائب، وأن الدول التي تستثمر في التكيف ستكون أقل تعرضًا للخسائر من تلك التي تؤجل اتخاذ الإجراءات.

إعادة النظر في قوانين العمل
وأعادت موجة الحر إشعال الجدل بشأن قوانين العمل في بريطانيا، إذ تنص اللوائح الحالية على حد أدنى لدرجة حرارة أماكن العمل يبلغ 16 درجة مئوية داخل المكاتب و13 درجة للأعمال البدنية الشاقة، لكنها لا تحدد حدًا أقصى لدرجات الحرارة، نظرًا لوجود أماكن عمل مثل المطابخ والمسابك ترتفع فيها الحرارة بصورة دائمة. وتكتفي هيئة الصحة والسلامة البريطانية بإلزام أصحاب الأعمال بالحفاظ على درجة حرارة "معقولة" داخل أماكن العمل.

وتوصي الهيئة أصحاب الأعمال بإعادة جدولة ساعات العمل إلى الفترات الأكثر برودة، وزيادة فترات الراحة، وتوفير مياه شرب باردة مجانًا، والسماح للعاملين بخلع معدات الوقاية الشخصية أثناء فترات الاستراحة.

وفي إيطاليا، أصدرت سلطات إقليم لاتسيو، الذي يضم العاصمة روما، قرارًا يمنع عمال البناء وسائقي توصيل الطلبات من العمل بين الساعة الثانية عشرة والنصف والرابعة عصرًا خلال ذروة الحرارة، بينما طبقت بعض المدن البريطانية إجراءات مشابهة بصورة غير مباشرة، إذ بدأت فرق جمع القمامة عملها في الرابعة صباحًا لتجنب الحرارة المرتفعة.

كما اضطرت شركات إلى تعليق أنشطتها مؤقتًا، إذ أوقفت إحدى مصانع الجعة المستقلة في مقاطعة بيركشاير عمليات الإنتاج بعد تجاوز درجات الحرارة داخل المصنع 40 درجة مئوية، معتبرة أن استمرار العمل في تلك الظروف يشكل خطرًا على سلامة العاملين.

العمل عن بعد
وفي المقابل، استفاد كثير من موظفي المكاتب من إمكانية العمل عن بُعد، بينما بقي العاملون في قطاعات الرعاية الصحية والنقل والمخابز والمتاجر وغيرهم مضطرين للحضور إلى مواقع العمل، وهو ما أعاد النقاش حول عدم المساواة في فرص العمل المرن.

وتختلف التشريعات الأوروبية في التعامل مع الحرارة المرتفعة؛ ففرنسا فرضت لوائح جديدة تلزم الشركات بتعديل جداول العمل وتوفير مياه الشرب وتقليل تعرض أماكن العمل لأشعة الشمس، بينما تُلزم ألمانيا أصحاب الأعمال باتخاذ إجراءات لتبريد أماكن العمل عند تجاوز الحرارة 30 درجة مئوية، مع تطبيق قواعد أكثر صرامة عند وصولها إلى 35 درجة.

أما إسبانيا، فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث تمنح العمال الذين يتعذر عليهم الوصول إلى أماكن عملهم بسبب الظروف المناخية إجازة مدفوعة الأجر تصل إلى أربعة أيام، كما تتيح للشركات تعليق عقود العمل مؤقتًا إذا استدعت الظروف ذلك.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم