نوفل يكتب: قراءة في الصحافة العبرية: هل تعيد واشنطن رسم خريطة وجودها العسكري في الشرق الأوسط؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 9879
 نوفل يكتب: قراءة في الصحافة العبرية: هل تعيد واشنطن رسم خريطة وجودها العسكري في الشرق الأوسط؟
الصيدلي عدوان قشمر نوفل

الصيدلي عدوان قشمر نوفل

تكشف التقارير المتزامنة التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية مختلفة، نقلاً عن تحقيقات وتقارير أميركية، عن تحول استراتيجي قد يكون من أهم التحولات العسكرية في الشرق الأوسط منذ عقود. فالمسألة لم تعد تتعلق بحجم الخسائر التي لحقت بالقواعد الأميركية خلال الحرب الأخيرة مع إيران، بل بما إذا كانت هذه الخسائر ستدفع واشنطن إلى إعادة صياغة فلسفة انتشارها العسكري بالكامل في المنطقة.

بحسب هذه التقارير، فإن الهجمات الإيرانية الواسعة بالطائرات المسيّرة والصواريخ أثبتت أن القواعد الأميركية التقليدية في الخليج لم تعد تتمتع بالحصانة التي كانت تتمتع بها سابقاً. فالقواعد الموجودة في البحرين والكويت والسعودية تقع اليوم ضمن مدى الصواريخ الإيرانية الدقيقة، الأمر الذي يجعلها أهدافاً مكشوفة في أي مواجهة مستقبلية.

ورغم أن الرواية الإسرائيلية والأميركية تؤكد أن الولايات المتحدة ألحقت بإيران أضراراً أكبر مما تعرضت له هي نفسها، فإن ما بين السطور يكشف حقيقة أخرى لا تقل أهمية: إيران نجحت للمرة الأولى في إثبات قدرتها على تهديد البنية العسكرية الأميركية مباشرة، وإجبار البنتاغون على مراجعة خططه الدفاعية والهجومية في المنطقة.

اللافت أن الحديث لا يدور عن انسحاب أميركي كامل من الخليج، بل عن إعادة انتشار وتوزيع للقوات. فواشنطن تدرك أن الخليج لا يزال يمثل مركزاً حيوياً للطاقة والتجارة العالمية، لكنها تسعى إلى تقليل تركيز قواتها في مواقع يسهل استهدافها، والانتقال إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على قواعد متعددة ومراكز قيادة محصنة تحت الأرض.

ومن هنا يبرز اسم إسرائيل كأحد الخيارات المطروحة لاستضافة جزء من هذه القدرات العسكرية. فالجيش الإسرائيلي أثبت خلال الحرب الأخيرة مستوى عالياً من التنسيق مع القوات الأميركية، كما أن البنية التحتية العسكرية الإسرائيلية المتطورة، وخاصة المنشآت المحصنة ومنظومات الدفاع الجوي، تجعلها شريكاً جذاباً للبنتاغون.

لكن هذا التوجه لا يخلو من التعقيدات. فالقوات الأميركية الموجودة في الخليج تؤدي دوراً مزدوجاً: حماية المصالح الأميركية من جهة، وطمأنة الحلفاء العرب من جهة أخرى. وأي تقليص ملموس لهذا الوجود قد يُفسَّر في الرياض وأبو ظبي والكويت والمنامة على أنه تراجع في الالتزام الأميركي بأمن المنطقة.

لهذا السبب تبدو دول الخليج قلقة من مسارين متوازيين: الأول هو تقليص الوجود العسكري الأميركي، والثاني هو استمرار التفاهمات السياسية مع إيران. ومن وجهة نظر هذه الدول، فإن الجمع بين الأمرين قد يؤدي إلى زيادة النفوذ الإيراني الإقليمي في وقت تشعر فيه العواصم الخليجية بأنها ما زالت بحاجة إلى المظلة الأمنية الأميركية.

أما على الجبهة اليمنية، فتشير التسريبات الإسرائيلية إلى أن تل أبيب تستعد للانتقال من سياسة الاحتواء والاعتراض الدفاعي إلى سياسة الضربات الاستباقية والعمليات الهجومية ضد الحوثيين. التهديدات العلنية التي أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي باستهداف قيادة الجماعة تعكس قناعة إسرائيلية متزايدة بأن الخطر القادم من اليمن لم يعد مجرد تهديد بعيد، بل تحول إلى جبهة نشطة مرتبطة مباشرة بالمواجهة الإقليمية مع إيران.

وتكشف هذه التصريحات أيضاً أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى الحوثيين كتنظيم محلي يمني، بل كجزء من شبكة إقليمية تقودها طهران وتشمل حزب الله والفصائل الفلسطينية المسلحة. ولذلك فإن أي تصعيد جديد في اليمن قد يُقرأ في تل أبيب وواشنطن باعتباره جزءاً من معركة أوسع مع إيران وليس مجرد مواجهة منفصلة.

وعند جمع هذه المؤشرات معاً، تتضح صورة مختلفة عن تلك التي تظهر في العناوين. فالولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط بقدر ما تعيد تموضعها داخله. وإسرائيل تسعى إلى استثمار هذا التحول لتعزيز مكانتها كشريك عسكري لا غنى عنه لواشنطن. أما دول الخليج فتخشى أن تجد نفسها في مرحلة انتقالية تفقد فيها جزءاً من الحماية الأميركية التقليدية دون أن تحصل على بديل واضح ومضمون.

وفي المدى القريب، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة توزيع للأدوار العسكرية أكثر من توجهها نحو الانسحاب أو الحرب الشاملة. لكن إذا صحت التقديرات المتعلقة بحجم الأضرار التي أصابت القواعد الأميركية، فإن الحرب الأخيرة قد تكون قد فتحت بالفعل صفحة جديدة في الاستراتيجية الأميركية بالشرق الأوسط، عنوانها: الانتشار المرن بدلاً من التمركز التقليدي، والتحصين بدلاً من الحشد، والشراكة مع إسرائيل بدلاً من الاعتماد الحصري على قواعد الخليج.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم