الخوالدة يكتب: الأردن في السردية الإسلامية .. أرضٌ اجتمع لها شرفان ومعجزة الخبر

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 19682
 الخوالدة يكتب: الأردن في السردية الإسلامية ..  أرضٌ اجتمع لها شرفان ومعجزة الخبر
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

تخيل أن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة يخبر أصحابه بما يجري في معركة تبعد مئات الكيلومترات، قبل أن يصل رسول واحد يحمل الخبر. ثم تخيل أن الأرض التي جرت عليها تلك الأحداث ما تزال تحتفظ باسمها إلى يومنا هذا: مؤتة.

هذه ليست رواية أدبية، ولا مشهدًا دراميًا، بل صفحة ثابتة من السيرة النبوية، وقعت على أرض الأردن، لتمنح هذه البلاد حضورًا خاصًا في ذاكرة المسلمين.

بدأت القصة في السنة الثامنة للهجرة، عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الحارث بن عمير الأزدي رسولًا بكتاب إلى عظيم بُصرى في بلاد الشام، فاعترضه أحد الأمراء المتحالفين مع الروم، فقتله. وكان قتل الرسل في أعراف ذلك الزمن جريمة كبرى وإعلانًا صريحًا للعداء، ولذلك لم يكن ممكنًا أن تمر الحادثة دون موقف يحفظ هيبة الدولة الإسلامية الناشئة.

جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وجعل القيادة لزيد بن حارثة، فإن استشهد فجعفر بن أبي طالب، فإن استشهد فعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم. واتجه الجيش إلى مؤتة، على الأرض التي تُعرف اليوم بجنوب الأردن، حيث واجه الروم وحلفاءهم من القبائل العربية المتحالفة معهم.

لم تكن مؤتة مجرد معركة عسكرية، بل كانت أول مواجهة مباشرة بين الدولة الإسلامية والإمبراطورية الرومانية الشرقية. ورغم عدم تكافؤ موازين القوة، وقف جيش المسلمين حاملًا رسالة واضحة: أن الدولة الإسلامية قادرة على حماية رسلها والدفاع عن كرامتها وحضورها.

واستشهد القادة الثلاثة تباعًا؛ زيد، ثم جعفر، ثم عبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، بعد أن ضربوا أروع صور الثبات والفداء. ثم أخذ خالد بن الوليد الراية، فأدار المعركة بمهارة عسكرية حفظت الجيش من الإبادة، حتى لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بـ«سيف الله المسلول».

لكن المشهد الأكثر إثارة لم يكن في أرض المعركة وحدها، بل في المدينة المنورة؛ فقد أطلع الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ما يجري في مؤتة، فأخبر الصحابة باستشهاد القادة الثلاثة، وأخبرهم أن خالد بن الوليد أخذ الراية، قبل أن يصل الخبر من أرض المعركة. وهنا تتجلى معجزة الخبر، بوصفها من دلائل النبوة الثابتة في السنة الصحيحة، كما تتجلى مكرمة المكان؛ إذ شاء الله أن تقع هذه الواقعة الخالدة على أرض الأردن.

ولم تنته صلة الأردن بالسيرة النبوية عند مؤتة؛ فبعد نحو ثلاث سنوات، وفي آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم، جهز جيش أسامة بن زيد، وجعل وجهته نحو البلقاء وما جاورها من أرض الشام. وكان يكرر في مرضه الأخير: «أنفذوا بعث أسامة»، ثم توفي قبل خروج الجيش.

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم الظروف الصعبة التي واجهت الدولة الإسلامية وظهور الردة في مناطق عدة، أصر الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه على إنفاذ الجيش تنفيذًا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. خرج الجيش، وأدى مهمته، وعاد محققًا مقصده في تثبيت هيبة الدولة الإسلامية، وتأمين حدودها الشمالية، والتأكيد أن الرسالة لا تتوقف بوفاة قائدها.

وهكذا اجتمع للأردن شرفان ثابتان في السيرة النبوية؛ أولهما أن أرضه شهدت غزوة مؤتة، أول مواجهة كبرى بين المسلمين والروم، وفيها تجلت البطولة ودلائل النبوة، وثانيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البلقاء وما جاورها وجهة آخر جيش جهزه في حياته، وهو جيش أسامة بن زيد. وبين هذين الشرفين بقيت هذه الأرض حاضرة في السيرة النبوية، شاهدة على مرحلة مفصلية في بناء الدولة الإسلامية واستمرار رسالتها.

ومن هنا، فإن الحديث عن الأردن في السردية الإسلامية ليس مبالغة وطنية، ولا استدعاءً للماضي من باب التفاخر، بل قراءة واعية في وقائع موثقة؛ فالأرض التي تُعرف اليوم بالأردن لم تكن هامشًا في بدايات الدولة الإسلامية، بل شهدت تضحية الصحابة، ودلائل النبوة، وواحدة من أهم محطات التحول نحو بلاد الشام.

ولعل من أجمل صور استحضار هذه الذاكرة أن الأردن لم يكتف بحفظ مؤتة في كتب التاريخ، بل خلدها في صرح أكاديمي وطني يجمع بين الجناحين العسكري والمدني، وكأن الرسالة التي حملتها مؤتة قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا ما تزال حاضرة؛ فحماية الأوطان لا تقوم بالسلاح وحده، كما أن نهضتها لا تقوم بالعلم وحده، وإنما بالتكامل بينهما. وهي رسالة وطنية عميقة تعكس حرص الدولة الأردنية على أن تبقى هذه الصفحة المشرقة من السيرة جزءًا من الوعي الوطني للأجيال.

ولعل من المؤسف أن هذه الصفحة المضيئة لم تنل الحضور الذي تستحقه في الأعمال الأدبية والدرامية والسينمائية، رغم ما تحمله من معانٍ إنسانية وعسكرية وإيمانية عميقة. فمؤتة ليست مجرد اسم على الخريطة، بل خبرٌ سبق الرسل، ودماءٌ سالت دفاعًا عن الرسالة، وذاكرةٌ تستحق أن تُورث للأجيال بوعي وعلم.

لقد شاء الله أن تبقى أرض الأردن شاهدة على هذه الصفحات الخالدة، لا لتكون موضع تفاخر، وإنما لتكون مصدر وعي بتاريخ الأمة، وإدراكٍ أن بعض الأمكنة يخلدها ما شهدته من أحداث، لا ما تملكه من ثروات.

حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا وجيشًا وأجهزةً أمنية، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وجعله دائمًا أرضًا للخير والاعتدال، ووطنًا يستلهم من تاريخه قيم الوحدة والوفاء والبناء.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم