في السياسة لا يكفي أن نعرف من انتصر في معركة، بل الأهم أن نفهم كيف تُبنى موازين القوى، وكيف تحافظ الأمم على أمنها ومصالحها واستقرارها لعقود طويلة.
ومن هذا المنطلق فإن النقاش الدائر اليوم حول إيران أو غيرها من القوى الإقليمية يجب أن يتجاوز ردود الفعل الآنية إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن للعرب بناء توازن إقليمي مستدام يحفظ أمنهم ويمنع التدخل في شؤونهم؟
إيران دولة مهمة في محيطها الإقليمي، يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، وتمتد على مساحة تقارب 1.65 مليون كيلومتر مربع، وتملك موقعاً جغرافياً مؤثراً يطل على الخليج العربي وبحر عُمان، وتشرف على مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما أن المجتمع الإيراني متعدد القوميات، ويضم الفرس والأذريين والأكراد والعرب والبلوش وغيرهم.
لكن الخلاف العربي مع إيران لم يكن يوماً مع الشعب الإيراني أو مع الحضارة الإيرانية أو مع الإسلام الذي يجمع شعوب المنطقة، وإنما مع سياسات وتدخلات أضرت باستقرار عدد من الدول العربية، وأوجدت حالة من التوتر وعدم الثقة في الإقليم.
ولعل العراق يمثل المثال الأبرز على ذلك. فالعراق ليس دولة مجاورة فحسب، بل هو جزء أصيل من الأمة العربية والإسلامية، ومهد من مهاد الحضارة والعلم والثقافة. واستقرار العراق وقوته واستقلال قراره الوطني مصلحة عربية وإسلامية عليا قبل أن تكون مصلحة عراقية داخلية.
ومن الطبيعي أن يكون العرب أكثر حرصاً على العراق ومستقبله واستقراره من أي قوة إقليمية أخرى، لأن العراق يرتبط بعمقه العربي تاريخاً وجغرافيا ومصالح ومصيراً مشتركاً.
وفي المقابل، قدمت دول الخليج العربية كافة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، أدواراً كبيرة في دعم الاستقرار والتنمية ومساندة العديد من الدول العربية عبر عقود طويلة. وكانت هذه الجهود تعبيراً عن فهم عميق لفكرة الأمن العربي المشترك، القائم على أن قوة أي دولة عربية هي قوة لبقية الدول العربية.
لكن التجارب أثبتت أن المال وحده لا يصنع التوازن، كما أن السلاح وحده لا يصنع الردع.
فالتوازن الحقيقي يحتاج إلى معادلة متكاملة تجمع بين الموارد المالية والقدرة البشرية والعلم والتكنولوجيا والإدارة الفاعلة.
والأمة العربية تمتلك في هذا المجال عناصر قوة استثنائية. فهي تضم أكثر من 450 مليون نسمة، وتمتد على مساحة جغرافية واسعة، وتملك موارد طبيعية ضخمة وموقعاً استراتيجياً فريداً يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلاً عن امتلاكها ثروة بشرية شابة لا تزال تمثل أحد أهم عناصر القوة المستقبلية.
وفي الوقت الذي تواجه فيه بعض الاقتصادات الكبرى تحديات الشيخوخة السكانية وتراجع أعداد القوى العاملة وارتفاع كلفة التقاعد، تمتلك الدول العربية قاعدة شبابية واسعة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية وعلمية هائلة إذا توفرت لها البيئة المناسبة.
ومن هنا فإن الردع العربي لا يبدأ من سباقات التسلح وحدها، بل من بناء مشروع عربي متدرج يقوم على التكامل الاقتصادي والتقني والإداري، وتسهيل حركة الاستثمار والتجارة والأفراد، وتعزيز الصناعات المشتركة، وخاصة الصناعات المتوسطة والاستراتيجية والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
كما أن الأمن المائي والغذائي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من هذا المشروع، من خلال التوسع في تحلية المياه، وتعزيز الأمن الغذائي، والتعاون في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح.
ولا يقل أهمية عن ذلك العمل الجاد على تحقيق المصالحات العربية، ودعم استقرار السودان وليبيا وسوريا ولبنان واليمن والعراق، لأن استنزاف الدول العربية من الداخل يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية مهما كان مصدرها.
أما القضية الفلسطينية، فإن ما نشهده اليوم ليس سوى نتيجة لتراكمات طويلة من الاحتلال والظلم والانقسام العربي والإقليمي. وما أحداث السنوات الأخيرة إلا أعراض لأزمة أعمق تتعلق بغياب مشروع عربي قادر على حماية المصالح العربية والدفاع عنها بصورة أكثر فاعلية.
إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الخطابات، بل الانتقال من مرحلة التنسيق المحدود إلى مرحلة العمل العربي المؤسسي الحقيقي، بحيث تصبح المصالح العربية المشتركة مشاريع اقتصادية وصناعية وتعليمية وأمنية ملموسة.
فالأمة العربية لا تعاني من نقص في الإمكانات، بل من نقص في مستوى التكامل المطلوب بين هذه الإمكانات.
وعندما تتحول الطاقات العربية إلى مشروع مشترك، وعندما يصبح التعاون العربي واقعاً يومياً لا شعاراً سياسياً، وعندما يشعر الشاب العربي أن مستقبله مرتبط بفضاء عربي واسع يوفر له الفرص والكرامة والأمل، عندها فقط يصبح التوازن الإقليمي نتيجة طبيعية، لا مطلباً مؤجلاً.
فالردع العربي الحقيقي لا يبدأ من فوهة البندقية، بل يبدأ من الإنسان، ثم العلم، ثم الاقتصاد، ثم المؤسسة، ثم القدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى قوة منظمة ومؤثرة.
وهذا هو الطريق الأقصر إلى الاستقرار، والأقدر على حماية الأمة العربية والإسلامية، وصناعة مستقبل يليق بتاريخها وإمكاناتها ومكانتها بين الأمم.
ومن هذا المنطلق فإن النقاش الدائر اليوم حول إيران أو غيرها من القوى الإقليمية يجب أن يتجاوز ردود الفعل الآنية إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن للعرب بناء توازن إقليمي مستدام يحفظ أمنهم ويمنع التدخل في شؤونهم؟
إيران دولة مهمة في محيطها الإقليمي، يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، وتمتد على مساحة تقارب 1.65 مليون كيلومتر مربع، وتملك موقعاً جغرافياً مؤثراً يطل على الخليج العربي وبحر عُمان، وتشرف على مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما أن المجتمع الإيراني متعدد القوميات، ويضم الفرس والأذريين والأكراد والعرب والبلوش وغيرهم.
لكن الخلاف العربي مع إيران لم يكن يوماً مع الشعب الإيراني أو مع الحضارة الإيرانية أو مع الإسلام الذي يجمع شعوب المنطقة، وإنما مع سياسات وتدخلات أضرت باستقرار عدد من الدول العربية، وأوجدت حالة من التوتر وعدم الثقة في الإقليم.
ولعل العراق يمثل المثال الأبرز على ذلك. فالعراق ليس دولة مجاورة فحسب، بل هو جزء أصيل من الأمة العربية والإسلامية، ومهد من مهاد الحضارة والعلم والثقافة. واستقرار العراق وقوته واستقلال قراره الوطني مصلحة عربية وإسلامية عليا قبل أن تكون مصلحة عراقية داخلية.
ومن الطبيعي أن يكون العرب أكثر حرصاً على العراق ومستقبله واستقراره من أي قوة إقليمية أخرى، لأن العراق يرتبط بعمقه العربي تاريخاً وجغرافيا ومصالح ومصيراً مشتركاً.
وفي المقابل، قدمت دول الخليج العربية كافة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، أدواراً كبيرة في دعم الاستقرار والتنمية ومساندة العديد من الدول العربية عبر عقود طويلة. وكانت هذه الجهود تعبيراً عن فهم عميق لفكرة الأمن العربي المشترك، القائم على أن قوة أي دولة عربية هي قوة لبقية الدول العربية.
لكن التجارب أثبتت أن المال وحده لا يصنع التوازن، كما أن السلاح وحده لا يصنع الردع.
فالتوازن الحقيقي يحتاج إلى معادلة متكاملة تجمع بين الموارد المالية والقدرة البشرية والعلم والتكنولوجيا والإدارة الفاعلة.
والأمة العربية تمتلك في هذا المجال عناصر قوة استثنائية. فهي تضم أكثر من 450 مليون نسمة، وتمتد على مساحة جغرافية واسعة، وتملك موارد طبيعية ضخمة وموقعاً استراتيجياً فريداً يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلاً عن امتلاكها ثروة بشرية شابة لا تزال تمثل أحد أهم عناصر القوة المستقبلية.
وفي الوقت الذي تواجه فيه بعض الاقتصادات الكبرى تحديات الشيخوخة السكانية وتراجع أعداد القوى العاملة وارتفاع كلفة التقاعد، تمتلك الدول العربية قاعدة شبابية واسعة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية وعلمية هائلة إذا توفرت لها البيئة المناسبة.
ومن هنا فإن الردع العربي لا يبدأ من سباقات التسلح وحدها، بل من بناء مشروع عربي متدرج يقوم على التكامل الاقتصادي والتقني والإداري، وتسهيل حركة الاستثمار والتجارة والأفراد، وتعزيز الصناعات المشتركة، وخاصة الصناعات المتوسطة والاستراتيجية والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
كما أن الأمن المائي والغذائي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من هذا المشروع، من خلال التوسع في تحلية المياه، وتعزيز الأمن الغذائي، والتعاون في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح.
ولا يقل أهمية عن ذلك العمل الجاد على تحقيق المصالحات العربية، ودعم استقرار السودان وليبيا وسوريا ولبنان واليمن والعراق، لأن استنزاف الدول العربية من الداخل يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية مهما كان مصدرها.
أما القضية الفلسطينية، فإن ما نشهده اليوم ليس سوى نتيجة لتراكمات طويلة من الاحتلال والظلم والانقسام العربي والإقليمي. وما أحداث السنوات الأخيرة إلا أعراض لأزمة أعمق تتعلق بغياب مشروع عربي قادر على حماية المصالح العربية والدفاع عنها بصورة أكثر فاعلية.
إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الخطابات، بل الانتقال من مرحلة التنسيق المحدود إلى مرحلة العمل العربي المؤسسي الحقيقي، بحيث تصبح المصالح العربية المشتركة مشاريع اقتصادية وصناعية وتعليمية وأمنية ملموسة.
فالأمة العربية لا تعاني من نقص في الإمكانات، بل من نقص في مستوى التكامل المطلوب بين هذه الإمكانات.
وعندما تتحول الطاقات العربية إلى مشروع مشترك، وعندما يصبح التعاون العربي واقعاً يومياً لا شعاراً سياسياً، وعندما يشعر الشاب العربي أن مستقبله مرتبط بفضاء عربي واسع يوفر له الفرص والكرامة والأمل، عندها فقط يصبح التوازن الإقليمي نتيجة طبيعية، لا مطلباً مؤجلاً.
فالردع العربي الحقيقي لا يبدأ من فوهة البندقية، بل يبدأ من الإنسان، ثم العلم، ثم الاقتصاد، ثم المؤسسة، ثم القدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى قوة منظمة ومؤثرة.
وهذا هو الطريق الأقصر إلى الاستقرار، والأقدر على حماية الأمة العربية والإسلامية، وصناعة مستقبل يليق بتاريخها وإمكاناتها ومكانتها بين الأمم.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات