محمد مطلب المجالي يكتب: كثرة الشيوخ .. وأزمة الوجاهات وندرة الحكماء

منذ 2 يوم
المشاهدات : 31234
محمد مطلب المجالي يكتب: كثرة الشيوخ ..  وأزمة الوجاهات وندرة الحكماء
محمد مطلب المجالي

محمد مطلب المجالي

في كل مجتمع وجاهات ورموز اجتماعية تسهم في جمع الكلمة وإصلاح ذات البين، وتحمل هموم الناس وتنقل مطالبهم، وتكون صلة وصل بين المجتمع ومؤسساته. غير أن بعض الوجاهات في زماننا أصبحت تعاني أزمات حقيقية أثرت في حضورها ومكانتها ودورها.
وأولى هذه الأزمات هي أزمة المصداقية، حين يكثر الكلام وتقل الأفعال، وترفع الشعارات الكبيرة دون أن يلمس الناس نتائج على أرض الواقع. فالناس لا يحكمون على الوجاهة بما يقال عنها، بل بما تقدمه من مواقف وخدمات ومبادرات صادقة.
أما الأزمة الثانية فهي البحث عن الظهور على حساب الدور الحقيقي. فبعض الوجاهات أصبحت حاضرة أمام عدسات الكاميرات وفي منصات التواصل أكثر من حضورها في ميادين الإصلاح وخدمة الناس، حتى بات الاهتمام بالصورة أحياناً يفوق الاهتمام بالمضمون.
وتبرز كذلك أزمة تضارب المصالح، حين تتحول الوجاهة من رسالة اجتماعية إلى وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو البحث عن منصب أو منفعة. وعندها يفقد الناس ثقتهم بمن كان يفترض أن يكون صوتهم والمدافع عن مصالحهم.
ومن الأزمات أيضاً غياب تجديد الدماء وإفساح المجال للكفاءات الشابة القادرة على حمل الراية مستقبلاً. فالمجتمعات الحية هي التي تجمع بين حكمة الكبار وحيوية الشباب، لا التي تحتكر الأدوار وتحاصر الطاقات الجديدة.
ونرفع القبعات لكثير من الشيوخ والوجهاء الذين رسخوا مكانتهم بالعمل الصادق والسيرة الحسنة، والذين ما زالوا يشكلون مرجعيات اجتماعية محترمة في المجتمع الأردني، بما يمتلكونه من حكمة وخبرة ومخزون كبير من القيم والمبادئ والأعراف الأصيلة. فقد أسهموا في إصلاح ذات البين، وحل النزاعات، ووأد الفتن، وتقريب وجهات النظر، وكانوا على الدوام سنداً للمجتمع وحصناً منيعاً في مواجهة كثير من التحديات الاجتماعية.
وفي المقابل، برزت في السنوات الأخيرة نماذج جديدة تحاول أن تتصدر المشهد الاجتماعي قبل أن تكتمل لديها مقومات الوجاهة الحقيقية. وهنا تبرز علامات استفهام وملاحظات لا يجوز إغفالها أو تجاوزها، لأن الوجاهة ليست عباءة تلبس، ولا لقباً يسبق الاسم، ولا حضوراً في المناسبات العامة، بل هي مسؤولية وأمانة وتاريخ من المواقف المشرفة. فالناس يميزون جيداً بين شيخ صنعته المواقف والأفعال، وبين آخر صنعته الأضواء والظهور المؤقت.
ولعل من أبلغ ما يتداوله الناس في وصف هذه الحالة ذلك القول المأثور: "إذا أردت أن تدعو على قوم بالشر فقل: اللهم كثّر شيوخها". وليس المقصود هنا الشيوخ الحقيقيين الذين يمثلون الحكمة والخبرة والمرجعية الاجتماعية، فهؤلاء بركة للمجتمع وعنوان استقراره، وإنما المقصود أولئك الذين يتكاثرون بالألقاب وتغيب عنهم مقومات القيادة والمسؤولية. فعندما يكثر المتصدرون وتقل الحكماء، وتزدحم الساحة بالمدّعين ويغيب أصحاب الخبرة والتجربة، تختلط المرجعيات وتتضارب المواقف وتفقد الوجاهة شيئاً من هيبتها ودورها الحقيقي.
ومن أخطر ما يترتب على ذلك أن كثيراً من العارفين وأصحاب الخبرة في شؤون الإصلاح والعرف الاجتماعي أصبحوا يعتذرون عن المشاركة في بعض القضايا والمبادرات الاجتماعية عندما يجدون أن المواقف يتبناها أو يقودها أشخاص محدودو المعرفة والخبرة في هذا المجال. فالحكيم يدرك قيمة الكلمة وأثر القرار، ولذلك لا يقبل أن يكون مجرد شاهد على اجتهادات غير مدروسة أو مواقف قد تفتقر إلى البصيرة والتقدير السليم. ونتيجة لذلك يخسر المجتمع خبرات ثمينة كان يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر وحل المشكلات بأقل التكاليف الاجتماعية الممكنة.
والأخطر من ذلك أن بعض القضايا التي كانت تُدار بحكمة العارفين ورجاحة أصحاب التجربة أصبحت تُختزل أحياناً في اجتهادات فردية أو مواقف متسرعة، الأمر الذي يضعف فرص الوصول إلى حلول عادلة ومتوازنة. فالعرف الاجتماعي ليس ساحة للاستعراض، ولا ميداناً للتجربة، بل منظومة متراكمة من الخبرات والقيم تحتاج إلى المعرفة والحكمة والقدرة على تقدير العواقب.
إن الوجاهة الحقيقية ليست لقباً يمنح، ولا صورة تنشر، ولا مجلساً يعقد، بل هي أخلاق ومواقف وعطاء واحترام يكتسبه الإنسان من الناس. وهي مسؤولية قبل أن تكون مكانة، وتكليف قبل أن تكون تشريفاً. ومن يظن أن الوجاهة تصنع بكثرة الظهور أو بتصدر المشهد سرعان ما يكتشف أن الزمن لا يحفظ إلا أصحاب الأثر الطيب والعمل الصادق.
وفي زمن تتسارع فيه المتغيرات وتختلط فيه المفاهيم، تبقى الحاجة قائمة إلى وجاهات وطنية واجتماعية حقيقية تحمل رسالة الإصلاح، وتقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، وتفسح المجال للكفاءة والخبرة، وتكون قدوة في الحكمة والاتزان والتواضع. فالمجتمعات لا تنهض بكثرة الألقاب، بل بصدق الرجال الذين يحملونها، وبما يتركونه من أثر طيب في حياة الناس.
بقلم: محمد مطلب المجالي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم