سرايا - من الغريب أن تشهد بريطانيا قريباً الإعلان عن رئيس وزرائها السابع في غضون عشر سنوات. والأكثر إثارة للدهشة، أن ثلاثة من الزعماء السابقين، وهم:
ديفيد كاميرون، وبوريس جونسون، والآن السير كير ستارمر، أعلنوا استقالتهم في غضون ثلاث سنوات من فوزهم بأغلبية برلمانية كبيرة غير متوقعة.
مثل هذا التغيير يُعدّ غير مسبوق في بريطانيا منذ قرنين تقريباً؛ أي منذ الاضطرابات التي أعقبت قانون الإصلاح الكبير لعام 1832، الذي بشر بالتحول نحو الديمقراطية الجماهيرية. كما أنه يعتبر استثنائياً مقارنة بدول أوروبية رئيسة أخرى، حتى إيطاليا. ويمكن أن نرجع هذه الاضطرابات إلى أسباب عدة، أبرزها:
- الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست): لقد جاءت استقالة ستارمر قبل يوم واحد من الذكرى العاشرة لتصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وبالفعل، فقد شكل التصويت على البريكست تحدياً لوجستياً هائلاً، وربما تسبب في سلسلة من التوقعات العامة التي لم يكن من الممكن تلبيتها. وقد احتاجت بريطانيا إلى نصف عقد للحديث عن علاقاتها، بدلاً من التركيز على مشكلات هيكلية أعمق.
وقال جيريمي هانت، وزير المالية المحافظ السابق إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «تسبب في الإطاحة بديفيد كاميرون وتيريزا ماي، وأعاد رسم الخريطة السياسية، وحرم حزب العمال من قاعدته العمالية التي تُعد السبب الجذري لقلقه الوجودي».
كذلك، فقد أدى الاستفتاء إلى تراجع الدعم الشعبي لحزب العمال في المناطق الصناعية السابقة في شمال ووسط إنجلترا. وفي الوقت نفسه، ثارت المناطق الجنوبية الثرية ضد تبني المحافظين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ولذلك، سارعت السياسات الشعبوية لنايجل فاراج إلى ملء الفراغ. وقال لوك ترايل، مدير مجموعة استطلاعات الرأي «مور إن كومون»: «إن أكبر انقسام في السياسة البريطانية، في ظل الإقرار العالمي بأننا في مأزق، يتعلق بسؤال: هل نخرج منه بالحفاظ على مؤسساتنا وتحسينها، أم بهدمها بالكامل؟».
وينقسم الناخبون حالياً إلى فئتين: 60% يؤيدون «الحفاظ على الوضع الراهن وتحسينه»، و40% يعارضونه بشدة. وبدلاً من طيف يساري-يميني، نجد هذا التنوع الهائل في الآراء، ما يصعب تشكيل ائتلاف مستقر.
- الأخطاء الفردية: لم يحسن أي رئيس وزراء منذ عام 2016 التعامل مع التحديات التي واجهها. فقد دعا ديفيد كاميرون إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. أما ماي، فقد قوضت سلطتها بنفسها بإجراء انتخابات غير ضرورية، وحملة انتخابية ضعيفة أبرزت عجزها. ثم أطيح بجونسون بسبب إخفاقاته الشخصية، ومنها تسامحه مع التجمعات الاجتماعية في داونينج ستريت خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة (كوفيد 19). أما خليفته، ليز تراس، فقد تبنت ما اعتبر تهوراً اقتصادياً تسبب في انهيار السوق. وفشل ريشي سوناك وستارمر في تحديد هدف واضح، وارتكبا سلسلة من الأخطاء التي لم تحظَ بشعبية. وربما تتضمن قائمة أشمل لأخطاء ستارمر حملته الانتخابية عام 2024 التي استبعدت بشكل غير واقعي أي زيادات ضريبية كبيرة، وجموده في الظهور العلني، وعجزه الواضح عن اتخاذ قرارات سياسية صعبة، كالإنفاق الدفاعي.
ويقارن بعض المعلقين هذه الأخطاء ببراعة مارك كارني، رئيس وزراء كندا المنتمي ليسار الوسط، أو بصلابة بيدرو سانشيز في تمسكه بمنصب رئيس وزراء إسبانيا رغم تصاعد المشكلات. وقال لوك ترايل: «أرفض فكرة أن بريطانيا غير قابلة للحكم – لأننا في واقع الأمر مرت علينا سلسلة من الأشخاص الذين ارتكبوا أخطاء جوهرية جسيمة».
- الركود الاقتصادي: لعل أبسط تفسير في هذا السياق هو أن بريطانيا لم تتعافَ تماماً من الأزمة المالية. فبسبب ضخامة قطاع الخدمات المالية لديها، تباطأ نموها أكثر من غيرها من الدول الغنية بعد عام 2010.
ويقول بول جونسون، المدير السابق لمعهد الدراسات المالية: «كان كل رئيس وزراء من رؤساء الوزراء خلال العقد الأخير غير محظوظ بما يكفي لتولي زمام الأمور في بلد لم يتحسن فيه وضع الشعب لما يقرب من عشرين عاماً، ولذلك، فقد بلغ السخط بالناس حداً كبيراً».
ويضيف: «أتبنى وجهة نظر مبسطة للغاية مفادها أن الاقتصاد هو الذي يحرك السياسة». ويتابع قائلاً: إن رؤساء الوزراء المتعاقبين «حاولوا معالجة أعراض مشكلات بريطانيا دون معالجة أسبابها»، فأنفقوا المزيد من الأموال بدلاً من سن الإصلاحات الصعبة اللازمة لتحفيز النمو.
نتيجة لذلك، بالكاد ارتفع الدخل المتاح للإنفاق. ومنذ 2022، ازداد التضخم حدة في بريطانيا، ما فاقم أزمة غلاء المعيشة. كما تواجه البلاد ضغوطاً اقتصادية ناجمة عن شيخوخة السكان. وارتفع الدين البريطاني منذ عام 2010 بوتيرة أسرع من العديد من الدول الغربية الأخرى.
فقد تضاعف الدين ثلاث مرات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وتضاعفت تكلفة خدمته. ووصلت الضرائب إلى مستويات قياسية، لكن ما يقارب جنيهاً استرلينياً واحداً من كل 12 جنيهاً استرلينياً تجنيها الحكومة من الضرائب يذهب الآن لسداد فوائد الدين. وقال جونسون: «كل هذا يخلق ناخبين غير راضين بالمرة عن أي شخص يتولى السلطة».
- تمرد النواب: تعرض معظم رؤساء الوزراء منذ عام 2016 لتقويض قواعدهم من قبل نوابهم. وهذا في حد ذاته إرث جزئي من سنوات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي كثفت اتجاهاً طويل الأمد نحو تمرد النواب العاديين.
وقالت هانا وايت، الرئيسة التنفيذية لمعهد الحكومة، وهو مركز أبحاث: «خلال فترة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، اعتاد النواب على بناء تحالفاتهم الخاصة لتحقيق أهداف سياسية محددة.
ولأن الاستفتاء كان بمثابة ممارسة ديمقراطية منفصلة، فقد شعروا بأنهم أقل التزاماً بدعم أجندة أحزابهم». وكان تكتل من نواب حزب المحافظين المتشككين في الاتحاد الأوروبي، الأكثر نجاحاً في الضغط على رؤساء الوزراء المتعاقبين، ووضع نموذجاً ليحتذي به الآخرون.
وقالت وايت: «بمجرد أن تتمرد مرة، تصبح أكثر استعداداً للتمرد مرة أخرى، وقد رسخ هؤلاء فكرة أن رؤساء الوزراء يمكن الاستغناء عنهم، حتى عندما يفوزون بأغلبية كبيرة».
كما سهلت مجموعات الواتساب ترتيبات التآمر على رؤساء الوزراء. وأشارت إلى أن قادة الأحزاب لم يتكيفوا مع الوضع، «فهم ما زالوا يمارسون أسلوباً سياسياً قديماً، بينما بات النواب يتبنون أساليب مبتكرة».
- الإعلام: قبل استقالته مباشرة في عام 2007، ألقى توني بلير خطاباً حول بيئة الإعلام «الصاخبة بشكل متزايد» والتي شدد على أنها تجعل الحكم أكثر صعوبة. واتضح أن تلك الأيام لم تكن سوى البداية. فقد غيّر صعود منصات مثل فيسبوك و«إكس» «طبيعة المنافسة الانتخابية بشكل جذري».
وقد بنى أندي بورنهام، الذي يقترب من خلافة ستارمر، شخصية ودودة ومتواضعة، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي حول كرة القدم. ومع ذلك، وكما يشير الخبراء، فقد وجد أسلافه أن هناك خطراً في دخول داونينج ستريت بالاعتماد على قوة الشخصية.
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
مطعم في عمان يصطف العشرات أمامه يوميا فجرا .. ما سر مطعم العقيلي بوسط البلد .. شاهد
منذ 3 أيام
02
03
04
ملفات ساخنة
جرش تستيقظ على فاجعة .. 3 من خيرة شباب البلدة يرحلون بحادث سير على طريق العقبة
منذ 4 أيام
آخر الأخبار
سياسة
أميركا: إيران بلا شحنات نفطية هذا الأسبوع .. ولا إيرادات
منذ 1 ساعة
سياسة
CNN: حساب مساعد طيار (فلاي دبي) نشر مقاطع لطائرات إسرائيلية وصورة لزعيم تنظيم القاعدة الظواهري بعد الهجوم
منذ 1 ساعة
سياسة
معلومات جديدة .. من هو همام الهمامي الذي حاول إسقاط طائرة (فلاي دبي)؟
منذ 1 ساعة
سياسة
العراق .. 150 حالة تسمم في كركوك وتحرك عاجل لفحص المياه
منذ 2 ساعة
سياسة
نيران ودخان قرب منشأة تابعة لأرامكو جنوبي الرياض
منذ 2 ساعة
أخبار فنية
فن
محمد إمام يعود للسينما بفيلم «الأساتذة»
منذ 13 دقيقة
فن
الحب يحلق فوق الأقصر .. تفاصيل فيلم "ولا كان على البال"
منذ 1 ساعة
فن
بعد إعلان رغبته المشاركة بالمهرجان .. رامي صبري يغير موقفه ويتضامن مع زملائه
منذ 2 ساعة
فن
لبنان .. قرار جديد بحق «دكتور فود»
منذ 2 ساعة
فن
تامر حسني يتلقى مفاجأة على المسرح .. لقاء بعد خمس سنوات (فيديو)
منذ 6 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
أداء باهت وتقييم متواضع .. ماذا قدم فينيسيوس جونيور في مواجهة الهند؟
منذ 1 ساعة
رياضة
أندية الدرجة الثانية: لا تختزلوا عمل سنوات طويلة في مباراة أو نتيجة
منذ 1 ساعة
رياضة
منتخب النشامى يواصل تحضيراته استعدادا لمواجهة فينزويلا وديا الثلاثاء
منذ 2 ساعة
رياضة
منتخب السعودية يتلقى ضربة موجعة قبيل مواجهة قطر في نصف نهائي (خليجي 27)
منذ 2 ساعة
رياضة
"نزيف" مستمر .. البرتغال تخسر نحو مليوني متابع منذ أزمة رونالدو
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
دراسة نفسية تكشف مفاجأة: صوتك يرسل معلومات عنك لا يكشفها وجهك أو جسدك
منذ 16 دقيقة
منوعات من العالم
دراسة علمية جديدة تحذر من المشروبات الساخنة .. فوق 65 درجة
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
دخلوا خندقاً بحثاً عن كنز نابليون .. فكانت المفاجأة تحت أقدامهم
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
تفاصيل جديدة عن مساعد طيار فلاي دبي المتهم بمحاولة اختطاف الرحلة إلى "تل أبيب"
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
صورة تمساح مزيفة بالذكاء الاصطناعي تثير الذعر وتعرّض رجلًا للسجن 3 سنوات
منذ 5 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات