نوفل يكتب: قراءة في التحولات الخفية للعلاقة الأميركية – الإسرائيلية

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 9329
  نوفل يكتب: قراءة في التحولات الخفية للعلاقة الأميركية – الإسرائيلية
الصيدلي عدوان قشمر نوفل

الصيدلي عدوان قشمر نوفل

تكشف التقارير والتحليلات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة عن حالة من القلق المتزايد داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب إزاء الاتفاق المتبلور بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما تحاول الحكومة الإسرائيلية إظهار موقف متماسك وقوي أمام الرأي العام، فإن ما يظهر بين السطور يشير إلى واقع مختلف تماماً، يتمثل في تراجع القدرة الإسرائيلية على التأثير المباشر في القرارات الاستراتيجية للإدارة الأميركية، وخصوصاً بعد أن قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب المضي في مسار تفاهمات مع طهران رغم الاعتراضات الإسرائيلية.

ما يلفت الانتباه في التسريبات الإسرائيلية هو الاعتراف الضمني بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يعد يمتلك القنوات التقليدية التي اعتاد استخدامها للتأثير على البيت الأبيض. فبدلاً من الحوار المباشر والحاسم مع الإدارة الأميركية، تتحدث التقارير عن لجوئه إلى إعلاميين محافظين وشخصيات سياسية مقربة من ترامب لمحاولة التأثير على مسار الاتفاق. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن مركز الثقل في العلاقة بين الجانبين بدأ يتغير، وأن إسرائيل لم تعد قادرة على فرض رؤيتها كما كانت تفعل في مراحل سابقة.

وتكشف تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن تحول أكثر أهمية. فالرجل لم يكتفِ بالدفاع عن الاتفاق مع إيران، بل وجّه رسائل غير مسبوقة إلى الأوساط السياسية الإسرائيلية، مؤكداً أن الولايات المتحدة هي الشريك الأكبر وأن إسرائيل ليست سوى شريك أصغر في هذه المعادلة. هذه اللغة السياسية نادراً ما كانت تُقال علناً في العقود الماضية، إذ كانت الإدارات الأميركية تحرص دائماً على إظهار مستوى عالٍ من التنسيق والتوافق مع إسرائيل حتى عندما توجد خلافات حقيقية خلف الأبواب المغلقة.

ما بين السطور يمكن فهم أن إدارة ترامب تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل وفق منطق المصالح الأميركية أولاً، وليس وفق الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي. فالبيت الأبيض يبدو مقتنعاً بأن استمرار المواجهات العسكرية المفتوحة في المنطقة لم يعد يخدم أهدافه الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في ظل الرغبة الأميركية في خفض التوترات وضمان استقرار أسواق الطاقة وتوجيه الاهتمام نحو المنافسة مع الصين وروسيا.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي اتفاق مع إيران بعين الريبة. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية ما زالت ترى أن طهران قادرة على استعادة نشاطها النووي والعسكري متى توفرت الظروف المناسبة، ولذلك تحاول منع أي اتفاق يمنح إيران متنفساً اقتصادياً أو سياسياً. لكن المشكلة التي تواجهها تل أبيب اليوم ليست في موقفها من إيران، بل في قدرتها المحدودة على إقناع واشنطن بتبني هذا الموقف بالكامل.

كما تكشف التقارير المتعلقة بلبنان جانباً آخر من الخلاف. فبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى تثبيت وقف إطلاق نار دائم وربطه بالتفاهمات الإقليمية الجديدة، تصر إسرائيل على الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية في جنوب لبنان وعدم الالتزام الكامل بأي ترتيبات قد تقيد عملياتها مستقبلاً. وهذا يعني أن الخلاف لا يقتصر على الملف الإيراني، بل يمتد إلى شكل النظام الأمني الجديد الذي تحاول واشنطن فرضه في المنطقة.

أما تصريحات ترامب وفانس بشأن تدمير البرنامج النووي الإيراني فتكشف بدورها جانباً مهماً من طبيعة الإدارة الأميركية الحالية. فالإصرار على استخدام مصطلحات مثل "التدمير الكامل" يعكس رغبة سياسية في تقديم إنجاز كبير للرأي العام الأميركي، حتى لو كانت التقديرات الاستخباراتية أكثر تحفظاً. ومن هنا يمكن فهم التوتر الذي ظهر بين ترامب وفانس حول توصيف نتائج العمليات العسكرية ضد إيران.

لكن الأهم من كل ذلك هو ما نشرته بعض الأقلام الإسرائيلية نفسها من انتقادات حادة للحكومة الإسرائيلية. فهناك أصوات داخل إسرائيل بدأت تعترف بأن الاعتماد المفرط على ترامب كان خطأً استراتيجياً، وأن تل أبيب أهملت بناء شبكة أوسع من العلاقات الدولية والسياسية في الغرب، معتقدة أن الدعم الأميركي الشخصي لنتنياهو سيبقى مضموناً إلى الأبد. واليوم، عندما قررت واشنطن اتباع مسار مختلف، وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع جديد أكثر تعقيداً.

القراءة الأعمق للمشهد تشير إلى أن المنطقة قد تكون أمام مرحلة إعادة ترتيب شاملة للأولويات. فالولايات المتحدة لا تبدو راغبة في خوض حروب جديدة، وإيران تبحث عن مخرج اقتصادي من أزماتها الداخلية، بينما تحاول دول الخليج تثبيت الاستقرار الإقليمي لدعم مشاريعها الاقتصادية الكبرى. وفي مثل هذا المناخ، تصبح الرؤية الإسرائيلية القائمة على استمرار الضغوط العسكرية أقل جاذبية لدى صناع القرار في واشنطن.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الاتفاق الأميركي الإيراني سيوقع أم لا، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على التكيف مع مرحلة إقليمية جديدة لم تعد هي اللاعب الوحيد القادر على توجيه السياسات الأميركية فيها. فالمؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن تتجه نحو إدارة أكثر استقلالية لمصالحها في الشرق الأوسط، حتى لو أدى ذلك إلى خلافات متزايدة مع الحكومة الإسرائيلية.

وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن الأشهر المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فإذا مضت الإدارة الأميركية في تنفيذ تفاهماتها مع إيران وفرض ترتيبات أمنية جديدة في لبنان، فإن إسرائيل ستكون مضطرة للاختيار بين التكيف مع الواقع الجديد أو الدخول في مواجهة سياسية مع حليفها الأكبر، وهي مواجهة يدرك معظم القادة الإسرائيليين أنهم لا يملكون ترف خوضها في الظروف الحالية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم