في لحظة ظنها كثيرون مباراة كرة قدم، كان الأردن يروي للعالم قصة أخرى؛ قصة دولة آمنت بالإنسان قبل الثروة، فأنجبت شعباً يحمل وطنه في قلبه، ويرفع رايته بفخر، ويكتب اسمه في كل ميدان بالإرادة قبل الإمكانات.
هناك أحداث تمر في حياة الشعوب ثم يطويها الزمن، وهناك أحداث تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها تكشف حقائق تراكمت عبر عقود. وما شهدناه في مشاركة منتخبنا الوطني في كأس العالم، وفي مباراته أمام النمسا، لم يكن مجرد حدث رياضي، بل كان لحظة وطنية أعادت طرح سؤال يستحق التأمل: ما الذي يجعل الأردني يحمل وطنه معه أينما ذهب، ويعلن انتماءه إليه بهذه العفوية وهذا الصدق؟
وأنا أتابع المباراة، لم يكن بصري متجهاً إلى المستطيل الأخضر وحده، بل كان يتنقل بين المدرجات التي اكتست بالأعلام الأردنية، وآلاف الأردنيين الذين قدموا من مختلف الولايات الأمريكية، وآخرين تحملوا عناء السفر من داخل الوطن وخارجه ليكونوا جزءاً من هذا المشهد التاريخي. كانت الأهازيج الوطنية تملأ المكان، فيما كانت ملايين الأردنيين يتابعون اللقاء من بيوتهم ومقاهيهم وساحاتهم العامة، وكأن الوطن كله اجتمع في مدرج واحد. لم يكن ذلك احتفالاً بمباراة كرة قدم بقدر ما كان احتفالاً بالأردن نفسه.
حتى بعد صافرة النهاية، بقيت الرايات مرفوعة، واستمرت الهتافات، لأن الأردني لا يربط انتماءه بنتيجة مباراة، ولا يقيس محبته لوطنه بفوز أو خسارة. في تلك اللحظات شعرت، كما شعر كل أردني، بأن الوطن كان حاضراً بكل هيبته، وخرجت من أعماقي كلمات لم أخطط لها: الله عليك يا أردن... ما أعظم هذا الشعب، وما أصدق هذا الانتماء.
لكن ما استوقفني لم يكن المشهد وحده، بل السؤال الذي ولّده في داخلي: لماذا يتكرر هذا المشهد مع الأردنيين في كل محفل دولي أو في كل أزمة يواجهها الوطن؟ ولماذا يتحول اسم الأردن إلى حالة وجدانية تجمع أبناءه مهما تباعدت بهم الجغرافيا؟
الإجابة، في تقديري، لا تبدأ من الرياضة، ولا تنتهي عندها.
إن ما رأيناه في مدرجات كأس العالم لم يولد في تسعين دقيقة، ولم تصنعه كرة القدم، بل هو ثمرة مشروع وطني بدأ مع تأسيس الدولة الأردنية. فمنذ البدايات، أدركت القيادة الهاشمية أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي ومحدودية موارده، لن يستطيع أن يبني مستقبله بالاعتماد على الثروات الطبيعية، وأن الاستثمار الحقيقي لا يكون فيما تختزنه الأرض، بل في بناء الإنسان الأردني، الذي هو أغلى ما نملك.
كان ذلك إدراكاً مبكراً بأن الإنسان هو الثروة التي لا تنضب، وأن بناء المؤسسات لا يكتمل إلا ببناء المواطن القادر على حمايتها والإيمان برسالتها. لذلك لم يكن الجيش العربي مجرد مؤسسة عسكرية تدافع عن الحدود، بل كان مدرسة وطنية صاغت شخصية الأردني، ورسخت في وجدانه قيم الانضباط والالتزام والولاء للوطن. كما لم تكن المدرسة الأردنية مكاناً لتلقي المعرفة فقط، بل كانت شريكاً في بناء الهوية الوطنية، وغرس معنى المسؤولية والانتماء في نفوس الأجيال.
وفي الوقت نفسه، بقيت الأسرة الأردنية والعشيرة الأصيلة ركيزة اجتماعية أسهمت في ترسيخ منظومة القيم، وأدركت أن قوة الدولة هي الضمان الحقيقي لقوة المجتمع، وأن هيبة المؤسسات هي صمام الأمان للجميع. ومن هذا التفاعل بين القيادة، والمؤسسات، والأسرة، والعشيرة، والتعليم، تشكلت الشخصية الأردنية التي نعرفها اليوم؛ شخصية قد تختلف في الرأي، لكنها لا تختلف على الأردن، وقد تتباين في الاجتهادات، لكنها تلتقي دائماً عندما يتعلق الأمر براية الوطن وأمنه واستقراره.
في الفكر الاستراتيجي، لم تعد قوة الدول تقاس بما تملكه من ثروات أو بما تنفقه على التسلح وحده، بل أصبحت تقاس أيضاً بقدرتها على بناء الإنسان، وترسيخ الثقة بين المجتمع والدولة، وصناعة هوية وطنية قادرة على الصمود في مواجهة الأزمات. وهذا ما يعرف برأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي، وهما اليوم من أهم عناصر القوة الوطنية الشاملة.
وهنا تكمن خصوصية التجربة الأردنية.
لقد افتقر الأردن إلى كثير من الموارد الطبيعية، لكنه لم يسمح لذلك أن يتحول إلى عائق أمام بناء الدولة. بل على العكس، كان شح الموارد حافزاً للاستثمار في الإنسان، حتى أصبح الأردني هو المورد الاستراتيجي الأول للوطن. ويمكن اختصار هذه التجربة في حقيقة بسيطة مفادها أن الأردن لم يبنِ الإنسان لأنه كان غنياً، بل أصبح غنياً بالإنسان لأنه لم يكن يملك مورداً أثمن منه.
ولعل هذا ما يفسر قدرة الأردن على تجاوز محطات صعبة في تاريخه، والحفاظ على استقراره في منطقة كانت، وما تزال، من أكثر مناطق العالم اضطراباً. فقد أثبتت التجربة أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ على تماسك مجتمعها وثقة مواطنيها بمؤسساتها.
ومن هذه الزاوية، فإن الوصول إلى كأس العالم لا ينبغي أن يقرأ باعتباره إنجازاً رياضياً فقط، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لثقافة وطنية آمنت بأن الإرادة قادرة على تعويض نقص الإمكانات. فالمنتخب الذي وصل إلى هذا المحفل العالمي هو جزء من قصة أكبر؛ قصة وطن ظل يؤمن بأن الإنسان هو أساس الإنجاز، وأن العمل الجاد والانضباط والإصرار قادر على فتح الأبواب التي تبدو مستحيلة.
لقد لفتت الجماهير الأردنية أنظار العالم بحضورها الحضاري، كما حظي المنتخب باحترام كثير من المتابعين لما أظهره من روح قتالية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. وربما كانت هذه الصورة هي المكسب الأهم، لأنها قدمت الأردن كما يعرفه أبناؤه؛ وطناً صغيراً في مساحته، كبيراً في قيمه، محدوداً في موارده، لكنه غني بإنسانه، وواثق بنفسه، ومؤمن برسالته.
إن أعظم ما أنجزه الأردن خلال أكثر من مئة عام لم يكن مشروعاً عمرانياً، ولا مؤشراً اقتصادياً، وإنما بناء الإنسان الأردني؛ الإنسان الذي حمل وطنه معه أينما ذهب، فكان خير سفير له، وصورة مشرقة عنه، وسنداً لدولته في أوقات الرخاء كما في أوقات الشدة.
ولهذا، إذا سألني أحد يوماً: ما أعظم ثروة يمتلكها الأردن؟ فلن أبحث عن الإجابة في باطن الأرض، ولا في تقارير الاقتصاد، بل سأشير إلى الإنسان الأردني، وأقول بكل قناعة: هنا يكمن سر هذا الوطن.
لقد أثبتت التجربة الأردنية أن الدول قد تبنى بالموارد، لكنها لا تستمر إلا بالإنسان. وإذا كان لكل دولة سر يفسر قدرتها على البقاء، فإن سر الأردن لم يكن يوماً في وفرة موارده، بل في إنسانه الذي أحب وطنه دون مقابل، وآمن بدولته، والتف حول قيادته، وحمل رايته في كل مكان، مؤمناً بأن كرامته من كرامة وطنه، وأن مستقبل أبنائه يبدأ من استقرار دولته.
حفظ الله الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وشعبه الوفي، وجيشه العربي المصطفوي، وأجهزته الأمنية الساهرة، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار. وسيبقى هذا الوطن، بإذن الله، كبيراً بأهله، راسخاً بمؤسساته، وعصياً على الانكسار، لأن أعظم ثرواته لم تكن يوماً تحت الأرض، بل كانت دائماً فوقها... الإنسان الأردني.
هناك أحداث تمر في حياة الشعوب ثم يطويها الزمن، وهناك أحداث تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها تكشف حقائق تراكمت عبر عقود. وما شهدناه في مشاركة منتخبنا الوطني في كأس العالم، وفي مباراته أمام النمسا، لم يكن مجرد حدث رياضي، بل كان لحظة وطنية أعادت طرح سؤال يستحق التأمل: ما الذي يجعل الأردني يحمل وطنه معه أينما ذهب، ويعلن انتماءه إليه بهذه العفوية وهذا الصدق؟
وأنا أتابع المباراة، لم يكن بصري متجهاً إلى المستطيل الأخضر وحده، بل كان يتنقل بين المدرجات التي اكتست بالأعلام الأردنية، وآلاف الأردنيين الذين قدموا من مختلف الولايات الأمريكية، وآخرين تحملوا عناء السفر من داخل الوطن وخارجه ليكونوا جزءاً من هذا المشهد التاريخي. كانت الأهازيج الوطنية تملأ المكان، فيما كانت ملايين الأردنيين يتابعون اللقاء من بيوتهم ومقاهيهم وساحاتهم العامة، وكأن الوطن كله اجتمع في مدرج واحد. لم يكن ذلك احتفالاً بمباراة كرة قدم بقدر ما كان احتفالاً بالأردن نفسه.
حتى بعد صافرة النهاية، بقيت الرايات مرفوعة، واستمرت الهتافات، لأن الأردني لا يربط انتماءه بنتيجة مباراة، ولا يقيس محبته لوطنه بفوز أو خسارة. في تلك اللحظات شعرت، كما شعر كل أردني، بأن الوطن كان حاضراً بكل هيبته، وخرجت من أعماقي كلمات لم أخطط لها: الله عليك يا أردن... ما أعظم هذا الشعب، وما أصدق هذا الانتماء.
لكن ما استوقفني لم يكن المشهد وحده، بل السؤال الذي ولّده في داخلي: لماذا يتكرر هذا المشهد مع الأردنيين في كل محفل دولي أو في كل أزمة يواجهها الوطن؟ ولماذا يتحول اسم الأردن إلى حالة وجدانية تجمع أبناءه مهما تباعدت بهم الجغرافيا؟
الإجابة، في تقديري، لا تبدأ من الرياضة، ولا تنتهي عندها.
إن ما رأيناه في مدرجات كأس العالم لم يولد في تسعين دقيقة، ولم تصنعه كرة القدم، بل هو ثمرة مشروع وطني بدأ مع تأسيس الدولة الأردنية. فمنذ البدايات، أدركت القيادة الهاشمية أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي ومحدودية موارده، لن يستطيع أن يبني مستقبله بالاعتماد على الثروات الطبيعية، وأن الاستثمار الحقيقي لا يكون فيما تختزنه الأرض، بل في بناء الإنسان الأردني، الذي هو أغلى ما نملك.
كان ذلك إدراكاً مبكراً بأن الإنسان هو الثروة التي لا تنضب، وأن بناء المؤسسات لا يكتمل إلا ببناء المواطن القادر على حمايتها والإيمان برسالتها. لذلك لم يكن الجيش العربي مجرد مؤسسة عسكرية تدافع عن الحدود، بل كان مدرسة وطنية صاغت شخصية الأردني، ورسخت في وجدانه قيم الانضباط والالتزام والولاء للوطن. كما لم تكن المدرسة الأردنية مكاناً لتلقي المعرفة فقط، بل كانت شريكاً في بناء الهوية الوطنية، وغرس معنى المسؤولية والانتماء في نفوس الأجيال.
وفي الوقت نفسه، بقيت الأسرة الأردنية والعشيرة الأصيلة ركيزة اجتماعية أسهمت في ترسيخ منظومة القيم، وأدركت أن قوة الدولة هي الضمان الحقيقي لقوة المجتمع، وأن هيبة المؤسسات هي صمام الأمان للجميع. ومن هذا التفاعل بين القيادة، والمؤسسات، والأسرة، والعشيرة، والتعليم، تشكلت الشخصية الأردنية التي نعرفها اليوم؛ شخصية قد تختلف في الرأي، لكنها لا تختلف على الأردن، وقد تتباين في الاجتهادات، لكنها تلتقي دائماً عندما يتعلق الأمر براية الوطن وأمنه واستقراره.
في الفكر الاستراتيجي، لم تعد قوة الدول تقاس بما تملكه من ثروات أو بما تنفقه على التسلح وحده، بل أصبحت تقاس أيضاً بقدرتها على بناء الإنسان، وترسيخ الثقة بين المجتمع والدولة، وصناعة هوية وطنية قادرة على الصمود في مواجهة الأزمات. وهذا ما يعرف برأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي، وهما اليوم من أهم عناصر القوة الوطنية الشاملة.
وهنا تكمن خصوصية التجربة الأردنية.
لقد افتقر الأردن إلى كثير من الموارد الطبيعية، لكنه لم يسمح لذلك أن يتحول إلى عائق أمام بناء الدولة. بل على العكس، كان شح الموارد حافزاً للاستثمار في الإنسان، حتى أصبح الأردني هو المورد الاستراتيجي الأول للوطن. ويمكن اختصار هذه التجربة في حقيقة بسيطة مفادها أن الأردن لم يبنِ الإنسان لأنه كان غنياً، بل أصبح غنياً بالإنسان لأنه لم يكن يملك مورداً أثمن منه.
ولعل هذا ما يفسر قدرة الأردن على تجاوز محطات صعبة في تاريخه، والحفاظ على استقراره في منطقة كانت، وما تزال، من أكثر مناطق العالم اضطراباً. فقد أثبتت التجربة أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ على تماسك مجتمعها وثقة مواطنيها بمؤسساتها.
ومن هذه الزاوية، فإن الوصول إلى كأس العالم لا ينبغي أن يقرأ باعتباره إنجازاً رياضياً فقط، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لثقافة وطنية آمنت بأن الإرادة قادرة على تعويض نقص الإمكانات. فالمنتخب الذي وصل إلى هذا المحفل العالمي هو جزء من قصة أكبر؛ قصة وطن ظل يؤمن بأن الإنسان هو أساس الإنجاز، وأن العمل الجاد والانضباط والإصرار قادر على فتح الأبواب التي تبدو مستحيلة.
لقد لفتت الجماهير الأردنية أنظار العالم بحضورها الحضاري، كما حظي المنتخب باحترام كثير من المتابعين لما أظهره من روح قتالية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. وربما كانت هذه الصورة هي المكسب الأهم، لأنها قدمت الأردن كما يعرفه أبناؤه؛ وطناً صغيراً في مساحته، كبيراً في قيمه، محدوداً في موارده، لكنه غني بإنسانه، وواثق بنفسه، ومؤمن برسالته.
إن أعظم ما أنجزه الأردن خلال أكثر من مئة عام لم يكن مشروعاً عمرانياً، ولا مؤشراً اقتصادياً، وإنما بناء الإنسان الأردني؛ الإنسان الذي حمل وطنه معه أينما ذهب، فكان خير سفير له، وصورة مشرقة عنه، وسنداً لدولته في أوقات الرخاء كما في أوقات الشدة.
ولهذا، إذا سألني أحد يوماً: ما أعظم ثروة يمتلكها الأردن؟ فلن أبحث عن الإجابة في باطن الأرض، ولا في تقارير الاقتصاد، بل سأشير إلى الإنسان الأردني، وأقول بكل قناعة: هنا يكمن سر هذا الوطن.
لقد أثبتت التجربة الأردنية أن الدول قد تبنى بالموارد، لكنها لا تستمر إلا بالإنسان. وإذا كان لكل دولة سر يفسر قدرتها على البقاء، فإن سر الأردن لم يكن يوماً في وفرة موارده، بل في إنسانه الذي أحب وطنه دون مقابل، وآمن بدولته، والتف حول قيادته، وحمل رايته في كل مكان، مؤمناً بأن كرامته من كرامة وطنه، وأن مستقبل أبنائه يبدأ من استقرار دولته.
حفظ الله الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وشعبه الوفي، وجيشه العربي المصطفوي، وأجهزته الأمنية الساهرة، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار. وسيبقى هذا الوطن، بإذن الله، كبيراً بأهله، راسخاً بمؤسساته، وعصياً على الانكسار، لأن أعظم ثرواته لم تكن يوماً تحت الأرض، بل كانت دائماً فوقها... الإنسان الأردني.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات