عطفاً على ما طرحته في مقالي السابق حول دلالات إعادة تعيين الدكتور حازم الرحاحلة مديراً عاماً للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، ومع صدور القرار الحكومي وما رافقه من تداعيات ونقاشات وقراءات متباينة، برزت في الفضاء الإعلامي بعض القراءات التخوفية التي حاولت حصر هذا الاستحقاق الإداري السيادي في زاوية ضيقة، وتصويره على أنه ترتيب لتمرير تعديلات تشريعية جاهزة، أو استجابة مباشرة لنتائج الدراسة الإكتوارية الأخيرة.
ورغم أن بعض هذه القراءات ينطلق من الحرص على حقوق المشتركين وأهمية الحفاظ على استدامة مؤسسة الضمان الاجتماعي، إلا أن اختزال القرار في تفسير واحد قد يغفل طبيعة العمل المؤسسي للدولة، وتعقيدات إدارة الملفات الوطنية الكبرى، وحاجة بعض المراحل إلى خبرات تمتلك معرفة تراكمية بتفاصيل تلك الملفات.
وهنا، لا أكتب من موقع الدفاع عن الحكومة أو عن قرارها، بقدر ما أتناول هذا الملف من زاوية أوسع تتعلق بكيفية إدارة الدولة لمؤسساتها الحيوية، وبحق المجتمع في أن تُناقش قضاياه الكبرى على أساس من المعرفة والحقائق والدراسات، بعيداً عن الانطباعات المسبقة أو القراءات التي تختزل المشهد في اتجاه واحد.
فالضمان الاجتماعي قضية وطنية تتجاوز الأشخاص والمراحل الإدارية، لأنها ترتبط بحقوق المواطنين، واستدامة الاقتصاد، وقدرة الدولة على حماية أجيالها القادمة. ومن الطبيعي أن تثير مؤسسة بهذا الحجم الأسئلة عند أي تغيير قيادي، فالنقاش العام والمساءلة جزء من قوة المؤسسات، لكن الفارق يبقى بين سؤال يبحث عن الحقيقة من خلال الأدلة والمعطيات، وبين قراءة تستبق النتائج وتفترض مسبقاً طبيعة القرار وأهدافه.
ومن هذا المنطلق، فإن ربط إعادة تعيين إدارة المؤسسة تلقائياً بضغوط خارجية أو أجندات جاهزة يمثل تبسيطاً لطبيعة القرار المؤسسي. فالدول الحديثة لا ترفض الاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية، لكنها في الوقت ذاته لا تستبدل قرارها الوطني بها؛ بل تعيد تقييم كل فكرة وفقاً لمصالحها وأولوياتها وقدرتها على حماية حقوق مواطنيها.
فالمعيار الحقيقي ليس مصدر الفكرة فقط، وإنما قدرتها على تحقيق المصلحة الوطنية، وعدالة أثرها، ومدى انسجامها مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالدولة القوية ليست التي ترفض كل ما يأتي من الخارج، ولا التي تقبل كل ما يُطرح عليها، بل التي تمتلك القدرة على التقييم والاختيار واتخاذ القرار من موقع المعرفة والثقة.
كما أن عودة مسؤول إلى موقع سبق أن شغله لا ينبغي أن تُقرأ بالضرورة باعتبارها اعترافاً بخطأ سابق أو حكماً نهائياً على مرحلة مضت؛ فالعمل العام تحكمه ظروف ومتغيرات وأولويات تتغير مع الزمن. فقد تحتاج مرحلة معينة إلى طاقات جديدة، وقد تحتاج مرحلة أخرى إلى خبرة عميقة بتفاصيل المؤسسة وملفاتها وتحدياتها.
إن محاولة إعادة قراءة تجربة المؤسسة خلال جائحة كورونا، وبرامج الحماية الاجتماعية مثل "استدامة" و"مساند" و"تضامن"، بعيداً عن ظروفها الاستثنائية، لا تعكس الصورة الكاملة لتلك المرحلة. فقد جاءت هذه البرامج كاستجابة وطنية لحماية سوق العمل والقطاع الخاص ودعم الأسر الأردنية في ظرف عالمي غير مسبوق، مع المحافظة على متانة المؤسسة واستدامتها المالية.
أما الحديث عن تعديلات قانون الضمان والدراسة الإكتوارية الأخيرة، فلا ينبغي أن يُدار بمنطق التخوف فقط، بل بمنطق المسؤولية الوطنية. فالإدارة الحصيفة لا تتجاهل المؤشرات التي تكشفها الدراسات الفنية، ولا تؤجل معالجة التحديات خوفاً من صعوبة القرار، وإنما تواجهها بعقلية علمية تحقق التوازن بين الحقوق المكتسبة والاستدامة المستقبلية.
وهنا تظهر أهمية اختيار قيادة تمتلك الخبرة والمعرفة بملفات المؤسسة؛ فعودة الدكتور حازم الرحاحلة، بما يحمله من تجربة سابقة ومعرفة تفصيلية، يمكن أن تشكل عاملاً مساعداً في ضمان أن أي تطوير تشريعي أو إداري مرتقب سيكون مبنياً على دراسة وحوار وقدرة تفاوضية من موقع القوة والمسؤولية، بما يحمي أموال المؤمن عليهم ويخدم المصلحة الوطنية العليا.
إن اختيار خبرة سبق لها التعامل مع المؤسسة لا يعني أن الوطن يفتقر إلى الكفاءات، فالأردن غني بأصحاب القدرات في مختلف المجالات. لكن الإدارة الرشيدة لا تختار دائماً من يبدأ من نقطة الصفر، بل تختار أحياناً من يمتلك المعرفة التراكمية التي تساعده على التعامل مع التحديات بسرعة وفاعلية، خصوصاً في مؤسسات ترتبط بحقوق المواطنين ومستقبلهم.
إن قوة مؤسسة الضمان الاجتماعي لا تكمن في مقاربات تكتفي بإثارة المخاوف حول الحقوق دون تقديم حلول عملية، بل في مقاربات مسؤولة توازن بين حقوق المتقاعدين الحاليين، واستدامة النظام التأميني للأجيال القادمة.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بالمناكفة، ولا بسرعة اتخاذ القرار، بل بمدى القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، وتقليل كلفة التأخير، وتعزيز الثقة العامة بالمؤسسات.
وخلاصة القول أن مؤسسة الضمان الاجتماعي ليست ساحة لتصفية الحسابات أو تسجيل المواقف، بل هي إحدى ركائز الأمن الاجتماعي والاقتصادي الأردني. فالدولة التي تسير نحو التحديث الاقتصادي والإداري تعرف كيف تحمي مؤسساتها، وكيف تستدعي أصحاب الخبرة عندما تتطلب المرحلة لغة الإنجاز لا الاكتفاء بتوصيف التحديات.
وفي النهاية، فإن الحكم على أي قيادة لا يكون بالافتراضات المسبقة ولا بالجدل الذي يرافق بداياتها، بل بما تقدمه من نتائج، وبقدرتها على تحقيق المعادلة الأصعب: حماية حقوق المواطنين اليوم، وضمان استدامة المؤسسة للأجيال القادمة.
ورغم أن بعض هذه القراءات ينطلق من الحرص على حقوق المشتركين وأهمية الحفاظ على استدامة مؤسسة الضمان الاجتماعي، إلا أن اختزال القرار في تفسير واحد قد يغفل طبيعة العمل المؤسسي للدولة، وتعقيدات إدارة الملفات الوطنية الكبرى، وحاجة بعض المراحل إلى خبرات تمتلك معرفة تراكمية بتفاصيل تلك الملفات.
وهنا، لا أكتب من موقع الدفاع عن الحكومة أو عن قرارها، بقدر ما أتناول هذا الملف من زاوية أوسع تتعلق بكيفية إدارة الدولة لمؤسساتها الحيوية، وبحق المجتمع في أن تُناقش قضاياه الكبرى على أساس من المعرفة والحقائق والدراسات، بعيداً عن الانطباعات المسبقة أو القراءات التي تختزل المشهد في اتجاه واحد.
فالضمان الاجتماعي قضية وطنية تتجاوز الأشخاص والمراحل الإدارية، لأنها ترتبط بحقوق المواطنين، واستدامة الاقتصاد، وقدرة الدولة على حماية أجيالها القادمة. ومن الطبيعي أن تثير مؤسسة بهذا الحجم الأسئلة عند أي تغيير قيادي، فالنقاش العام والمساءلة جزء من قوة المؤسسات، لكن الفارق يبقى بين سؤال يبحث عن الحقيقة من خلال الأدلة والمعطيات، وبين قراءة تستبق النتائج وتفترض مسبقاً طبيعة القرار وأهدافه.
ومن هذا المنطلق، فإن ربط إعادة تعيين إدارة المؤسسة تلقائياً بضغوط خارجية أو أجندات جاهزة يمثل تبسيطاً لطبيعة القرار المؤسسي. فالدول الحديثة لا ترفض الاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية، لكنها في الوقت ذاته لا تستبدل قرارها الوطني بها؛ بل تعيد تقييم كل فكرة وفقاً لمصالحها وأولوياتها وقدرتها على حماية حقوق مواطنيها.
فالمعيار الحقيقي ليس مصدر الفكرة فقط، وإنما قدرتها على تحقيق المصلحة الوطنية، وعدالة أثرها، ومدى انسجامها مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالدولة القوية ليست التي ترفض كل ما يأتي من الخارج، ولا التي تقبل كل ما يُطرح عليها، بل التي تمتلك القدرة على التقييم والاختيار واتخاذ القرار من موقع المعرفة والثقة.
كما أن عودة مسؤول إلى موقع سبق أن شغله لا ينبغي أن تُقرأ بالضرورة باعتبارها اعترافاً بخطأ سابق أو حكماً نهائياً على مرحلة مضت؛ فالعمل العام تحكمه ظروف ومتغيرات وأولويات تتغير مع الزمن. فقد تحتاج مرحلة معينة إلى طاقات جديدة، وقد تحتاج مرحلة أخرى إلى خبرة عميقة بتفاصيل المؤسسة وملفاتها وتحدياتها.
إن محاولة إعادة قراءة تجربة المؤسسة خلال جائحة كورونا، وبرامج الحماية الاجتماعية مثل "استدامة" و"مساند" و"تضامن"، بعيداً عن ظروفها الاستثنائية، لا تعكس الصورة الكاملة لتلك المرحلة. فقد جاءت هذه البرامج كاستجابة وطنية لحماية سوق العمل والقطاع الخاص ودعم الأسر الأردنية في ظرف عالمي غير مسبوق، مع المحافظة على متانة المؤسسة واستدامتها المالية.
أما الحديث عن تعديلات قانون الضمان والدراسة الإكتوارية الأخيرة، فلا ينبغي أن يُدار بمنطق التخوف فقط، بل بمنطق المسؤولية الوطنية. فالإدارة الحصيفة لا تتجاهل المؤشرات التي تكشفها الدراسات الفنية، ولا تؤجل معالجة التحديات خوفاً من صعوبة القرار، وإنما تواجهها بعقلية علمية تحقق التوازن بين الحقوق المكتسبة والاستدامة المستقبلية.
وهنا تظهر أهمية اختيار قيادة تمتلك الخبرة والمعرفة بملفات المؤسسة؛ فعودة الدكتور حازم الرحاحلة، بما يحمله من تجربة سابقة ومعرفة تفصيلية، يمكن أن تشكل عاملاً مساعداً في ضمان أن أي تطوير تشريعي أو إداري مرتقب سيكون مبنياً على دراسة وحوار وقدرة تفاوضية من موقع القوة والمسؤولية، بما يحمي أموال المؤمن عليهم ويخدم المصلحة الوطنية العليا.
إن اختيار خبرة سبق لها التعامل مع المؤسسة لا يعني أن الوطن يفتقر إلى الكفاءات، فالأردن غني بأصحاب القدرات في مختلف المجالات. لكن الإدارة الرشيدة لا تختار دائماً من يبدأ من نقطة الصفر، بل تختار أحياناً من يمتلك المعرفة التراكمية التي تساعده على التعامل مع التحديات بسرعة وفاعلية، خصوصاً في مؤسسات ترتبط بحقوق المواطنين ومستقبلهم.
إن قوة مؤسسة الضمان الاجتماعي لا تكمن في مقاربات تكتفي بإثارة المخاوف حول الحقوق دون تقديم حلول عملية، بل في مقاربات مسؤولة توازن بين حقوق المتقاعدين الحاليين، واستدامة النظام التأميني للأجيال القادمة.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بالمناكفة، ولا بسرعة اتخاذ القرار، بل بمدى القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، وتقليل كلفة التأخير، وتعزيز الثقة العامة بالمؤسسات.
وخلاصة القول أن مؤسسة الضمان الاجتماعي ليست ساحة لتصفية الحسابات أو تسجيل المواقف، بل هي إحدى ركائز الأمن الاجتماعي والاقتصادي الأردني. فالدولة التي تسير نحو التحديث الاقتصادي والإداري تعرف كيف تحمي مؤسساتها، وكيف تستدعي أصحاب الخبرة عندما تتطلب المرحلة لغة الإنجاز لا الاكتفاء بتوصيف التحديات.
وفي النهاية، فإن الحكم على أي قيادة لا يكون بالافتراضات المسبقة ولا بالجدل الذي يرافق بداياتها، بل بما تقدمه من نتائج، وبقدرتها على تحقيق المعادلة الأصعب: حماية حقوق المواطنين اليوم، وضمان استدامة المؤسسة للأجيال القادمة.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات