كيف تحولت قوة الشيكل إلى عبء على اقتصاد الإحتلال؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11046
كيف تحولت قوة الشيكل إلى عبء على اقتصاد الإحتلال؟

سرايا - لم تعد قوة الشيكل في إسرائيل مرادفا تلقائيا للمتانة الاقتصادية كما كانت تقدم خلال العقد الماضي. فبعد سنوات عُدّ فيها ارتفاع العملة الإسرائيلية انعكاسا لازدهار قطاع التكنولوجيا وتدفق الاستثمارات الأجنبية وتحسن ثقة المستثمرين، بدأت أصوات تتعالى داخل الأوساط الصناعية والمالية الإسرائيلية محذرة من أن الشيكل القوي بات يتحول إلى عامل ضغط على الاقتصاد الحقيقي.

وخلال الأشهر الأخيرة، ارتفع الشيكل بأكثر من 25% أمام الدولار مقارنة بمستوياته المسجلة في أبريل/نيسان 2025، مدعوما بتراجع علاوة المخاطر المرتبطة بإسرائيل، وارتفاع أسواق الأسهم الأمريكية التي تستثمر فيها المؤسسات المالية الإسرائيلية، إلى جانب ضعف الدولار عالميا، وفق ما أوردته صحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية. ووصفت الصحيفة الشيكل بأنه "أقوى عملة في العالم أمام الدولار" خلال تلك الفترة.

لكن هذه القوة حملت معها تكلفة متزايدة.


المصدرون المتضرر الأكبر
تشكل الصادرات أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي الإسرائيلي. وتشير بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي إلى أن الصادرات السلعية والخدمية تمثل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، أي حجم الاقتصاد الإسرائيلي.

غير أن ارتفاع الشيكل بدأ يضغط بصورة مباشرة على ربحية الشركات الموجهة إلى الأسواق الخارجية. فعندما تحقق شركة إسرائيلية إيرادات بالدولار بينما تدفع أجورها وإيجاراتها ونفقاتها التشغيلية بالشيكل، فإن كل ارتفاع في قيمة العملة المحلية يؤدي تلقائيا إلى تراجع قيمة الإيرادات عند تحويلها إلى الشيكل.

وقال رئيس اتحاد الصناعيين الإسرائيلي رون تومر لصحيفة "غلوبس" إن قوة الشيكل أصبحت "إحدى أكبر المشكلات التي تواجه الصناعة الإسرائيلية"، محذرا من أنها تضعف القدرة التنافسية للمصدرين في الأسواق العالمية.

وأضاف تومر في تصريحات أخرى أن المصدرين "لا يستطيعون الاستمرار في امتصاص هذه الخسائر إلى ما لا نهاية"، داعيا صناع القرار إلى إدراك أن "الشيكل القوي لا يخدم الاقتصاد الإنتاجي".

ولا يتعلق الأمر بانخفاض الطلب العالمي، بل بتراجع العائد الفعلي للشركات داخل إسرائيل. فالمنتج نفسه قد يباع بالسعر ذاته في الخارج، لكن الأرباح التي تدخل إلى ميزانيات الشركات تصبح أقل بالشيكل.


التكنولوجيا.. مفارقة النموذج الإسرائيلي
تكشف قوة الشيكل عن مفارقة لافتة في الاقتصاد الإسرائيلي، إذ إن القطاع الذي ساهم لعقود في دعم العملة المحلية بات من أكثر القطاعات تضررا من ارتفاعها.

ووفقا لهيئة الابتكار الإسرائيلية، يمثل قطاع التكنولوجيا المتقدمة نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر نحو 11% من الوظائف، بينما يشكل أكثر من 50% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، ويساهم بما يقرب من 25% من إيرادات ضريبة الدخل.

وتحقق غالبية شركات التكنولوجيا في إسرائيل إيراداتها بالدولار من الأسواق الخارجية، بينما تتحمل الجزء الأكبر من تكاليفها التشغيلية بالشيكل.

وحذر يوجين كانديل الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي الوطني الإسرائيلي ورئيس معهد "ستارت أب نيشن بوليسي" من أن تآكل الميزة التنافسية لإسرائيل من حيث التكلفة قد يدفع مزيدا من الشركات إلى توسيع عملياتها خارج إسرائيل.

كما أشار الخبير الاقتصادي ياكوف شينين، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، إلى أن ارتفاع الشيكل يضغط على ربحية شركات التكنولوجيا "في وقت تواجه فيه بالفعل تباطؤا في الاستثمارات العالمية".


خسائر غير مرئية
وامتدت آثار قوة الشيكل إلى شرائح واسعة من مقدمي الخدمات المرتبطين بالاقتصاد العالمي، إذ بدأ المحامون الذين يتقاضون أتعابهم من عملاء في الخارج، والاستشاريون الماليون، ومطورو البرمجيات المستقلون، والأطباء المتعاملون مع مؤسسات أجنبية، يلحظون تراجعا ملموسا في قيمة دخولهم عند تحويلها إلى الشيكل.

فعلى سبيل المثال، فإن دخلا شهريا بقيمة 10 آلاف دولار كان يعادل نحو 39 ألف شيكل عندما كان الدولار عند مستوى 3.9 شيكل، لكن ذلك الدخل الشهري يعادل حاليا نحو 29.6 ألف شيكل فقط وفق سعر الصرف البالغ 2.96 شيكل للدولار.

وهذا يعني تراجعا فعليا بنحو 9.4 آلاف شيكل شهريا، أي ما يعادل نحو 3176 دولارا، من دون أي تغيير في قيمة الأتعاب الأصلية بالدولار.

وفي المقابل، تبقى النفقات اليومية، من إيجارات وتعليم وخدمات، مقومة بالشيكل.


معضلة بنك إسرائيل
بالنسبة للبنك المركزي الإسرائيلي، تحولت قوة الشيكل إلى تحدٍّ متعدد الأبعاد؛ فبينما توفر العملة القوية غطاء لاحتواء التضخم وخفض كلفة الاستيراد، فإنها تقوض هوامش أرباح المصدرين وتزيد الضغوط على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالأسواق الخارجية.

وأشارت صحيفة "كالكاليست" إلى أن انتقال أثر انخفاض الشيكل إلى التضخم يبلغ نحو 20%، بينما لا يتجاوز تأثير ارتفاعه نحو 10%، ما يفسر عدم اعتبار البنك المركزي قوة الشيكل مشكلة تضخمية ملحة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في البنك قولهم إن قوة الشيكل تمثل "عرضا" لعوامل اقتصادية أوسع، وليست المشكلة الأساسية بحد ذاتها.

وفي مايو/أيار الماضي، اشترى المركزي الإسرائيلي 801 مليون دولار في تدخل وصفه بأنه "فني" لضمان حسن عمل سوق الصرف، بعدما رصد مؤشرات ضغط وسيولة استثنائية.

لكن تأخر البنك في شرح دوافع الخطوة أثار انتقادات واسعة. ووصفت "كالكاليست" ما حدث بعبارة "العملية نجحت، لكن المريض مات"، في إشارة إلى نجاح التدخل تقنيا مقابل تضرر مصداقية البنك لدى الأسواق.


المالية العامة تحت الضغط
تمتد آثار الشيكل القوي إلى المالية العامة أيضا، إذ إن الشركات التي تحقق جزءا كبيرا من إيراداتها بالدولار تسدد التزاماتها الضريبية بالشيكل، ما يعني أن ارتفاع العملة المحلية يقلص القيمة المحلية لهذه الإيرادات ويحد تدريجيا من نمو الوعاء الضريبي.

وقد دفعت هذه الضغوط شركات تكنولوجيا كبرى، من بينها "إنفيديا" و"غوغل"، إلى مطالبة سلطات الضرائب الإسرائيلية بالسماح لها بتسوية بعض التزاماتها الضريبية بالدولار بدلا من الشيكل، بهدف الحد من خسائر التحويل الناجمة عن تراجع الدولار وتوفير قدر أكبر من الاستقرار واليقين التشغيلي، وفق ما أوردته صحيفة "غلوبس".

وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة لأن قطاع التكنولوجيا يمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، وأكثر من نصف الصادرات، ونحو ربع حصيلة ضريبة الدخل، بحسب بيانات هيئة الابتكار الإسرائيلية.

وفي المقابل، تواجه تل أبيب احتياجات تمويلية متزايدة نتيجة تعدد جبهات الحرب (إيران، لبنان…)؛ إذ ذكرت صحيفة "كالكاليست" أن المؤسسة الأمنية رفعت مطالبها لموازنة الدفاع إلى 188 مليار شيكل، أي نحو 63.5 مليار دولار وفق سعر الصرف الحالي البالغ 2.96 شيكل للدولار.

ومن ثم، فإن أي تراجع مستمر في ربحية الشركات المصدرة والتكنولوجية لا يقتصر أثره على القطاع الخاص في إسرائيل، بل قد يفرض ضغوطا إضافية على الإيرادات العامة في وقت تتزايد فيه متطلبات الإنفاق الحكومي، ما يبرز كيف يمكن لتحول في سعر الصرف أن يمتد أثره من ميزانيات الشركات إلى التوازنات المالية للدولة.


خطر نقل الأنشطة للخارج
ويحذر اقتصاديون إسرائيليون من أن استمرار قوة الشيكل قد يدفع بعض الشركات إلى إعادة تقييم وجودها داخل إسرائيل. فارتفاع قيمة الشيكل لا يقلص فقط الأرباح المحققة بالدولار عند تحويلها إلى الشيكل، بل يرفع أيضا التكلفة الفعلية للأجور والخدمات والإيجارات، مقارنة بدول أخرى منافسة.

وقال رئيس اتحاد الصناعيين الإسرائيلي رون تومر إن قوة الشيكل "تجعل الحفاظ على خطوط الإنتاج داخل إسرائيل أكثر صعوبة"، محذرا من أنها تقوض القدرة التنافسية للصناعة المحلية. وبالنسبة لشركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات، قد يصبح توسيع فرق التطوير في أوروبا الشرقية أو الهند أو أمريكا الشمالية خيارا أكثر جاذبية من زيادة التوظيف داخل إسرائيل.

وحذر يوجين كانديل، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي الوطني الإسرائيلي، من أن فقدان الميزة المرتبطة بالتكلفة قد يضعف أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي في إسرائيل. ولا تظهر هذه التداعيات عادة بصورة فورية، بل تتراكم تدريجيا عبر تباطؤ التوظيف، وتأجيل الاستثمارات الجديدة، ونقل بعض الأنشطة إلى الخارج، بما قد يوسع الفجوة بين قوة المؤشرات المالية وقدرة الاقتصاد الحقيقي على الحفاظ على زخمه التنافسي.


عبء النجاح الاقتصادي
وأصبح نجاح إسرائيل في استقطاب الاستثمارات وتطوير قطاع تكنولوجي عالمي الحضور يحمل تكلفة اقتصادية متزايدة. فالقوى التي دفعت الشيكل إلى مستويات مرتفعة تحولت تدريجيا إلى عبء على المصدرين والشركات المرتبطة بالإيرادات الأجنبية، مع اتساع الفجوة بين قوة العملة ومتطلبات الاقتصاد الحقيقي.

وفي ظل استمرار الحرب، واتساع الضغوط على المالية العامة، وتصاعد مخاوف المصدرين، لم يعد السؤال المطروح داخل إسرائيل يتعلق بكيفية الحفاظ على الشيكل القوي، بل بالكلفة التي يمكن للاقتصاد تحملها قبل أن تتحول هذه القوة إلى عبء يصعب تجاهله.

وبينما يستفيد المستهلك الإسرائيلي من انخفاض تكلفة بعض الواردات، تجد قطاعات الإنتاج والتكنولوجيا والتصدير نفسها أمام واقع مختلف، عنوانه أن العملة القوية لا تعني بالضرورة اقتصادا أكثر قوة، وأن النجاح المالي قد يحمل في طياته تحديات اقتصادية أكثر تعقيدا.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم