مقدادي يكتب: هوس «الترند» الغذائي: بين أوهام "الطيبات" وسحر كلمة "بلدي" في التسويق

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 9072
مقدادي يكتب: هوس «الترند» الغذائي: بين أوهام "الطيبات" وسحر كلمة "بلدي" في التسويق
المهندس ثائر عايش مقدادي

المهندس ثائر عايش مقدادي

في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى "مطبخ عالمي" ضخم، لا يُطهى فيه الطعام فحسب، بل تُطبخ فيه العقول أيضاً. ما إن تفتح تطبيقاً حتى يطالعك "مؤثر" بوجنتين نضرتين ممسكاً بكوب من عصير الكرفس السحري، واصفاً إياه بأنه الحل النهائي لنسف الدهون وتطهير الجسم، وخلف شاشاتنا، تحولت التغذية من حاجة بيولوجية فطرية وثقافة إنسانية مبنية على التوازن، إلى ما يُعرف بـ "الترندات الغذائية"—وهي موجات من الهوس الجماعي تسوق أوهاماً تجارية برداء صحي، حيث تعتمد هذه الترندات على سيكولوجية إنسانية بسيطة وهي البحث عن الحلول السريعة وخلق عدو وهمي.

وفي الآونة الأخيرة، برزت موجة قوية تعتمد على ما يُعرف بـ"نظام الطيبات”، وهو هوس بالمواد العضوية والطبيعية المطلقة واستبعاد كل ما هو مصنع أو حديث، حيث يُبنى هذا الوهم على ركائز مضللة تسوقها المنصات؛ تبدأ بشيطنة الغذاء الكلي وتحويل مواد غذائية أساسية مثل الكربوهيدرات، الألبان، أو الغلوتين إلى "سموم" مطلقة، والادعاء بأنها سبب كل علة جسدية، وصولاً إلى مصطلحات "الديتوكس" البراقة وتسويق عصائر وخلطات لتطهير الجسم، وهي أكذوبة تجارية فجة؛ فالجسم يمتلك فلاتره الطبيعية كالكبد والكليتين التي تعمل بالمجان دون الحاجة لوصفات باهظة الثمن، مما يولد لدى المستهلك عقدة ذنب غذائي وخوفاً من كل ما يوضع في طبقه، ويدفعه مرغماً للجوء لشراء منتجات تحمل وسوماً طبية أو حيوية مبالغ في سعرها.

وإذا أسقطنا هذا الواقع على المجتمع الأردني، نجد أننا أمام معادلة فريدة من نوعها؛ فمن منظور غذائي إنساني، يمتلك الشعب الأردني ارتباطاً وجدانياً وثيقاً بالأرض ومخرجاتها، وهنا يأتي دور الذكاء التسويقي الخبيث الذي أدرك كم أن مصطلح "البلدي" يمثل قيمة مقدسة لدى الأردنيين، فهو مرادف للجودة، والبركة، والأصالة، لتستغل الشركات والمؤثرون هذا الرابط الوجداني لتحويل "البلدي" من قيمة غذائية إلى أداة تسويقية تدر ملايين الدنانير من خلال الرفع الاصطناعي للأسعار؛ فبجرد إضافة كلمة "بلدي" على المنتج كالسمن والبيض والزيت أو حتى الخضار، يتضاعف السعر فوراً دون وجود رقابة صارمة أو فحص مخبري يثبت أن طريقة الإنتاج اختلفت فعلياً عن المنتجات التجارية الأخرى، ناهيك عن تزييف المصدر بتسويق منتجات مستوردة أو مصنعة داخل مزارع تجارية مكثفة على أنها "بلدية من خيرات الديرة" مستغلين حنين المواطن للحياة الريفية البسيطة، وخلط المفاهيم بإيهام المستهلك بأن أي منتج "بلدي" هو بالضرورة آمن ومفتوح الكمية، متناسين أن الاعتدال هو الأساس؛ فالسمن البلدي مثلاً دهن حيواني ممتاز ومغذٍ، لكن الإفراط فيه يؤدي لنفس المشاكل الصحية التي تسببها الدهون الأخرى.

يمر المجتمع الأردني اليوم بحالة تجاذب شديدة بين الثقافة التقليدية القائمة على الوعي الفطري ومعرفة مصدر الأرض والشراء المباشر من المزارع ونظرتها للغذاء كبركة ولمّة عائلية وطعام موسمي متوازن بكلفة منطقية، وبين تيار الترندات والتسويق الحديث الذي يستمد ثقته من بريق العبوة وتوصية المؤثر، غارقاً في هوس "نظام الطيبات" والسعرات المجردة والحميات الإقصائية القاسية بكلف باهظة تُدفع ثمناً للـ "براند" والوهم التسويقي، ولكن لحسن الحظ، يمر الشارع الأردني اليوم بحالة من "الوعي الارتدادي"، فرغم الانسياق الأولي وراء صرعات "الطيبات" وشراء المنتجات بذريعة أنها بلدية لمجرد الاسم، بدأ المواطن—تحت ضغط الظروف الاقتصادية وزيادة الوعي—يحكم المنطق، ويدرك أن الوعي الغذائي الحقيقي لا يعني إنفاق مبالغ طائلة على شعارات براقة، بل في العودة لبساطة الطبخ المنزلي القائم على التوازن والاعتدال.

إن خطورة الترندات واستغلال المسميات لا تقتصر على الأضرار المادية والجسدية كـسوء التغذية، تساقط الشعر، أو مشاكل الجهاز الهضمي، بل تمتد إلى البُعد الإنساني والنفسي بعد أن حوّلت هذه الصرعات علاقتنا بالطعام إلى معركة وقلق وجودي وتفككت القيمة الاجتماعية للوجبة العائلية لصالح وجبات معزولة تحكمها قوانين صارمة، في حين أن التغذية الإنسانية الحقيقية تعني الاعتزاز بالهوية الغذائية المحلية كصحن قلاية البندورة بزيت الزيتون أو شوربة العدس دون الانقياد الأعمى لشركات التعبئة والتغليف التي تبيعنا موروثنا بأسعار مضاعفة تحت مسمى "بلدي".

إن الوعي الغذائي في المجتمع الأردني يجب أن يتجه نحو حماية المفهوم الحقيقي للبلدي باعتباره إنتاجاً محلياً، مستداماً، ونظيفاً وليس شعاراً كرتونياً على الرفوف، فنسق أجسامنا وموروثنا الغذائي ليسا حقول تجارب لإعلانات المنصات، والصحة لا تأتي في صرعة "طيبات" جديدة، بل في العقلانية، ودعم المزارع المحلي الحقيقي، والتفريق بين "قيمة الغذاء" و"ثمن الإعلان"، ولتكن رسالتنا الأخيرة أن أجسامنا لا تحتاج إلى كبسولات سحرية بل إلى العودة للفطرة، فالتوازن والاعتدال هما الأساس، وليكن الأكل مدعاة للبهجة والحياة، لا للمرض والوهم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم