الإنفاق على البحث والتطوير كأداة سيادية
تثبت تجارب الدول المتقدمة يوما بعد آخر أن الإنفاق على البحث والتطوير يمثل أداة سيادية لا غنى عنها للانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد القائم على المعرفة والتطوير والابتكار. فبالإضافة إلى الدور المحوري الذي يلعبه اقتصاد المعرفة في حماية الأمن الوطني وتعزيز صمود ومرونة الاقتصاد القومي في وجه الصدمات الخارجية والداخلية، فإنه يلعب دورا هاما في زيادة معدلات النمو الاقتصادي من خلال توسيع القاعدة الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة، الأمر الذي ينعكس، بأشكال متعددة، على مستويات المعيشة وجودة الحياة، ويمكّن الدولة من تعزيز وجودها في الأسواق الدولية، وينهي النزيف المستمر في ميزان المدفوعات؛ سواء من خلال استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر أو من خلال تحسين أداء الحساب الجاري من خلال زيادة الصادرات والحد من الاعتماد على استيراد التكنولوجيا والسلع المصنعة المعقدة من الخارج.
الفجوة الاستثمارية المعرفية
وبالرغم من كل ذلك، فإن المتابع لمسيرة التخطيط الاستراتيجي التنموي في المنطقة العربية يلحظ مفارقة هيكلية صارخة؛ فرغم من أن معظم الدول العربية قد أدرجت محور البحث والتطوير والابتكار ضمن رؤاها المستقبلية، وأكدت عليه في خططها التنموية طويلة ومتوسطة المدى، بل وصاغت استراتيجيات وطنية متخصصة في هذا الإطار، إلا أن واقع الإنفاق الفعلي على البحث والتطوير والابتكار وطبيعته ونتائجه الملموسة تسير في اتجاه معاكس للمستهدفات المعلنة. إذ تكشف آخر البيانات المتاحة حول الإنفاق الكلي للعالم العربي على البحث والتطوير عن فجوة استثمارية مقلقة عند مقارنتها بالتكتلات الدولية الكبرى؛ إذ لا يتجاوز هذا الإنفاق ما نسبته 0.64% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا يشكل سوى ما نسبته 1.2% تقريباً من إجمالي الإنفاق العالمي في هذا المجال. في المقابل، يبلغ المعدل العالمي العام نحو 1.92%.
ويزداد العجز العربي وضوحا في هذا المجال عند المقارنة مع بعض التكتلات والدول المتقدمة والناشئة؛ حيث تنفق مجموعة دول شرق آسيا والمحيط الهادئ، بقيادة الصين وكوريا الجنوبية واليابان، على البحث والتطوير ما نسبته 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وتصل ذروة هذا الإنفاق إلى 4.90% من الناتج المحلي في كوريا الجنوبية، لتستحوذ هذه الكتلة الآسيوية وحدها على نسبة ملموسة تصل إلى 40.4% من الإنفاق العالمي، مما يفسر هيمنتها المطلقة على صناعة التقنيات الدقيقة وسلاسل الإمداد الدولية. كذلك تبلغ هذه النسبة في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 3.50% مستأثرة بما نسبته 27% من حجم الانفاق العالمي. ولا يبتعد الاتحاد الأوروبي كثيراً بتخصيصه ما يصل إلى 2.24% من الناتج المحلي وبحصة عالمية تصل إلى 21.5%.
المفارقة الصادمة بين الموازنات العربية وعمالقة التكنولوجيا
وتتضاعف قتامة المشهد التخطيطي وتتضح الفجوة المعرفية بشكل أعمق عند مقارنة ما تنفقه الشركات العالمية الكبرى وما تنفقه الدول العربية مجتمعة على البحث والتطوير، حيث يبلغ إجمالي الإنفاق العربي، حسب أكثر البيانات تفاؤلا، حوالي 25 مليار دولار أمريكي. مقابل ذلك تشير القوائم المالية إلى أن الإنفاق السنوي لشركة أمازون وحده يبلغ نحو 48 مليار دولار أمريكي، أي قرابة ثلاثة أضعاف ما ينفقه العالم العربي مجتمعاً، تليها شركة ألفابت (جوجل) بإنفاق سنوي يبلغ 40 مليار دولار، ثم تأتي شركة مايكروسوفت بحجم استثمار يبلغ 30 مليار دولار سنوياً، في حين يسجل إنفاق شركة أبل السنوي نحو 26 مليار دولار، متجاوزاً أيضا حجم الإنفاق العربي الإجمالي على البحث والتطوير. ويمكن هنا، بكل سهولة، تفنيد الحجة التقليدية التي تربط دائماً بين كلفة الإنفاق وضعف العوائد؛ فهذه الشركات العابرة للقارات تقوم بهذا الإنفاق السخي كاستراتيجية وجودية حتمية لضمان الهيمنة، وتُثبت قوائمها المالية أنها تحقق أرباحاً صافية طائلة ونمواً متسارعاً، حيث يُعاد تدوير جزء من هذه الأرباح لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وتوطين الابتكار لتعظيم القيمة المضافة لمنتجاتها.
خلل هيكلي في التمويل
المعضلة البنيوية الأخرى في المنطقة العربية ترتبط بتوزيع الموارد المالية المتاحة؛ ففي الوقت الذي يقود فيه القطاع الخاص عملية الاستثمار المعرفي في الاقتصادات المتقدمة والناشئة، يقع العبء في العالم العربي بشكل شبه كامل على كاهل الموازنات الحكومية التي تعاني من عجوزات مزمنة. فبينما يساهم القطاع العام في العالم العربي بنحو 85% من إجمالي من الإنفاق على البحث والتطوير، تنعكس الآية تماماً في الاقتصادات المتقدمة والناشئة. ففي نموذج دول شرق آسيا والمحيط الهادئ تساهم الشركات الصينية والكورية واليابانية بحوالي 75% -79% من الإنفاق الإجمالي، أما في الولايات المتحدة فتتجاوز مساهمة القطاع الخاص في هذا المجال حاجز 65%، في حين يساهم القطاع الخاص بنسبة 56.7% من الإنفاق الكلي على البحث والتطوير في الاتحاد الأوروبي.
الإنفاق المعرفي وهيكل التجارة الخارجية
هذا التفاوت الشاسع في الإنفاق على البحث والتطوير ينعكس في هيكل التجارة الخارجية؛ فحسب تقارير البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، تشكل المواد الخام والمعادن غير المصنعة نحو 65% -70% من إجمالي الصادرات العربية، في حين لا تتعدى نسبة الصادرات المصنعة القائمة على الصناعات التحويلية عالية التكنولوجيا ما نسبته 22%، وتتركز أغلبها في المنتجات البتروكيماوية منخفضة أو متوسطة المعالجة والتحوير. وعلى النقيض من ذلك، تشكل السلع المصنعة والآلات ومعدات النقل في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكثر من 75% إلى 80% من إجمالي الصادرات، بينما تقفز في دول شرق آسيا والمحيط الهادئ لتصل إلى أكثر من 85%. أما في جانب هيكل المستوردات؛ فتشكل السلع المصنعة والمعدات الرأسمالية والتكنولوجية نحو 75% من إجمالي ما تستورده الدول العربية من الخارج. هذا الواقع يعني باختصار أن المنطقة العربية توجه موازين مدفوعاتها لخدمة الاقتصادات المبتكرة؛ إذ تزودهم بالمواد الخام بأسعار زهيدة، وتعيد شراءها منهم كسلع مصنعة معقدة بأسعار باهظة تحتوي على قيمة مضافة تكنولوجية تم دفع ثمنها مسبقا من الطاقات والموارد المحدودة، في أغلب الدول العربية.
أولويات المستقبل في مواجهة أعباء الماضي
أما الزاوية الأكثر خطورة وأهمية في التحليل فتظهر عندما يُوضع الإنفاق على البحث والتطوير في كفة، ومدفوعات فوائد الدين العام السنوية في الكفة الأخرى؛ حيث تتكشف حقيقة الاختناق الهيكلي في الموازنات العربية ذات المساحة المالية المضغوطة، وتبين بشكل جلي كيف تستنزف أعباء الماضي عوائد المستقبل. إذ تشير القراءات الإحصائية المجمعة إلى أن إجمالي ما تتكبده الخزائن العربية مجتمعة لسداد فوائد الدين العام السنوية يتراوح بين 135- 140 مليار دولار أمريكي. وعند مقارنة هذا المبلغ المهول مع الإنفاق العربي الكلي على البحث والابتكار، البالغ 25 مليار دولار، تظهر المفارقة الصادمة؛ إذ ينفق العالم العربي بمجمله على كلفة تمويل ديونه السابقة ما يربو على 5.5 ضعف ما يخصصه لتمويل معارفه المستقبلية وتوسيع قاعدته الإنتاجية. ويؤكد هذا التفاوت أن معضلة غياب التمويل البحثي ليست مجرد قصور في الأولويات المؤسسية المؤقتة، بل هي نتيجة مباشرة للمساحات المالية المضغوطة والأعباء الهيكلية المتراكمة التي تكبل الموازنات العامة وتمنعها من الاستثمار المناسب في عوائد الابتكار وبالتالي الاستدامة. مما يجعل من السيطرة على توسع الدين العام وخدمته المتزايدة شرطاً مسبقاً لتمكين الطاقات المعرفية وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
التوصية والخاتمة
إن الخروج من هذه الحلقة التنموية المفرغة، التي تتداخل فيها موازنات مكبلة بأعباء الديون، واقتصادات تعتمد على تصدير المواد الخام، وموازين مدفوعات مستنزفة بالمستوردات المصنعة، يتطلب صياغة إطار تنموي جديد في العالم العربي يسير على هدى تجربة دول شرق آسيا والمحيط الهادئ. وبناءً على هذه المعطيات، فإن الحل المنصف والسريع لا يكون بمطالبة الحكومات المقيدة مالياً بزيادة الإنفاق على البحث والتطوير من خزائنها المرهقة بفوائد الديون (مع التأكيد والتشديد على ضرورة معالجة هذا الخلل الهيكلي الخطير) بل في إعادة صياغة القوانين والتشريعات الاقتصادية لخلق شراكة تحفيزية منصفة مع القطاع الخاص.
وفي ذات الوقت فإن هذا الإنصاف يقتضي ألا يُنظر إلى هذا التحول كعبء ضريبي إضافي على قطاع أعمال يعاني أصلاً، في الكثير من الدول العربية، من وطأة الجباية، بل كآلية مقاصة تنموية مبتكرة، تُخصم بموجبها النفقات الاستثمارية الموجهة للبحث والتطوير مباشرة من الوعاء الضريبي المستحق للخزينة. وهذا يعني أن من الضرورة بمكان خلق الأوعية والمصارف الابتكارية التشاركية التي تحول جزءاً من الإيرادات الضريبية إلى استثمارات إنتاجية تربط الشركات بالجامعات والمراكز الوطنية، مما يضمن توليد منتجات وبراءات اختراع ترفع أرباح القطاع الخاص وتُعظم القيمة المضافة للاقتصاد في نفس الوقت، تماماً كما تفعل النمور الآسيوية وعمالقة التكنولوجيا عالمياً. إن العالم العربي بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة تشريعية ذكية توقف نزيف العقول المهاجرة وتوطّن التكنولوجيا محلياً؛ فبناء الإنسان العربي هو الاستثمار الوحيد الذي يملك ميزة العائد التصاعدي القادر على إطفاء ديون الماضي وتأمين سيادة المستقبل.
#التخطيط_الاستراتيجي #التنمية_المستدامة #البحث_والتطوير #الابتكار #اقتصاد_المعرفة #النمو_الاقتصادي #الدين_العام #الموازنة_العامة #الشراكة_بين_القطاعين_العام_والخاص #الاقتصاد_العربي
تثبت تجارب الدول المتقدمة يوما بعد آخر أن الإنفاق على البحث والتطوير يمثل أداة سيادية لا غنى عنها للانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد القائم على المعرفة والتطوير والابتكار. فبالإضافة إلى الدور المحوري الذي يلعبه اقتصاد المعرفة في حماية الأمن الوطني وتعزيز صمود ومرونة الاقتصاد القومي في وجه الصدمات الخارجية والداخلية، فإنه يلعب دورا هاما في زيادة معدلات النمو الاقتصادي من خلال توسيع القاعدة الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة، الأمر الذي ينعكس، بأشكال متعددة، على مستويات المعيشة وجودة الحياة، ويمكّن الدولة من تعزيز وجودها في الأسواق الدولية، وينهي النزيف المستمر في ميزان المدفوعات؛ سواء من خلال استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر أو من خلال تحسين أداء الحساب الجاري من خلال زيادة الصادرات والحد من الاعتماد على استيراد التكنولوجيا والسلع المصنعة المعقدة من الخارج.
الفجوة الاستثمارية المعرفية
وبالرغم من كل ذلك، فإن المتابع لمسيرة التخطيط الاستراتيجي التنموي في المنطقة العربية يلحظ مفارقة هيكلية صارخة؛ فرغم من أن معظم الدول العربية قد أدرجت محور البحث والتطوير والابتكار ضمن رؤاها المستقبلية، وأكدت عليه في خططها التنموية طويلة ومتوسطة المدى، بل وصاغت استراتيجيات وطنية متخصصة في هذا الإطار، إلا أن واقع الإنفاق الفعلي على البحث والتطوير والابتكار وطبيعته ونتائجه الملموسة تسير في اتجاه معاكس للمستهدفات المعلنة. إذ تكشف آخر البيانات المتاحة حول الإنفاق الكلي للعالم العربي على البحث والتطوير عن فجوة استثمارية مقلقة عند مقارنتها بالتكتلات الدولية الكبرى؛ إذ لا يتجاوز هذا الإنفاق ما نسبته 0.64% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا يشكل سوى ما نسبته 1.2% تقريباً من إجمالي الإنفاق العالمي في هذا المجال. في المقابل، يبلغ المعدل العالمي العام نحو 1.92%.
ويزداد العجز العربي وضوحا في هذا المجال عند المقارنة مع بعض التكتلات والدول المتقدمة والناشئة؛ حيث تنفق مجموعة دول شرق آسيا والمحيط الهادئ، بقيادة الصين وكوريا الجنوبية واليابان، على البحث والتطوير ما نسبته 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وتصل ذروة هذا الإنفاق إلى 4.90% من الناتج المحلي في كوريا الجنوبية، لتستحوذ هذه الكتلة الآسيوية وحدها على نسبة ملموسة تصل إلى 40.4% من الإنفاق العالمي، مما يفسر هيمنتها المطلقة على صناعة التقنيات الدقيقة وسلاسل الإمداد الدولية. كذلك تبلغ هذه النسبة في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 3.50% مستأثرة بما نسبته 27% من حجم الانفاق العالمي. ولا يبتعد الاتحاد الأوروبي كثيراً بتخصيصه ما يصل إلى 2.24% من الناتج المحلي وبحصة عالمية تصل إلى 21.5%.
المفارقة الصادمة بين الموازنات العربية وعمالقة التكنولوجيا
وتتضاعف قتامة المشهد التخطيطي وتتضح الفجوة المعرفية بشكل أعمق عند مقارنة ما تنفقه الشركات العالمية الكبرى وما تنفقه الدول العربية مجتمعة على البحث والتطوير، حيث يبلغ إجمالي الإنفاق العربي، حسب أكثر البيانات تفاؤلا، حوالي 25 مليار دولار أمريكي. مقابل ذلك تشير القوائم المالية إلى أن الإنفاق السنوي لشركة أمازون وحده يبلغ نحو 48 مليار دولار أمريكي، أي قرابة ثلاثة أضعاف ما ينفقه العالم العربي مجتمعاً، تليها شركة ألفابت (جوجل) بإنفاق سنوي يبلغ 40 مليار دولار، ثم تأتي شركة مايكروسوفت بحجم استثمار يبلغ 30 مليار دولار سنوياً، في حين يسجل إنفاق شركة أبل السنوي نحو 26 مليار دولار، متجاوزاً أيضا حجم الإنفاق العربي الإجمالي على البحث والتطوير. ويمكن هنا، بكل سهولة، تفنيد الحجة التقليدية التي تربط دائماً بين كلفة الإنفاق وضعف العوائد؛ فهذه الشركات العابرة للقارات تقوم بهذا الإنفاق السخي كاستراتيجية وجودية حتمية لضمان الهيمنة، وتُثبت قوائمها المالية أنها تحقق أرباحاً صافية طائلة ونمواً متسارعاً، حيث يُعاد تدوير جزء من هذه الأرباح لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وتوطين الابتكار لتعظيم القيمة المضافة لمنتجاتها.
خلل هيكلي في التمويل
المعضلة البنيوية الأخرى في المنطقة العربية ترتبط بتوزيع الموارد المالية المتاحة؛ ففي الوقت الذي يقود فيه القطاع الخاص عملية الاستثمار المعرفي في الاقتصادات المتقدمة والناشئة، يقع العبء في العالم العربي بشكل شبه كامل على كاهل الموازنات الحكومية التي تعاني من عجوزات مزمنة. فبينما يساهم القطاع العام في العالم العربي بنحو 85% من إجمالي من الإنفاق على البحث والتطوير، تنعكس الآية تماماً في الاقتصادات المتقدمة والناشئة. ففي نموذج دول شرق آسيا والمحيط الهادئ تساهم الشركات الصينية والكورية واليابانية بحوالي 75% -79% من الإنفاق الإجمالي، أما في الولايات المتحدة فتتجاوز مساهمة القطاع الخاص في هذا المجال حاجز 65%، في حين يساهم القطاع الخاص بنسبة 56.7% من الإنفاق الكلي على البحث والتطوير في الاتحاد الأوروبي.
الإنفاق المعرفي وهيكل التجارة الخارجية
هذا التفاوت الشاسع في الإنفاق على البحث والتطوير ينعكس في هيكل التجارة الخارجية؛ فحسب تقارير البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، تشكل المواد الخام والمعادن غير المصنعة نحو 65% -70% من إجمالي الصادرات العربية، في حين لا تتعدى نسبة الصادرات المصنعة القائمة على الصناعات التحويلية عالية التكنولوجيا ما نسبته 22%، وتتركز أغلبها في المنتجات البتروكيماوية منخفضة أو متوسطة المعالجة والتحوير. وعلى النقيض من ذلك، تشكل السلع المصنعة والآلات ومعدات النقل في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكثر من 75% إلى 80% من إجمالي الصادرات، بينما تقفز في دول شرق آسيا والمحيط الهادئ لتصل إلى أكثر من 85%. أما في جانب هيكل المستوردات؛ فتشكل السلع المصنعة والمعدات الرأسمالية والتكنولوجية نحو 75% من إجمالي ما تستورده الدول العربية من الخارج. هذا الواقع يعني باختصار أن المنطقة العربية توجه موازين مدفوعاتها لخدمة الاقتصادات المبتكرة؛ إذ تزودهم بالمواد الخام بأسعار زهيدة، وتعيد شراءها منهم كسلع مصنعة معقدة بأسعار باهظة تحتوي على قيمة مضافة تكنولوجية تم دفع ثمنها مسبقا من الطاقات والموارد المحدودة، في أغلب الدول العربية.
أولويات المستقبل في مواجهة أعباء الماضي
أما الزاوية الأكثر خطورة وأهمية في التحليل فتظهر عندما يُوضع الإنفاق على البحث والتطوير في كفة، ومدفوعات فوائد الدين العام السنوية في الكفة الأخرى؛ حيث تتكشف حقيقة الاختناق الهيكلي في الموازنات العربية ذات المساحة المالية المضغوطة، وتبين بشكل جلي كيف تستنزف أعباء الماضي عوائد المستقبل. إذ تشير القراءات الإحصائية المجمعة إلى أن إجمالي ما تتكبده الخزائن العربية مجتمعة لسداد فوائد الدين العام السنوية يتراوح بين 135- 140 مليار دولار أمريكي. وعند مقارنة هذا المبلغ المهول مع الإنفاق العربي الكلي على البحث والابتكار، البالغ 25 مليار دولار، تظهر المفارقة الصادمة؛ إذ ينفق العالم العربي بمجمله على كلفة تمويل ديونه السابقة ما يربو على 5.5 ضعف ما يخصصه لتمويل معارفه المستقبلية وتوسيع قاعدته الإنتاجية. ويؤكد هذا التفاوت أن معضلة غياب التمويل البحثي ليست مجرد قصور في الأولويات المؤسسية المؤقتة، بل هي نتيجة مباشرة للمساحات المالية المضغوطة والأعباء الهيكلية المتراكمة التي تكبل الموازنات العامة وتمنعها من الاستثمار المناسب في عوائد الابتكار وبالتالي الاستدامة. مما يجعل من السيطرة على توسع الدين العام وخدمته المتزايدة شرطاً مسبقاً لتمكين الطاقات المعرفية وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
التوصية والخاتمة
إن الخروج من هذه الحلقة التنموية المفرغة، التي تتداخل فيها موازنات مكبلة بأعباء الديون، واقتصادات تعتمد على تصدير المواد الخام، وموازين مدفوعات مستنزفة بالمستوردات المصنعة، يتطلب صياغة إطار تنموي جديد في العالم العربي يسير على هدى تجربة دول شرق آسيا والمحيط الهادئ. وبناءً على هذه المعطيات، فإن الحل المنصف والسريع لا يكون بمطالبة الحكومات المقيدة مالياً بزيادة الإنفاق على البحث والتطوير من خزائنها المرهقة بفوائد الديون (مع التأكيد والتشديد على ضرورة معالجة هذا الخلل الهيكلي الخطير) بل في إعادة صياغة القوانين والتشريعات الاقتصادية لخلق شراكة تحفيزية منصفة مع القطاع الخاص.
وفي ذات الوقت فإن هذا الإنصاف يقتضي ألا يُنظر إلى هذا التحول كعبء ضريبي إضافي على قطاع أعمال يعاني أصلاً، في الكثير من الدول العربية، من وطأة الجباية، بل كآلية مقاصة تنموية مبتكرة، تُخصم بموجبها النفقات الاستثمارية الموجهة للبحث والتطوير مباشرة من الوعاء الضريبي المستحق للخزينة. وهذا يعني أن من الضرورة بمكان خلق الأوعية والمصارف الابتكارية التشاركية التي تحول جزءاً من الإيرادات الضريبية إلى استثمارات إنتاجية تربط الشركات بالجامعات والمراكز الوطنية، مما يضمن توليد منتجات وبراءات اختراع ترفع أرباح القطاع الخاص وتُعظم القيمة المضافة للاقتصاد في نفس الوقت، تماماً كما تفعل النمور الآسيوية وعمالقة التكنولوجيا عالمياً. إن العالم العربي بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة تشريعية ذكية توقف نزيف العقول المهاجرة وتوطّن التكنولوجيا محلياً؛ فبناء الإنسان العربي هو الاستثمار الوحيد الذي يملك ميزة العائد التصاعدي القادر على إطفاء ديون الماضي وتأمين سيادة المستقبل.
#التخطيط_الاستراتيجي #التنمية_المستدامة #البحث_والتطوير #الابتكار #اقتصاد_المعرفة #النمو_الاقتصادي #الدين_العام #الموازنة_العامة #الشراكة_بين_القطاعين_العام_والخاص #الاقتصاد_العربي
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات