كيف تحوّل الموظف من ضحية الذكاء الاصطناعي إلى مموّلٍ له؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 21714
كيف تحوّل الموظف من ضحية الذكاء الاصطناعي إلى مموّلٍ له؟
سرايا - لم يَعُد خطر الذكاء الاصطناعي مقصوراً على ابتلاع الوظائف؛ فقد امتدّ إلى الأجور نفسها. فبحثاً عن سيولة نقدية تموّل تحوّلاتها التقنية، لجأت شركاتٌ إلى تقليص المزايا الوظيفية وحزم التعويضات.

وكشف موقع «بيزنس إنسايدر» أنّ شركة البرمجيات السحابية العالمية «تيراداتا» أبلغت موظفيها البالغ عددهم 5100 موظف، في يناير الماضي، بألّا يتوقّعوا زيادات سنوية في الرواتب هذا العام، إذ تعيد توجيه ميزانيتها نحو استثمارات الذكاء الاصطناعي، بحسب مذكّرة داخلية لم تُنشر من قبل اطّلع عليها الموقع.

وأوضح الرئيس التنفيذي للشركة ستيف ماكميلان في المذكّرة أنّ تركيز «تيراداتا» لعام 2026 ينصبّ على «الفوز في السوق» بالذكاء الاصطناعي، وأنّها ستزيد استثماراتها في استقطاب المواهب بهذا المجال، مضيفاً أنّ تمويل هذا الاستثمار سيأتي من إعادة تخصيص ميزانية التعديلات السنوية للرواتب لعام 2026.

ولم تُعلّق «تيراداتا» رسمياً على قرار الميزانية، غير أنّ متحدّثاً باسمها أكّد للموقع أنّها تستثمر بنشاط في الذكاء الاصطناعي لتطوير منتجاتها وخدماتها.

في المقابل، قال موظفان أمريكيان يعملان فيها منذ أكثر من عشر سنوات إنّهما اعتادا تلقّي زيادات سنوية تتراوح بين 2% و4%، مع إقرارهما بأنّها لم تكن مضمونة كلّ عام.

وأشارت المذكّرة إلى أنّ الموظفين قد يواصلون تلقّي مكافآت مرتبطة بالأداء وحصص أسهم ضمن تعويضاتهم، وأنّ القرار يَسري في الدول التي لا تُلزم فيها الجهات الرقابية بتعديلات أجور تتماشى مع السوق.

وبحسب الموقع، تُعدّ «تيراداتا» ثاني شركة تُعلن صراحةً لموظفيها تفضيلها الإنفاق على الذكاء الاصطناعي على الاستثمار في القوى العاملة. فقد سبق أن جمّدت شركة «تي تك» المتوسطة الحجم، المتخصّصة في التكنولوجيا والخدمات، مساهماتها في خطط التقاعد (401k) لموظفيها في الولايات المتحدة حتى نهاية 2026، مبرّرةً ذلك داخلياً بأنّ خفض المزايا سيُسهم في تمويل الأدوات والتدريب والقدرات اللازمة لمستقبلها في هذا المجال.

ورأت جينيفر موس، خبيرة استراتيجيات بيئة العمل ومؤلّفة كتاب «لماذا نحن هنا؟»، أنّ صراحة القادة في عزو الاقتطاعات إلى الذكاء الاصطناعي تمثّل تحوّلاً خطابياً جديداً. وقالت إنّ الحكم على هذه الصراحة — أهي أكثر صدقاً أم أكثر سخرية — يتوقّف على قراءة الموقف، لكنّها تعكس تبدّلاً حقيقياً فيما يجرؤ القادة على قوله علناً، مضيفةً أنّ «ما يصبح قابلاً للقول يميل إلى أن يصبح قابلاً للتنفيذ».

تعمل «تي تك» و«تيراداتا» في قطاعٍ يُنظر فيه إلى التخلّف عن مواكبة الذكاء الاصطناعي بوصفه خطراً وجودياً. وعبر مختلف القطاعات، ترفع الشركات إنفاقها على هذه التقنية: فقد أظهر استطلاع لمؤسسة «آر بي سي كابيتال» شمل 117 من مديري تكنولوجيا المعلومات في شركات تتفاوت إيراداتها بين أقلّ من 250 مليون دولار وأكثر من 25 مليار دولار، أنّ 90% منهم يعتزمون زيادة إنفاقهم على الذكاء الاصطناعي في 2026.

ويتراوح هذا الإنفاق بين عشرات آلاف الدولارات لمشاريع تجريبية صغيرة، وملايينها لعمليات تحوّل شاملة على مستوى المؤسسات. وتأتي هذه الكلفة في وقتٍ تعمل فيه شركاتٌ كثيرة بميزانيات أضيق، تحت ضغط التضخّم والرسوم الجمركية واضطراب سلاسل التوريد. وقد واجهت «تيراداتا» و«تي تك» صعوبات مالية أخيراً، إذ تراجعت إيراداتهما العالمية بنسبة 5% و3.2% على التوالي في آخر سنة مالية لكلٍّ منهما.

ومع تصاعد كلفة الذكاء الاصطناعي، شدّدت موس على أنّ خفض تعويضات العاملين «خيارٌ لا حتمية»، إذ يمكن تمويل التحوّل بوسائل أخرى: الاقتراض، أو إعادة تخصيص الإنفاق غير الضروري، أو تعديل تعويضات المديرين التنفيذيين، أو الاستحواذات، أو تقسيم الاستثمار على مراحل، أو القبول بهوامش ربح أدنى لمدّة محدّدة. ومن أمثلة ذلك، إعلان «ألفابت» هذا الأسبوع خطّةً لبيع أسهم بقيمة 80 مليار دولار لتمويل بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي.

وعزت موس لجوء الشركات إلى تعويضات القوى العاملة تحديداً إلى أنّها أكبر بند نفقات قابل للتحكّم، وأقلّها مواجهةً بمقاومة منظَّمة، موضحةً أنّ الكلفة الفعلية للاستثمار في الذكاء الاصطناعي تبقى صغيرة نسبياً أمام إجمالي التعويضات؛ فالشركات تتوقّع إنفاق نحو 1.7% فقط من إيراداتها على هذه التقنية في 2026، بحسب تقرير «رادار الذكاء الاصطناعي 2026» الصادر عن مجموعة «بوسطن للاستشارات» (BCG) المستند إلى مسحٍ شمل 2360 شركة عالمية.

ومن جهته، توقّع الخبير الاقتصادي مدير مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد، جان-إيمانويل دي نيف، أن تُجري مزيدٌ من الشركات مقايضات مماثلة، معتبراً ذلك مؤشّراً على «عقلية قصيرة الأجل». وختم بأنّ القائد حين يخفض التعويضات البشرية علناً لتمويل الذكاء الاصطناعي يسعى إلى الظهور بمظهر الإدارة الحاسمة المتقدّمة تقنياً، فيما الرسالة التي تصل إلى الموظفين أنّهم بلا مستقبل آمن في المؤسسة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم