هل يسهل انتشار السلاح غير المرخص وقوع الجرائم في الأردن؟

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 81413
هل يسهل انتشار السلاح غير المرخص وقوع الجرائم في الأردن؟

سرايا - رهام الخزاعلة - رغم تراجع إجمالي الجرائم في الأردن خلال عام 2025 بنسبة 4.01% وفق التقرير الإحصائي الجنائي الصادر عن مديرية الأمن العام، إلا أن الجرائم المرتبطة باستخدام الأسلحة النارية ما تزال تفرض نفسها على المشهد الأمني، خاصة في القضايا الناجمة عن خلافات عائلية وشخصية تنتهي بنتائج مأساوية.


وأظهرت بيانات مديرية الأمن العام لعام 2025 انخفاض جرائم القتل العمد بنسبة 21.15%، والشروع بالقتل بنسبة 5.82% خلال العام الماضي، إلا أن مختصين يرون أن وجود السلاح، وبخاصة غير المرخص، ما يزال عاملاً رئيسياً في رفع خطورة الجرائم وتحويل النزاعات العابرة إلى جرائم قتل.



وتشير دراسة صادرة عن منظمة "Small Arms Survey" عام 2020 إلى أن الأردن احتل المرتبة الرابعة عربياً والـ32 عالمياً في معدل انتشار الأسلحة بين المواطنين، بواقع 18.7 قطعة سلاح لكل 100 شخص. كما تتحدث تقديرات متداولة عن وجود نحو مليون قطعة سلاح غير مرخصة مقابل نحو 350 ألف قطعة سلاح مرخصة.



ولا تعد قضية الأسلحة غير المرخصة جديدة في الأردن، إذ أشارت تقارير وتصريحات أمنية منشورة في سنوات سابقة إلى أن الأزمة السورية وما رافقها من اضطرابات إقليمية أسهمت في زيادة محاولات تهريب الأسلحة إلى المملكة.



وبحسب تلك التصريحات، ارتفعت عمليات تهريب الأسلحة إلى الأردن منذ عام 2011 بنحو 400%، بما يعادل قرابة 14 ألف قطعة سلاح متنوعة، فيما تحدثت تقديرات غير رسمية عن وجود نحو مليون قطعة سلاح غير مرخصة داخل المملكة.


السلاح لا يصنع الجريمة.. لكنه يسرّع وقوعها

وفي قراءة أمنية للظاهرة، يرى الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور بشير الدعجة أن تقييم ملف السلاح غير المرخص يجب أن ينطلق من أثره الأمني أكثر من حجمه العددي، موضحاً أن وجود قطعة سلاح واحدة في لحظة انفعال قد يحول خلافاً بسيطاً إلى جريمة قتل خلال ثوانٍ.

ويؤكد الدعجة لسرايا أن تقديرات وتحليلات أمنية متداولة تشير إلى أن ما بين 80% و90% من جرائم القتل ترتبط باستخدام أسلحة نارية، وغالباً ما تكون غير مرخصة، معتبراً أن ذلك لا يعني وجود انفلات واسع في انتشار السلاح، بقدر ما يعكس حجم التأثير الذي يتركه عند استخدامه في النزاعات.

ويذهب إلى أن السلاح لا يخلق الدافع للجريمة، لكنه يغيّر نتائجها بشكل جذري، موضحاً أن كثيراً من جرائم القتل لا تكون مخططاً لها مسبقاً، وإنما تقع نتيجة تصعيد لحظي أثناء مشاجرة أو خلاف شخصي، وعندما يكون السلاح متاحاً تصبح النتائج أكثر خطورة.

كما يلفت إلى أن الدراسات السلوكية تؤكد أن لحظات الغضب والانفعال تترافق مع تراجع القدرة على التفكير المنطقي وتقدير العواقب، ما يجعل وجود السلاح عاملاً حاسماً في تحويل رد الفعل اللحظي إلى فعل قاتل لا يمكن التراجع عنه.

وبحسب الدعجة، فإن الأجهزة الأمنية تنفذ حملات مستمرة لضبط الأسلحة غير المرخصة وملاحقة المتاجرين بها، إلا أن المعالجة الحقيقية تتطلب تكاملاً بين الأمن والتشريع والتوعية المجتمعية لمعالجة ثقافة اللجوء إلى السلاح في بعض النزاعات.

وعلى صعيد البيئات الأكثر ارتباطاً بحيازة السلاح، يوضح الدعجة أن السلاح غير المرخص لا يرتبط بفئة اجتماعية محددة، لكنه يظهر بصورة أكبر في بعض البيئات التي تشهد نزاعات عائلية أو عشائرية متكررة، أو لدى أشخاص يعانون من ضعف السيطرة على الانفعال والاندفاع اللحظي.

ويشدد على أن هذه الحالات تبقى أنماطاً محدودة وليست ظاهرة عامة في المجتمع الأردني، إلا أن خطورتها تكمن في النتائج التي قد تترتب عليها عند وقوع الخلافات.

وفي السياق ذاته، يرى الدعجة أن خطورة السلاح تتضاعف داخل البيئة العائلية، إذ إن معظم الخلافات الأسرية تبدأ بمشادات كلامية أو احتكاكات بسيطة، لكن وجود سلاح ناري في لحظة الانفعال قد يرفع مستوى التصعيد بشكل كبير ويحول الخلاف إلى جريمة قتل أو إيذاء بليغ.

ويؤكد أن الدراسات السلوكية في علم الجريمة تشير إلى أن لحظات الغضب تترافق مع تراجع القدرة على التفكير المنطقي وتقدير العواقب، ما يجعل وجود السلاح عاملاً حاسماً في تحويل "ثوانٍ من الانفعال" إلى نتائج كارثية لا يمكن التراجع عنها.

ويرى الدعجة أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تتطلب تكاملاً بين الأمن والتشريع والإعلام والمؤسسات التربوية، إلى جانب تعزيز ثقافة الحوار والوساطة المجتمعية، ومعالجة العوامل التي تغذي العنف مثل الاحتقان الاجتماعي والبطالة وضعف مهارات إدارة الخلافات.


العين القضاة: السلاح يسهّل القتل ويُسرّع وقوعه

أما العين واللواء المتقاعد عمار القضاة، فيعتبر أن السلاح، سواء كان مرخصاً أو غير مرخص، يسهّل تنفيذ جرائم القتل ويعكس في كثير من الأحيان إصرار الجاني على ارتكاب الجريمة إذا توفرت لديه النية الإجرامية.

ويوضح القضاة أن السلاح ليس ركناً أساسياً في جريمة القتل من الناحية القانونية، إذ يمكن أن تقع الجريمة باستخدام أدوات مختلفة، إلا أن السلاح الناري يختصر الوقت والجهد ويزيد من احتمالية وقوع الوفاة مقارنة بوسائل أخرى.

كما يؤكد أن نسبة كبيرة من جرائم القتل التي تُرتكب باستخدام الأسلحة النارية تكون مرتبطة بأسلحة غير مرخصة، مشيراً إلى أن تقديرات سابقة تحدثت عن وجود نحو مليون قطعة سلاح غير مرخصة في المملكة.

ويبين أن وجود السلاح غير المرخص يسرّع تنفيذ الجريمة ويزيد من خطورتها، خصوصاً في ظل النزاعات الشخصية والعائلية التي قد تتطور في لحظات قصيرة إلى جرائم قتل.

وفيما يتعلق بالجانب الفني، يلفت القضاة إلى أن ترخيص الأسلحة يسهل على الأجهزة الأمنية تتبعها من خلال البصمة النارية المسجلة لدى المختبرات الجنائية، ما يساهم في كشف الجرائم والوصول إلى مرتكبيها بصورة أسرع.

ويشير إلى أن هناك مشروعاً طُرح سابقاً لتشديد العقوبات على حيازة الأسلحة غير المرخصة الا انه لم يتم احالته الى مجلس النواب ، مؤكداً دعمه لأي توجه من شأنه تغليظ العقوبات على حيازة الأسلحة الأوتوماتيكية غير القانونية.

ويلفت إلى أن الدوافع الرئيسية لجرائم القتل غالباً ما ترتبط بخلافات شخصية وعائلية ومشكلات مالية واضطرابات نفسية، مشدداً على أن أي جريمة قتل لا يمكن تبريرها إلا في حدود الدفاع الشرعي عن النفس الذي يحدده القانون.

كما أشار القضاة إلى أنه وفق التقرير الإحصائي الجنائي الصادر عن مديرية الأمن العام لعام 2025، سُجلت نحو 21 جريمة قتل ارتُكبت باستخدام أسلحة نارية، في حين أظهرت البيانات أن الأدوات الحادة ما تزال تتصدر الأدوات المستخدمة في بعض جرائم القتل.

الخصاونة: القانون رادع لكن المشكلة أعمق من النصوص

من جهته، يؤكد المحامي والخبير القانوني صخر الخصاونة أن التشريعات الأردنية المتعلقة بالأسلحة النارية تعد من أكثر القوانين صرامة، وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.

ويرى الخصاونة أن المشكلة لا تتعلق بغياب النصوص القانونية بقدر ارتباطها بعوامل نفسية واجتماعية تدفع بعض الأشخاص إلى اللجوء للسلاح عند وقوع الخلافات.

ويكشف أن نحو 90% من القضايا المرتبطة بالأسلحة النارية التي تمر أمام المحاكم تتعلق بأسلحة غير مرخصة، ما يشير إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في هذا النوع من الأسلحة.

ويؤكد أن قانون الأسلحة النارية والذخائر يتضمن عقوبات مشددة تصل إلى الأشغال المؤبدة في بعض الحالات المرتبطة بحيازة أو الاتجار بالأسلحة الأوتوماتيكية غير المرخصة، فضلاً عن مصادرة السلاح المستخدم في الجرائم أو إطلاق العيارات النارية.

ويشير إلى أن القانون الأردني يشترط لمنح رخصة حيازة سلاح أن يكون طالب الترخيص أردني الجنسية، وأتم 21 عاماً من عمره، وغير محكوم بجناية أو جنحة، إلى جانب استيفاء الشروط والإجراءات الأمنية والقانونية المعمول بها.

ويشدد الخصاونة على أن القوانين وحدها لا تكفي لمعالجة المشكلة، إذ لا بد من تعزيز الوعي المجتمعي ومعالجة الجوانب النفسية والاجتماعية التي تدفع بعض الأفراد إلى استخدام السلاح لحسم خلافاتهم.

بين الأرقام والواقع

ورغم تراجع معدلات الجريمة في الأردن خلال العام الماضي، إلا أن استمرار استخدام الأسلحة غير المرخصة في عدد من الجرائم الخطيرة التي شهدها الشارع الأردني مؤخراً يطرح تساؤلات حول مدى تأثيرها على الأمن المجتمعي.

ويجمع مختصون على أن السلاح لا يخلق الجريمة من العدم، لكنه يسرّع وقوعها عبر تحويل الخلافات العابرة والمشاجرات اللحظية إلى جرائم دامية، ما يجعل الحد من انتشار الأسلحة غير المرخصة وتعزيز الوعي المجتمعي جزءاً أساسياً من حماية المجتمع وتقليل الخسائر البشرية الناتجة عن النزاعات الفردية والعائلية.

وبينما تؤكد الجهات المختصة استمرار حملات ضبط الأسلحة غير القانونية وملاحقة المتاجرين بها، يرى خبراء أن السؤال الأهم لم يعد فقط “كم عدد الأسلحة المنتشرة؟”، بل “كيف يتحول وجود السلاح في لحظة غضب إلى جريمة لا يمكن الرجوع عنها؟”.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم