المجالي يكتب: عندما يُباع الوطن في «مواسم التنزيلات» .. وطنيون في العلن، تجار في الكواليس!

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 25335
 المجالي يكتب: عندما يُباع الوطن في «مواسم التنزيلات» ..  وطنيون في العلن، تجار في الكواليس!
نضال أنور المجالي

نضال أنور المجالي

من رضع العز من ثدي هذه الأرض، يعلم تماماً أن الوطنية ليست ثوباً يُرتدى في المناسبات، ولا بضاعة تُعرض في واجهات المحال، بل هي جمرٌ يتقد في الصدور، وعرقٌ يُبذل بلا مقابل، ودماءٌ تُسفك ليبقى العلم شامخاً.
​لكن، في زمن «الكوميديا الإدارية» والتحولات العجيبة، نبتت في مجتمعاتنا طبقة جديدة من "المستثمرين"؛ خبراء في اللعب على الأوتار الحساسة، وصنّاع "مكياج وطني" يعرفون من أين تُؤكل الكتف. هؤلاء هم تجار المواقف وباعة الكلام الذين يتقنون فن تحويل الانتماء إلى أرقام وأرباح.
​العرض المسرحي: كلامٌ يلامس النجوم، وجيوبٌ تطلب المزيد!
​تراهم في المؤتمرات، أو تقرأ لهم خلف الشاشات، يتحدثون بنبرة ملحمية تقشعر لها الأبدان. يخطبون بلسانٍ يقطر حباً للأرض والتراب، ويسردون شعارات براقة تجعلك كمواطن غيور على بلده، مستعداً لأن تخلع رداءك وتدفع من قوت عيالك ومن "جيبتك المخروقة" دعماً لمشاريعهم التي يغلفونها بـ "المصلحة الوطنية العليا".
​يُقنعونك أن مشروعهم الاستثماري، أو مبادرتهم البرّاقة، ليست إلا فداءً للوطن، وأن هدفهم الأول والأخير هو تشغيل الشباب، ورفع اسم البلاد، وتحقيق الاكتفاء الافتراضي! تشعر للحظة أنك أمام "محررين" لا مستثمرين يبحثون عن إعفاءات ضريبية.
​الحقيقة المخفية: الصندوق هو المعبود الأول!
​ولكن، ما إن تنطفئ أضواء الكاميرات، وتُغلق أبواب المكاتب الفارهة، وتجلس هذه العقول البرغماتية خلف الآلات الحاسبة، حتى تذوب مساحيق الوطنية وتظهر الحقيقة العارية: الحسابات بالأرقام، ولا عزاء للشعارات.
​خلف هذا الستار الثقيل، لا يُرى إلا شيء واحد: كم دخل في الصندوق؟ وما هو حجم الأرباح الصافية؟
إن الشعارات الوطنية هنا ليست إلا "مادة إعلانية" مجانية، ووسيلة ذكية للتهرب من الرقابة، أو للحصول على تسهيلات وتصفيقٍ حار، بينما المواطن في معادلتهم ليس شريكاً في بناء الوطن، بل هو "مستهلك مستهدف" تم التلاعب بعاطفته النبيلة ليقوم بالدفع وهو يبتسم.
​الشعب الأردني.. وعيٌ كشف المستور!
​لكن غاب عن بال هؤلاء التجار أمرٌ غاية في الأهمية؛ فالأردن اليوم ليس كأمس، وعهد الاستغفال قد ولى إلى غير رجعة. إن الشعب الأردني اليوم — بكبيره وصغيره، بشبابه وشيبه، وبمختلف أطيافه — أصبح شعباً مثقّفاً، واعياً، وقارئاً ممتازاً لما بين السطور.
​الصغير قبل الكبير بات يميّز بين من يقدّم دمّه وعرقه فداءً للوطن، وبين من يتخذ من الوطن "شماعة" لتعليق طموحاته المالية وتسمين حساباته البنكية. المواطن الأردني الذي يعيش تفاصيل الواقع، يمتلك اليوم "راداراً" دقيقاً يكشف زيف الشعارات في أول جولة؛ يعلم تماماً متى يكون الحديث نابعاً من قلبٍ صادق، ومتى يكون مجرد "ديباجة تسويقية" مدفوعة الأجر لتمرير صفقة أو تلميع صورة مسؤول أو مستثمر. لقد سقطت الأقنعة النادبة أمام وعي شعبٍ لا تنطلي عليه مسرحيات "الوطنية الاستثمارية".
​الوطنية الحقة لا تحتاج إلى فواتير ضريبية!
​إن من يُحب هذا الوطن حقاً، يبني فيه بصمت. المتقاعد العسكري الذي أمضى عمره في الخنادق يحرس الحدود، والمعلم الذي يربّي الأجيال، والعامل الذي يعرق تحت أشعة الشمس، هؤلاء لا يملكون شركات كبرى ولا يتبجحون بالوطنية، لأنهم هم الوطن.
​أما أولئك الذين يقبعون في "أبراجهم العاجية"، ويحسبون حب الأرض بالدينار والدولار ونسب الأرباح، فنقول لهم: كفى!
​رسالة واضحة:
التجارة شطارة، والربح حق مشروع لكل مستثمر، لكن إياكم ومزج التجارة بالوطنية. لا تستغلوا طهر هذه المفاهيم، فعواطف هذا الشعب الواعي والذكي ليست وقوداً لقطار أرباحكم السريع، والوطن أغلى من أن يكون "ماركة مسجلة" في أسواقكم.
​من يريد السير في ركاب الوطن، فليقدم له دون منّة، وليعلم أن صندوق الوطن يتسع للقلوب المخلصة، أما صناديقكم الفاخرة.. فلن تأخذ معكم سوى أرقامٍ زائلة.
حفظ الله الاردن والهاشمين
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم