سرايا - صدر حديثًا للناقد والأكاديمي الدكتور إبراهيم خليل كتاب «مآثر الأقلام من الأردن أرض الوئام»، الذي يضم دراسات ومقالات وشهادات كتبها على مدى أكثر من خمسة عقود عن نخبة من المبدعين الأردنيين. وفي هذا الحوار يتحدث خليل عن دوافع إصدار الكتاب، وأبرز الأسماء التي تناولها، وعلاقته بكتابه السابق عن أعلام الأدب الفلسطيني، كما يتوقف عند القواسم المشتركة التي تجمع الإبداع في الأردن وفلسطين، مؤكدًا أن الأدب العربي يبقى فضاءً واحدًا تتوحد فيه اللغة والرؤى والهموم الإنسانية.
* ما الدوافع التي دفعت بكم لتأليف كتاب مآثر الأقلام من الأردن أرض الوئام ونشره؟
- الدوافع متعددة ومتشابكة لكن أبرزها بموجز القول، ومختصر الحديث، هو جمع المفترق، وتوليف المتسق. فقد كتبت من سنوات طويلة، وعبر تجربة تربو على 50 عامًا، الكثير من المقالات والدراسات، بعضها نشر في صحفٍ، وبعضها في مجلاتٍ، وبعضها في كتب. تناولت فيها أعمالا أدبية لروكس العزيزي ومصطفى وهبي التل (عرار) وعبد المنعم الرفاعي، وعبد الحليم عباس، وحسني فريز، وخالد الساكت، وواصف الصليبي، ونايف أبو عبيد، ومحمود المطلق، وبعقوب العودات، ومحمود الروسان، وتيسير ظبيان، وحبيب الزيودي، وخالد محادين، وفايز محمود، وغيرهم.. وقد أكتشفت أن تلك المقالات والدراسات أصبحت مبعثرة، وشبه مفقودة، ولو أراد أحدهم الاطلاع على بعضها لبذل الكثير الجم من الوقت دون أن يظفر ببغيته، ويحظى بأمله. لذا فكرت في استدراك ما فات قبل فوات الأوان، فحاولت أستخراج ما جرى نشره متفرقا من بريدي الإلكتروني الذي بدأت باستخدامه من العام 2004 وأعدت فيها النظر، من تدقيقٍ وتحقيق، ومن تنقيح وتصحيح.. ورتبت ما في الكتاب على أحرف المعجم بأسماء المؤلفين، وهذا ييسر على المطلع الوقوف على أي المقالات أراد، وأيها استضاف واستزاد .
بيد أن المقالات والدراسات التي نشرتُها قبيل عام 2004 لا توجد في الكتاب، ولكنها قد تكون في بعض المجلات، او الصحف اليومية، وبعض الكتب المنشورة، سواء أكانت من كتبي، أم من كتب شارك فيها مؤلفون آخرون. وقد أضفت لكل دراسة أو شهادة أو مقال تعريفا موجزا بالأديب ذي العلاقة، فيُذْكرُ في نهايته موجز عن نشأته، ودراسته، وبعض مؤلفاته، وقد تتضمن الإشارة ذكْرَ مراجع اهتمت به، أو مقابلة معه في إحدى الصحف.
* جاء في مقدمة الكتاب أن الدراسات تناولت نيفا و50 كاتبا مبدعا بين شاعر وقاص وروائي وناقد باحث، فمن هم أبرز الذين جرى تناولهم فيه؟
- بما أن الكتاب معجم شبه موسوعي لما كتبته ونشرته عن الأدباء الأردنيين في ربع قرن، فقد انتفت الحاجة للتفريق بين الشاعر والقاص والروائي، مع أن بعضهم قد يكون قاصا وروائيا، كمفلح العدوان أو هند أبو الشعر أوعثمان مشاورة، أوعماد مدانات، وعدي مدانات. وقد يكون شاعرًا وروائيا كأمجد ناصر وتيسير سبول. فمن شعراء الجيل المتقدم عرار وعيسى الناعوري وفايز صياغ ونايف أبو عبيد وأمجد ناصر وإدوارد عويس وعلي الفزاع العواملة أحد الإذاعيين وسرحان النمري وهو شاعر أردني في المهجر وعمر أبو سالم الذي توفي من عامين وابراهيم العجلوني وزياد صلاح، ومحمد مقدادي. ولعلي الوحيد الذي كتب عن منى السعودي التي جمعت في التعبير الجمالي بين النحت في الحجر، والنحت في رخام اللغة، في ديوانها محيط الحلم. علاوة أنني انفردت في الكتاب بتناول ديوان في قصيدة واحدة لأمجد ناصر، وأعني به (مرتقى الأنفاس) الصادر عن دار النهار ببيروت1991. وهي أكثر الدراسات طولا في الكتاب.
أما كتاب القصة والرواية فهم كثر نكتفي بالإشارة لجمال أبو حمدان وزياد محافظة وطاهر العدوان وعصام سليمان الموسى وغالب هلسا وعماد مدانات وعدي مدانات وكلاهما قاص وروائي. ومن الكاتبات هند أبو الشعر، وفادية الفقير، وهيا صالح، وابتسام الحسبان، وهي تجمع بين الرواية والقصة القصيرة. وهدى أبو غنيمة، ولم يفتنا الالتفات للنقاد كيوسف بكار، ونبيل حداد، ونايف العجلوني، وناصر الدين الأسد، وهو أولهم وشيخهم.
* سبق لك أن نشرت كتابا مشابها عن أعلام الأدب في فلسطين، ما الصلة بين الكتابين.
- بعد صدور مآثر الأعلام في فلسطين أرض السلام أعجب به بعض المحبين، فنصح لي أن اتبعه بكتاب على النسق ذاته يجمع بين المبدعين والنقاد في نسق سِمَتُه الاتساق، والحرص على الدراسات وصيانتها من التشتت والضياع، واستيعاب المستطاع مما كتبته عن مبدعي الأردن. فأحببت هذه الفكرة التي كانت أساسا من هواجسي عند تأليفي الكتاب السابق. فليس سهلا الفصل بين مبدعي الأردن وفلسطين. وحتى هذا التصنيف في رأيي تصنيف خاطئ، لأن الهوية الأدبية، والإبداعية، لا تستمد إلا من لغة المبدع، وجماليات التكوين الأدبي، والفني، والأدب العربي بصرف النظر عن الأقطار، وتنوع الأمْصار، أدبٌ واحد يتنفس من رئة واحدة، هي اللغة. فها هو أحمد شوقي يقول بلغة لا تختلف عن لغة الشعراء العرب في قديمهم والحديث:
كان شعري الغناءَ في فرح الشرْقِ وكان العــــزاءَ في أحــزانـــِـهْ
ولو دققنا في شخصية أحمد شوقي لوجدناها من أصول اختلطت فيها الأعراق، والأجناس، ولكن هذا البيت لا يمكن أن ينسب لأي أدب إبداعي غير العربي، الذي هو واحد على الرغم مما فيه من تنوع واختلاف. فهو تنوع واختلاف كالتنوع والاختلاف في خلايا الجسم الواحد. والواقع أن هذين الكتابين في نسقهما يتجاوبان مع الفكرة السائدة عن الأدب في الأردن وفي فلسطين، وأنه وحدة متماسكة شكلا ومضمونا ولا يمكن الفصل بينهما إلا بتجريد الجسم الحي من الروح.
أما الأعلام الذين توقفت عند بعض أعمالهم فمنهم مطلق عبد الخالق وفدوى طوقان وكمال ناصر وعبد الرحيم عمر وفواز عيد ومحمد القيسي وسميح القاسم ومحمود درويش وعز الدين المناصرة وأحمد دحبور وحكمت العتيلي ومريد البرغوثي وأمين شنار، وأحمد أبو عرقوب، وخالد أبو خالد، ومعين بسيسو ومحمد إبراهيم لافي وعمر شبانة، وعبدالله أبو شميس وغيرهم.. ومن المبدعين المتأخرين نضال برقان ومحمد ياسين وغازي المهر ويوسف المحمود وموسى حوامدة و.. وأما كتاب القصة القصيرة والرواية ففي مقدمتهم إميل حبيبي وإسحق موسى الحسيني ونجوى قعوار فرح وخليل السواحري وتغريد قنديل وجمال ناجي، وجمال بنورة، ورشاد أبو شاور، وزياد أبو لبن، وسامية العطعوط، وسلوى البنا، وأماني سليمان، وصالح أبو إصبع، وطالب أبو شرار ، وفاروق وادي، ومحمود شقير، ومن كتاب المسرح والدراما وليد سيف، ومحمود سيف الدين الإيراني. أما النقاد الباحثون فعلى رأسهم إحسان عباس، وجبرا إبراهيم جبرا، وإبراهيم السعافين، ومحمود السمرة، وحسام الخطيب، وأحمد الخطيب، ويوسف اليوسف. ومن المترجمين محمد شاهين. ومن الباحثين الاجتماعيين هشام شرابي، والأدبي محمد حور، ومن اللغويين داود عبده، ومحمود حسني، وعبد الكريم مجاهد.
* ما القواسم المشتركة، والملامح المتشابهة، في الإبداع لدى المجموعتين من المبدعين؟
- سؤال مهم، سأذكر مثالا واحدا يؤكد أن المبدعين عمومًا في الضفتين يستقون من نبع واحد، وينهلون من معين لا ينضب. فرواية تيسير سبول « انت منذ اليوم « ورواية «أوراق عاقر» لسالم النحاس، وهما أردنيان، موضوعهما - إذا قبلنا هذا التصنيف - وموضوع رواية « الكابوس» لأمين شنار، وهو يحسب من فلسطين، موضوع واحد. والناظر في الأعمال الثلاثة يجد تيسيرًا في روايته أقربُ، وسالم النحاس، لفسطين من أمين شنار. لماذا؟ لأن الثلاثة الكتاب حين تناولوا اقلامهم ليكتبوا رواياتهم لم يكن يشغلهم في تلك الساعة شيءٌ إلا الهمّ الفلسطيني. ثم خذ روايتي طاهر العدوان، وهو أردني: وجه الزمان، ثم حائط الصفصاف، كلتاهما تصوران الأوجاع التي ألمت بجراح الضفتين، والأبطال فيهما يعانون مثلما يعاني أبناء فلسطين، وأبناء البلقاء، وعمان، فالمدلول الذي يستخرج من هذه الأمثلة، هو القواسم المشتركة، والملامح المتكررة، في هذا الإبداع. فقد وحَّدَ هذا الهمُّ العرب على رأي الشاعر الذي قال: كلنا في الهمّ شرْقُ.
وفي الشعر نجد أمثلة كثيرة على تكرار المعاني الشعرية لدى كل من عرار، مثلا، وفدوى طوقان، وأبي سلمى، وإبراهيم طوقان، فها هو ينشد في قصيدة له:
يا ربّ إنْ بلفور أنفذَ وعْدَهُ
كم مسلم يبقى، وكم نُصراني
وبكلمة قصيرة، وموجزة، لا يستطيع الدارس أيا كان أن ينفي وحدة الرؤى، وتماثل الأدوات، في أدبنا الذي يطلق عليه، وفق ما تقوله الخطة التدريسية في الجامعات الأردنية : أدب الأردن وفلسطين.
الدستور
الرجاء الانتظار ...
التعليقات