الطراونة يكتب: المواطن الأردني شريكٌ لا يُوبَّخ

منذ 2 يوم
المشاهدات : 74804
الطراونة يكتب: المواطن الأردني شريكٌ لا يُوبَّخ

عبدالله الطراونة

الأصل في الخطاب الحكومي الموجَّه للمواطن الأردني أن يقوم على الاحترام المتبادل، وأن يحافظ على وقار المؤسسة الرسمية ورصانتها. ومن هذا المنطلق، فإن السقطة الاتصالية التي وقعت فيها وزارة البيئة عبر اللجوء إلى لغة التوبيخ المباشر واستخدام عبارات انفعالية من قبيل "استحوا"، تمثل خروجًا غير موفق عن الأعراف المهنية التي ينبغي أن تحكم الخطاب الرسمي.

ولعل ما يجعل هذه الواقعة أكثر استغرابًا أن الخطاب الرسمي الأردني، على امتداد عقود، عُرف برصانته واتزانه وحرصه على مخاطبة المواطن بلغة مسؤولة تعكس الاحترام المتبادل، وهو ما اعتدناه من مؤسساتنا الوطنية التي لطالما حافظت على مستوى مهني يليق بالدولة الأردنية ومكانة مواطنيها. كما أن الأردن يزخر بخبرات إعلامية وصحفية واتصالية رفيعة المستوى، أثبتت على الدوام قدرتها على صياغة الرسائل المؤسسية وإدارة الحملات الإعلامية بكفاءة واقتدار، بما يعكس صورة الدولة وهيبتها ويحقق أهداف الرسالة دون إخلال بمقتضيات المهنية والاحترام. ومن يكتب ويدير هذه الرسائل الاتصالية هم في نهاية المطاف أبناء هذا المجتمع، ومن نسيجه الوطني، يعرفون طبيعة العلاقة التي تربط المؤسسة الرسمية بالمواطن، ويدركون أن هذه العلاقة قامت دائمًا على الاحترام والشراكة، لا على التوبيخ أو الانفعال. لذلك، فإن هذا الأسلوب بدا نشازًا عن السياق المؤسسي الأردني المألوف، وأقرب إلى اجتهاد غير موفق لا يعكس الإرث الاتصالي الرصين الذي عُرفت به مؤسساتنا الرسمية.

لقد أثبت هذا الأسلوب فشله منذ اللحظة الأولى؛ فبدلًا من أن ينصب اهتمام الرأي العام على السلوك السلبي المتمثل في ترك المخلفات عقب الاحتفالات الوطنية، تحوّل النقاش إلى جدل واسع حول مستوى الخطاب الرسمي وحدوده المهنية. وهكذا فقدت الرسالة التوعوية هدفها الأساسي، وتحولت من دعوة لتصويب السلوك إلى مادة سجالية أضعفت مضمونها ورسالتها.

ولا يقف أثر هذا الخطاب عند حدود الجدل الآني، بل يتجاوز ذلك إلى تكريس سابقة خطيرة في العلاقة الاتصالية بين المؤسسة الرسمية وجمهورها. فحين تستخدم جهة رسمية لغة التوبيخ المباشر، فإنها تشرعن ضمنيًا هذا المستوى من التخاطب، وتمنح الجمهور مبررًا مماثلًا لاستخدام اللغة ذاتها في مخاطبة المؤسسات الرسمية عند أي تقصير أو إخفاق خدمي. وعندها يصبح من الطبيعي أن تواجه الجهات الرسمية مستقبلًا ردودًا قد تصلها من قبيل "استحوا" عند تعثر مشروع، أو غياب خدمة، أو تراجع في مستوى الأداء، بما يفتح الباب أمام انحدار متبادل في الخطاب العام، ويؤسس لحالة من التلاسن المجتمعي والمؤسسي التي تضعف الثقة وتمس هيبة الدولة ومكانة مؤسساتها.

فالخطاب الرسمي ليس مجرد وسيلة تواصل آنية، بل هو نموذج لغوي وسلوكي ينعكس أثره مباشرة على طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، وإن هذا الأسلوب من شأنه أن يغيّر لغة التخاطب المتبادلة بين المؤسسات وجمهورها المستهدف.

إن قوة المؤسسة لا تتجلى في التوبيخ أو الملامة الأخلاقية، بل في قدرتها على إنفاذ القانون، وتطبيق الغرامات الرادعة، واتخاذ إجراءات عملية تمنع المخالفة قبل وقوعها. فحين يُستعاض عن المعالجة المؤسسية بخطاب انفعالي، يبدو الأمر وكأنه محاولة لتعويض قصور الأداء بلغة اللوم.

ولعل الأهم أن أدبيات الاتصال المؤسسي والمدارس الإعلامية الرصينة لا تعرف التوبيخ بوصفه أسلوبًا مهنيًا في مخاطبة الجمهور، إذ تؤكد نظريات الاتصال الحديثة أن الرسائل الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تقوم على الإقناع، واحترام المتلقي، وبناء الثقة، وتقديم الرسالة بلغة مسؤولة ومتزنة. أما الخطاب الانفعالي أو التقريعي، فإنه غالبًا ما يولّد أثرًا عكسيًا، ويستفز المتلقي بدل أن يدفعه إلى مراجعة سلوكه، فيتحول من أداة توعوية إلى سبب إضافي للتوتر والرفض وفقدان التأثير.

كما أن تبرير هذا الخطاب بحجة "الصدمة اللفظية" أو تحميل الأزمة بالكامل لضعف الثقافة البيئية، يتجاهل جانبًا أساسيًا من المسؤولية المؤسسية يتمثل في توفير البنية التحتية الخدمية اللازمة. فالسلوك الحضاري لا ينشأ في فراغ، بل يحتاج إلى بيئة مهيأة تشمل حاويات كافية وسلال نفايات موزعة بشكل مدروس يتناسب مع كثافة التجمعات في المناسبات الوطنية.

إن مطالبة المواطن بالحفاظ على النظافة العامة دون توفير الأدوات والخدمات التي تمكّنه من ذلك تمثل اختلالًا واضحًا في ترتيب المسؤوليات، ولا يمكن تحميل المواطن وحده تبعات مشهد تشترك في صناعته عوامل تنظيمية وخدمية متعددة.

والقضية، في جوهرها، أعمق من مجرد مشهد نفايات عابر؛ فهي تعكس الحاجة إلى مراجعة أشمل لواقع الخدمات العامة في الفضاء الحضري، بما في ذلك النقص الواضح في المرافق الصحية والخدمية الأساسية في العاصمة وبقية المحافظات. فلا يمكن بناء سلوك حضاري مستدام دون بيئة حضرية تتيح للمواطن ممارسة هذا السلوك.

إن تغيير السلوك المجتمعي لا يتحقق بالتوبيخ ولا باللهجة الانفعالية، بل عبر التوعية المدروسة، والقدوة المؤسسية، وتوفير الخدمات أولًا، ثم التطبيق العادل والحازم للقانون ثانيًا.

فالمواطن الأردني شريك في بناء الوطن، وهذه الشراكة لا تُبنى بالتوبيخ أو اللوم، بل بالاحترام المتبادل، وقيام كل طرف بمسؤولياته؛ المواطن بالتزامه، والمؤسسة بأدائها وواجبها الخدمي.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم