الطورة يكتب : البروباغندا .. حين تأتي الأكاذيب على مقاس رغباتنا

منذ 2 يوم
المشاهدات : 43369
الطورة يكتب : البروباغندا ..  حين تأتي الأكاذيب على مقاس رغباتنا
يوسف الطورة

يوسف الطورة

نحن لا نقع في فخ الخديعة لأننا سذج كما نحب أن نتظاهر، بل لأن الخديعة غالباً تأتي مفصلة على مقاس رغباتنا، وتمنحنا الشعور بأننا دائماً على حق.

الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها هي أن العقول لا تغسل رغماً عنها، بل نحن من نفتح لها الأبواب والنوافذ حين تأتي الأكاذيب محملة بما نشتهي سماعه.

فليس كل كاذب عبقرياً، أحياناً يكفيه فقط أن يقول لنا ما يرضي غرورنا، وما يبرر خوفنا، وما يجعلنا نشعر أننا الطرف الأنقى في هذا العالم الملوث.

التوجيه الإعلامي لا يسلب الإرادة بل يمنح الناس مبررات أنيقة ليفعلوا ما كانوا يريدون فعله أصلاً، لكن دون الشعور بالذنب.

ثمة مقولة ارددها دائماً: "البروباغندا ليست سحراً يسلبنا عقولنا، بل هي مجرد عرض تجاري لتفسيرات جاهزة نشتريها لأنها تناسب مقاسات كبريائنا أو مخاوفنا".

فالبروباغندا ليست قناعاً بقدر ما هي بائع ذكي يعرض على الناس تفسيرات جاهزة لمن يعاني هشاشة يقين أو تضخماً في الأنا، حتى يقدم لصاحبه رواية تمنحه شعوراً بالحق المطلق والطمأنينة المؤقتة.

نحن لا نصدق الزيف لذكائه، بل نعتنقه لأنه يمنحنا تفويضاً أخلاقياً لممارسة ما نريد، أو يغذي شعورنا بالتفوق، أو يمنحنا أماناً زائفاً في واقع مضطرب.

مدهش ذلك الشعور بالنشوة حين تقرأ مقالاً يؤكد أفكارك بالكامل، تشعر وكأن الحقيقة نفسها خرجت لتصفق لك شخصياً، بينما ما يحدث في الواقع ليس انتصاراً للحقيقة، بل مجرد جرعة مخدر موضعي يفرزها العقل كي لا يضطر لتحمل ألم الشك أو مرارة المراجعة.

نحن لا نحب الحقيقة كما ندعي، نحن نحب النسخة من الحقيقة التي تجعلنا نبدو أذكى، أنبل، وأكثر ضحية من الآخرين، ولهذا يصبح الاعتراف بالخطأ أمراً مرعباً، ليس لأن الأدلة ناقصة، بل لأن عبارة "لقد كنت مخطئاً" قد تهدم شخصية كاملة بنيناها فوق تصورات هشة لكنها مريحة.

لهذا فإن الرسائل التي تحاصرنا لا تحاول دائماً تغييرنا، بل تثبيتنا على ما نحب أن نكون عليه، إنها لا تصنع ما في داخلنا، بل تمنحه مبرراً للظهور تحت أسماء تبدو نبيلة.

التحرر لا يبدأ باتهام الآخرين بالتضليل، بل يبدأ بسؤال صريح نوجهه لأنفسنا، ما الذي كنت أبحث عنه حين قررت تصديق هذه الفكرة؟.

ولهذا فإن أخطر أنواع التضليل ليس ما يفرض علينا، بل ما نتبناه نحن وندافع عنه بحماس، لأنه يشبهنا أكثر مما يشبه الحقيقة نفسها.

يقيناً المعركة الحقيقية ليست خارجنا بل داخلنا، بين راحة الطمأنينة ومسؤولية التفكير الحر.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم