ابو رخية يكتب : معان… ذاكرة الأردن التي لا تجف

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 27857
ابو رخية يكتب : معان… ذاكرة الأردن التي لا تجف

سرايا -  بقلم : المهندس فراس ابورخيه- ليست معان مدينةً تُعرَّف بموقعها على الخريطة، ولا تُختصر بمسافةٍ جنوبيةٍ تفصلها عن العاصمة؛ إنها مدينةٌ تُقرأ كما تُقرأ النصوص العميقة: طبقةً بعد طبقة، وذاكرةً بعد ذاكرة، وحكايةً بعد حكاية. في معان لا يقف التاريخ خلف الناس، بل يمشي بينهم؛ في السبيل، وفي السكة، وفي السوق القديم، وفي بيوت الطين، وفي البساتين التي قاومت الجفاف بالخضرة، وفي السحجة التي ما زالت تمنح الفرح هيبته القديمة.
معان مدينة البدايات، وعتبة الجنوب، وواحدة من تلك المدن التي لا تصنع حضورها بالصخب، بل بالرسوخ. لها في الوجدان الأردني مكانة خاصة، فهي قريبة من لحظة التأسيس، ومن ذاكرة الدولة الأولى، ومن ذلك الزمن الذي كان فيه الحلم الأردني يتشكّل على مهل. وما يزال قصر الملك عبدالله المؤسس في معان شاهدًا على هذه الرمزية، لا بوصفه بناءً تاريخيًا فحسب، بل بوصفه علامة على أن المدينة كانت حاضرة في فصلٍ عميق من فصول الوطن.
وفي قلب هذه الذاكرة يقف سبيل معان، كأنه المعنى المكثّف للمدينة كلها. فالسبيل ليس مائدةً تُمدّ في موسمٍ ثم تُطوى، وليس ماءً يُقدَّم لعابرٍ ثم يُنسى؛ إنه فلسفة مدينة، ووجهٌ من وجوه أخلاقها. في السبيل يتحوّل الكرم من فعلٍ فردي إلى هوية جماعية، ويتحوّل إطعام الناس إلى لغةٍ اجتماعيةٍ رفيعة تقول إن الإنسان لا يكتمل إلا بما يقدّمه لغيره. هناك، في سبيل معان، لا يكون الزاد مجرد طعام، بل رسالة محبة، ولا يكون الماء مجرد ارتواء، بل عهدًا قديمًا بين المدينة وأخلاقها.
سبيل معان هو صورة المدينة حين تفتح قلبها قبل بابها. هو امتداد لمجالس الآباء والأجداد، حيث كان الضيف يدخل عزيزًا، ويخرج محمولًا بالدعاء والذكر الطيب. ومن هذا السبيل نفهم أن الكرم في معان ليس مناسبةً عابرة، بل عادةٌ متجذرة في الوجدان، وأن خدمة الناس ليست عبئًا، بل رفعة ومروءة وشرف.
ثم تمضي الذاكرة إلى سكة حديد معان، تلك التي لا ينبغي أن تُرى كخطٍّ من الحديد فحسب، بل كأثرٍ عميقٍ في ذاكرة الوطن. سكة حديد معان جزء من حكاية خط حديد الحجاز، ومن حضور العهد العثماني في المكان، ومن طبقات التاريخ التي مرّت على المدينة وتركت فيها بصمتها. غير أن قيمتها الأعمق ليست في الحديد وحده، بل في الرمز؛ فهي شاهد صامت على مكانة معان، وعلى حضورها في المراحل التي صنعت ملامح المنطقة والوطن.
محطة معان القديمة، بحجرها وهيبتها، تشبه كتابًا مفتوحًا على زمنٍ لم يغب تمامًا. في صمتها ما يكفي من الكلام، وفي مبانيها القديمة ما يكفي من الدلالة. إنها لا تستدعي الماضي بوصفه حنينًا فقط، بل بوصفه جزءًا من شخصية المدينة. فمعان لا تحمل التاريخ على كتفيها كعبء، بل تحمله كوقار.
وفي قلب المدينة ينبض سوق البدو القديم، ذلك السوق الذي يشبه الذاكرة حين تتحول إلى مكان. ليس سوقًا بالمعنى التجاري الضيق، بل فضاء اجتماعي وثقافي، ومسرح صغير لحياةٍ واسعة. هناك تتداخل رائحة القهوة والبهارات والحناء مع أصوات السلام والسؤال عن الأحوال، وتظهر أدوات البادية ومستلزماتها كأنها شواهد حيّة على علاقة معان بالبادية والناس والتراث.
في سوق البدو ترى المهابيش والمناقل وقرب الماء وبيوت الشعر والسمن والجميد وصاج الشراك، لكنك لا ترى الأشياء وحدها؛ ترى ما خلفها من حياة. ترى البادية وهي تدخل المدينة دون أن تفقد روحها، وترى المدينة وهي تحتضن البادية دون أن تتخلى عن طابعها. السوق القديم في معان ليس مكانًا للبيع والشراء فقط، بل ذاكرة لقاء، ومكان صلح، ومساحة ودّ، ومخزن حكاياتٍ عن رجالٍ ونساءٍ وبيوتٍ ومجالسٍ وطرقٍ قديمة.
أما بساتين معان القديمة، فهي الوجه الأكثر رقة في مدينةٍ يظنها البعيد قاسية. هناك تتكشف معان على نحوٍ آخر؛ مدينة تعرف الصبر، لكنها تعرف الخضرة أيضًا. في بساتين الشامية والحجازية، وبين أشجار الرمان والتين والزيتون، يظهر الإنسان المعاني في علاقته العميقة بالأرض. تلك البساتين لم تكن مجرد مساحات مزروعة، بل كانت ذاكرة عائلات، ومتنفسًا للروح، ومشهدًا من مشاهد الانتصار الهادئ على قسوة المكان.
البستان في معان كان بيتًا آخر؛ له باب خشبي، وممرات ضيقة، وبئر نزّاز يجمع الماء بصبر، وظلال تليق بالراحة والسكينة. وفي تلك التفاصيل الصغيرة يكمن جمال معان: في قدرتها على أن تجعل من القليل كثيرًا، ومن الماء المحدود حياة، ومن الشجرة حكاية، ومن الأرض الصعبة وطنًا أليفًا. هكذا تبدو البساتين القديمة كأنها قصيدة خضراء مكتوبة في هامش الصحراء.
ولا تكتمل هذه السردية دون بيوت الطين، تلك البيوت التي بقيت حاضرة في الوجدان حتى حين غابت بعض ملامحها عن العين. بيوت الطين في معان ليست عمارةً قديمة فحسب؛ إنها ذاكرة أخلاقية واجتماعية. جدرانها من تراب، لكنها حملت ما هو أثمن من الحجر: ستر العائلة، ودفء المجلس، ووصايا الجدّات، وحكايات الآباء، ورائحة الخبز، وصوت القهوة وهي تُدار في بيتٍ مفتوح.
في تلك البيوت تعلّم الناس معنى الجوار، وحفظ العهد، واحترام الكبير، وكرامة الضيف. كان البيت الطيني صغيرًا في مساحته، لكنه كبيرٌ بأهله. وكانت الأبواب، رغم بساطتها، أوسع من كثيرٍ من القصور؛ لأنها كانت تُفتح بالمحبة لا بالمظاهر. ومن هنا بقيت بيوت الطين في ذاكرة معان رمزًا للبساطة النبيلة، ولزمنٍ كان الفقر فيه لا يلغي الكرامة، وكانت القلة لا تمنع الكرم.
وأهل معان هم سرّ هذا كله. فالمدن لا تكتسب معناها من الحجر وحده، بل من الوجوه التي تسكنها، ومن الأيدي التي تبنيها، ومن القلوب التي تمنحها روحها. أهل معان طيبون بطبعهم، أوفياء لذاكرتهم، كرماء دون تكلّف، وأصحاب نخوة لا تحتاج إلى إعلان. فيهم شيء من صبر الصحراء، وشيء من رقة البساتين، وشيء من هيبة السكة، وشيء من انفتاح السبيل.
ولمعان مائدة لا تقلّ بلاغة عن تاريخها. فالأطباق الشعبية فيها ليست طعامًا فقط، بل ذاكرة مذاق. المجللة بما فيها من خصوصية ودفء، والرز الحامض بما يحمله من نكهة مألوفة في البيوت، والبخاري الذي يجمع الناس حول السفرة، والهريسة التي ترافق الفرح والمناسبات، وكعك معان الذي يختصر رائحة الأعياد وحنين الأمهات والجدات. في طعام معان تظهر فلسفة الكرم مرة أخرى: أن المائدة ليست للامتلاء وحده، بل للألفة.
وحين تفرح معان، فإنها لا تفرح بصمت. يعلو صوتها في السحجة المعانية، ذلك الإرث الذي ما زال حاضرًا، لا كاستعراضٍ شعبي، بل كطقسٍ من طقوس الانتماء. السحجة في معان ليست حركة صفوفٍ وكلماتٍ موزونة فحسب؛ إنها ذاكرة جماعية تؤدي نفسها أمام الحاضر. فيها يعود الآباء بأصوات الأبناء، ويمشي الماضي في ساحات اليوم، وتستعيد المدينة شيئًا من هيبتها القديمة.
السحجة المعانية تمنح الفرح وقارًا، وتحوّل المناسبة إلى إعلان انتماء. هي صوت الجماعة حين تتماسك، وصورة التراث حين يبقى حيًا، وبرهان أن معان لا تحفظ ماضيها في الكتب فقط، بل في الجسد والصوت والخطوة والكلمة.
وهكذا تبدو معان في سرديتها الأجمل: مدينة الماء والحديد والطين والكرم. سبيلها يروي معنى العطاء، وسكتها تحفظ ذاكرة الوطن، وسوق بدوها يصون الحكايات، وبساتينها تكتب الخضرة في قلب الصبر، وبيوت طينها تحفظ دفء الوجدان، وسحجتها تمنح التراث صوتًا لا يشيخ.
معان ليست ماضيًا يُزار، بل ذاكرةٌ تُعاش. ليست مدينةً تقف خلف الزمن، بل مدينةٌ تمشي معه وهي تحمل أصلها في يدها. فيها من العهد العثماني أثر، ومن الدولة الأردنية الأولى رمزية، ومن الجنوب هيبة، ومن الناس طيب، ومن البيوت حنين، ومن السوق حياة، ومن السبيل كرم، ومن السكة وقار.
سلامٌ على معان؛ على سبيلها حين يصير الكرم هوية، وعلى سكتها حين يصير الحديد ذاكرة، وعلى سوقها حين تصير الحكايات تجارةً للروح لا للبضائع فقط، وعلى بساتينها حين تصير الخضرة شهادة صبر، وعلى بيوت طينها حين يصير التراب وطنًا، وعلى أهلها حين يصير الطيب ميراثًا لا ينقطع.
سلامٌ على مدينةٍ بقيت في قلب الأردن مثل أصلٍ لا يُنسى، ومثل جذرٍ عميقٍ يعرف أن الشجرة لا تعلو إلا بقدر ما تحفظ أرضها.
معان… سردية الماء والحديد والطين والكرم

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم