د. دانييلا القرعان تكتب: بين البنزين والبدائل… من يملك القرار؟

منذ 2 يوم
المشاهدات : 21503
د. دانييلا القرعان تكتب: بين البنزين والبدائل… من يملك القرار؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

لم تعد مسألة ارتفاع أسعار المحروقات في الأردن مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحولت إلى همّ يومي يثقل كاهل المواطن، خصوصًا أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة، الذين وجدوا أنفسهم أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في تحمّل الكلفة المتزايدة، أو إعادة ترتيب حياتهم بالكامل بما يتناسب مع واقع جديد لم يختاروه.

السيارة في الأردن لم تعد رفاهية كما قد يُظن، بل ضرورة فرضتها طبيعة الحياة اليومية، من عمل وتعليم وقضاء احتياجات أساسية، في ظل غياب منظومة نقل عام متكاملة وفعّالة. ولذلك، فإن أي ارتفاع في أسعار المحروقات لا ينعكس فقط على كلفة التنقل، بل يمتد ليؤثر على مجمل الحياة الاقتصادية للأسرة.

في هذا السياق، كان بإمكان الدولة – كما يرى كثيرون – امتصاص جزء من هذا الارتفاع عبر تخفيض الضرائب المفروضة على البنزين، إلا أنها اختارت الإبقاء على هيكلها الضريبي، مبررة ذلك بارتفاع الأسعار عالميًا. وهنا يبدأ الشعور العام بأن المواطن هو الحلقة الأضعف في المعادلة، وأن كلفة التكيّف تُلقى عليه وحده. لكن، بعيداً عن جدل المسؤولية، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: ما البدائل الواقعية أمام المواطن؟

أول هذه البدائل هو إعادة التفكير في نمط الاستخدام، من خلال تقليل الرحلات غير الضرورية، وتنظيم التنقل اليومي بشكل أكثر كفاءة. كما يمكن اللجوء إلى مشاركة المركبات بين الزملاء أو الجيران، وهو حل بسيط لكنه فعّال في تقليل الكلفة.

ثانياً، يبرز خيار التحول إلى وسائل نقل أقل كلفة، مثل المركبات الهجينة أو الكهربائية، رغم أن هذا الخيار ما زال مكلفاً في بدايته، إلا أنه على المدى الطويل قد يشكل حلاً اقتصادياً أفضل. كذلك، يمكن الاعتماد – حيثما أمكن – على وسائل النقل المتاحة، حتى وإن كانت محدودة، كجزء من محاولة التكيّف المرحلي.

ثالثًا، يمكن للمجتمع نفسه أن يلعب دوراً أكبر، من خلال تشجيع مبادرات النقل الجماعي المنظم، سواء عبر الشركات أو حتى المبادرات المحلية، بما يخفف العبء عن الأفراد.

أما على مستوى أعمق، فالمشكلة تعيد طرح سؤال العلاقة بين المواطن والدولة: هل هي علاقة شراكة في تحمّل الأعباء، أم علاقة يتحمّل فيها طرف واحد الكلفة؟ وهل يمكن بناء ثقة حقيقية دون شعور المواطن بأن صوته مسموع وهمّه مُقدّر؟

في النهاية، لا يبدو أن الحل يكمن في “مقاطعة البنزين” أو الاستسلام للأمر الواقع، بل في البحث عن توازن: مواطن يرشّد ويبتكر في إدارة حياته، ودولة تعيد النظر في أدواتها بما يحقق العدالة ويخفف الأثر، وقد لا يملك المواطن تغيير الأسعار، لكنه يملك أن يعيد تشكيل سلوكه، وقد لا تتخلى الدولة عن إيراداتها بسهولة، لكنها مطالبة بأن تثبت أن المواطن ليس مجرد رقم في معادلة، بل شريك في وطن، وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأهم:
أن الأزمات لا تُقاس فقط بحدّتها، بل بقدرتنا على مواجهتها بعقلٍ لا ينكسر، وبخياراتٍ لا تُقصي أحداً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم