ما حدث في الجامعة الأردنية كشف أزمة أعمق من مجرد خلاف طلابي عابر
أعادت المشاجرة التي شهدتها الجامعة الأردنية خلال الأيام الماضية ملف العنف الجامعي إلى واجهة النقاش العام في الأردن، بعد موجة واسعة من التفاعل عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وسط حالة من القلق الشعبي من تكرار هذه الظاهرة داخل مؤسسات يُفترض أن تمثل بيئة للعلم والثقافة وصناعة المستقبل.
ورغم أن تفاصيل الحادثة بحد ذاتها قد تنتهي مع الوقت، إلا أن ما كشفته من احتقان واستقطاب وردود فعل متشنجة يؤكد أن القضية أعمق بكثير من مجرد خلاف طلابي عابر، وأن المجتمع بات أمام ظاهرة تتطلب معالجة وطنية شاملة لا تقتصر على الحلول الأمنية أو العقوبات التأديبية فقط.
وللأسف، فإن حوادث العنف الجامعي لم تعد استثناءً طارئاً أو حادثة معزولة، بل تكررت خلال السنوات الماضية في أكثر من جامعة أردنية، ما يؤكد أن المشكلة لم تعد مرتبطة بأشخاص أو أحداث محددة، بل أصبحت تعكس خللاً مجتمعياً وثقافياً وتربوياً يحتاج إلى مراجعة حقيقية ومسؤولة.
المؤلم في المشهد ليس وقوع مشاجرة داخل حرم جامعي فحسب، وإنما طبيعة الخطاب الذي رافقها على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث برزت لغة الاصطفاف والعصبية والانتصار للهويات الفرعية، وكأن بعض الطلبة لم يدخلوا الجامعة باعتبارها مساحة وطنية جامعة، بل امتداداً للخلافات والانقسامات الاجتماعية الموجودة خارج أسوارها.
لقد وُجدت الجامعات لتكون منابر للحوار والانفتاح والتنافس العلمي والحضاري، لا ساحات لإثبات النفوذ أو استعراض القوة أو تصفية الحسابات. لكن تكرار هذه الحوادث يشير بوضوح إلى وجود خلل تربوي وثقافي واجتماعي يتجاوز حدود الجامعة نفسها.
ولا يمكن تحميل الطلبة وحدهم مسؤولية ما يحدث؛ فالمشكلة ترتبط بمنظومة متكاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة، مروراً بالخطاب المجتمعي والإعلامي، وصولاً إلى ضعف البرامج التوعوية والثقافية داخل الجامعات، إضافة إلى التأثير السلبي لبعض منصات التواصل الاجتماعي التي تسهم أحياناً في تأجيج المشاعر ونشر ثقافة “الفزعة” والتجييش الجماعي.
كما أن تراجع دور بعض المؤسسات التربوية والثقافية في بناء الشخصية الوطنية الجامعة، مقابل تصاعد الخطابات الضيقة والانقسامات الاجتماعية، ساهم في خلق بيئات أكثر هشاشة أمام التوتر والعنف، خصوصاً بين فئة الشباب، وهو ما يستدعي إعادة الاعتبار لدور التربية الوطنية والقيم الجامعة داخل المؤسسات التعليمية.
ولا يمكن إغفال أن غياب الردع الحاسم في بعض الحالات، ووجود تدخلات وضغوط اجتماعية لتخفيف العقوبات أو احتواء القضايا بعيداً عن المساءلة الحقيقية، ساهما في ترسيخ قناعة خطيرة لدى البعض بأن نتائج العنف يمكن تجاوزها بسهولة، وهو ما يضعف هيبة القانون ويشجع على تكرار السلوك ذاته.
ومن الواضح أيضاً أن الأجواء الانتخابية الطلابية في بعض الجامعات أصبحت تُستغل أحياناً بطريقة خاطئة تؤدي إلى الاستقطاب والتوتر، بدلاً من أن تكون مساحة ديمقراطية لتدريب الشباب على الحوار والمنافسة الحضارية وقبول الاختلاف.
وقد أصبح من الضروري أن تتحول الجامعات من مجرد مؤسسات تعليمية إلى بيئات حقيقية لبناء الشخصية الوطنية، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح واحترام الاختلاف، من خلال تطوير الأنشطة الطلابية الهادفة، وتفعيل برامج الإرشاد والتوعية، وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون داخل الحرم الجامعي.
إن مواجهة ظاهرة العنف الجامعي تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً يقوم على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وترسيخ ثقافة الحوار واحترام القانون، وتمكين إدارات الجامعات من تطبيق الأنظمة بعدالة وحزم بعيداً عن أي ضغوط أو اعتبارات اجتماعية.
“المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الطلبة، بل بين ثقافة العلم وثقافة العصبية.”
فالأردن الذي يفخر بتاريخه التعليمي ومؤسساته الأكاديمية العريقة لا يستحق أن تتحول جامعاته إلى عناوين للفوضى أو العنف أو الانقسام. والمعركة الحقيقية اليوم ليست بين الطلبة، بل بين ثقافة العلم وثقافة العصبية، وبين دولة القانون ومنطق الفوضى.
ويبقى الأمل بأن تكون هذه الحادثة جرس إنذار يدفع الجميع إلى مراجعة جادة ومسؤولة قبل أن تصبح مثل هذه المشاهد أمراً مألوفاً داخل جامعاتنا، لأن حماية الجامعات ليست مسؤولية إداراتها فقط، بل مسؤولية وطن بأكمله.
فالجامعة التي يُفترض أن تُخرّج قادة المستقبل، لا يجوز أن تتحول إلى ساحة تُهدَر فيها هيبة العلم وهيبة الدولة معاً.
الباشا الحباشنة يكتب: العنف الجامعي في الأردن… أزمة مجتمع لا مجرد مشاجرات طلابية
منذ 2 أسبوع
المشاهدات :
64607
اللواء المتقاعد طارق الحباشنة
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
الأردن اليوم
طبيب أردني يحذر من فيروس صيفي شديد العدوى يهاجم الحلق والعينين .. وهذه أبرز أعراضه
منذ 6 أيام
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
العمارات يكتب: مُعضلة السياحة الأردنية في ظل غياب التخطيط السياحي الاستراتيجي
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
محيلان يكتب: مذيعو الاخبار .. في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
البطاينة يكتب: سمير الرفاعي يؤسس لسابقة سياسية غير معتادة
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
ماهر البطوش يكتب: المشكلة ليست في الموظفين الذين غادروا
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
عبيدات يكتب: هل تكفي زيادة الرواتب لإنعاش الاقتصاد؟
منذ 2 ساعة
أخبار فنية
فن
كاظم الساهر يكشف لأول مرة لقاءه فيروز .. خرجت متأذياً
منذ 21 دقيقة
فن
رحيل الفنان المصري عبد العزيز مخيون
منذ 2 ساعة
فن
أريانا غراندي وإيثان سلاتر ينهيان قصة حب استمرت قرابة ثلاث سنوات بهدوء
منذ 3 ساعات
فن
غياب غيث مروان عن حفل خطوبة شقيقته لمى يثير التساؤلات ويفتح باب التكهنات والشكوك
منذ 3 ساعات
فن
هوية والد سانت ليفانت تشغل مواقع التواصل الاجتماعي بعد ظهوره الأخير .. فمن هو؟
منذ 3 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
مونديال 2026 ينطلق الخميس وسط تحديات غير مسبوقة وطموحات عالمية
منذ 16 دقيقة
رياضة
أبرز المفاجآت التي شهدتها نسخ كأس العالم
منذ 1 ساعة
رياضة
الصومال يأسف لفشل حل أزمة حكمه بالمونديال رغم جهود دبلوماسية
منذ 1 ساعة
رياضة
بعد إعادة انتخاب بيريز .. بيان مهم من بنفيكا بشأن مصير مورينيو
منذ 2 ساعة
رياضة
بينهم عربيان .. أبرز 10 مواهب قد تخطف أنظار كبار أوروبا في المونديال
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
بسبب الحجاب .. محامية فرنسية تقاضي ناشطتين اتهمتاها بـ (أسلمة فرنسا)
منذ 58 دقيقة
منوعات من العالم
مصر .. القبض على طبيبة وهمية تدير إمبراطورية تجميل
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
مصر .. مطالبات بترحيل راقصة تونسية بسبب تصريحات مسيئة
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
اكتشاف نقوش صخرية تحمل اسم عمر بن الخطاب في السعودية
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
سورية توقف استيراد الفروج الحي والصيصان ( بسبب كثافة العرض )
منذ 1 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات