سرايا - أعلنت حكومة الاحتلال الإسرائيلي الأحد قرارات جديدة ترمي لتكريس السيطرة على مدينة القدس وتعزيز مكانتها في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
يأتي ذلك بمناسبة اقتراب الذكرى السنوية لاحتلال إسرائيل للمدينة المقدسة في يونيو/حزيران 1967.
وستترجم هذه القرارات من خلال مشاريع ضخمة، يرى مراقبون أنها تتجاوز الطابع الاحتفالي المرتبط بالمناسبة، لتندرج ضمن مسار سياسي يسعى إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على المدينة المقدسة وتعزيز الطابع السيادي والرمزي فيها.
ويتزامن ذلك مع تصاعد التنافس الحزبي داخل إسرائيل على ملف القدس واستثماره سياسيا في ظل أجواء الاستقطاب الداخلي، وقرب حلول الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وفي الاجتماع الذي عُقد في متحف الكنيست بالقدس، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "إن تعزيز القدس جزء طبيعي من نهضة شعبنا، نحن نستثمر ونبني ونطور القدس.. هذا ما فعلته الحكومات الإسرائيلية، ولكن لم تفعله أي حكومة مثل حكومتنا بحماس ونشاط وزخم، ونحن نفعل ذلك من خلال البناء والتطوير والتراث والسياحة والأمن والابتكار".
القرارات الحكومية التي اتخذت بشأن مدينة القدس في الذكرى الـ59 لاحتلال شرقي المدينة وضمها قسريا تحت السيادة الإسرائيلية كانت كالآتي:
ساحة البراق: قراران بشأن ساحة البراق الملاصقة لجدار المسجد الأقصى الغربي الذي يطلق عليه إسرائيليا اسم "حائط المبكى"، أحدهما لتحسين الاستعداد للطوارئ في عام 2026، والآخر لخطة خمسية جديدة للأعوام 2027-2031، تهدف إلى زيادة عدد زوار الساحة، وتنفيذ أنشطة تعليمية لمختلف فئات المجتمع، بهدف مواصلة تعزيز الموقع.
تُعد الخطة الخمسية استمرارا مباشرا لاستثمارات البناء، والبحث عن الاكتشافات الأثرية، وتطوير البنية التحتية التي نُفذت على مدى الـ15 عاما الماضية، بقيادة مكتب رئيس الوزراء.
مقبرة مأمن الله: ترميم بركة ماميلا في منطقة مقبرة "مأمن الله" الإسلامية غرب البلدة القديمة على اعتبار أنها "موقع تراثي أثري وتاريخي"، وتحويله إلى حديقة حضرية مركزية يسهل الوصول إليها. ونشرت بلدية الاحتلال على موقعها الإلكتروني أن ميزانية المشروع تصل إلى 80 مليون شيكل (نحو 21.6 مليون دولار).
مطار القدس: إقامة مركز تراثي في منطقة مطار القدس الدولي المسماة إسرائيليا "عطروت"، تخليدا لقصة الاستيطان في "موشاف عطروت"، الذي بدأ عام 1912.
و"موشاف عطروت" هو تجمع زراعي يهودي أُقيم شمالي القدس بالقرب من موقع مطار القدس في منطقة قلنديا، ويُعتبر من أوائل التجمعات الاستيطانية في محيط القدس خلال الفترة العثمانية المتأخرة. وسيتناول المركز التهويدي تاريخ الطيران وعمليات عسكرية.
البلدة القديمة: تخطيط وإقامة "مركز وطني" قرب البلدة القديمة، لتوفير مساكن وخدمات لذوي الإعاقة في القدس، ولاستخدامه في حالات الطوارئ للإخلاء الآمن لهذه الفئات.
وكالة الغوث: تخصيص أرض مجمع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح لإقامة متحف لجيش الاحتلال، ومكتب تجنيد، ومكتب لوزير الجيش.
2027: محطة سردية كبرى
وخلال الاجتماع الحكومي تم تشكيل فريق وزاري مشترك لتنظيم فعاليات الذكرى الـ60 لاحتلال القدس وتوحيد شطريها تحت السيادة الإسرائيلية عام 1967، يقوده مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ويضم كلا من وزارة المالية، ووزارتي القدس والتراث، وبلدية الاحتلال.
الجزيرة نت حاورت الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) وليد حبّاس، حول دلالات القرارات الإسرائيلية ودوافعها.
يوضح حباس أن تشكيل الفريق الوزاري يُحوّل عام 2027 إلى "محطة سردية كبرى"، إذ تُستجمع في هذه المحطة كل المشاريع السابقة كـ"إنجازات" تُعرض على الجمهورين الإسرائيلي والدولي، خاصة أن توقيت الخطة الخمسية لحائط البراق (2027-2031) متزامن تماما مع هذه الذكرى، مما يكشف عن تخطيط متعمد لتحقيق "ذروة رمزية".
وعن قراءته لأهداف القرارات المذكورة، قال إنه منذ ضم شرقي القدس إلى إسرائيل عام 1967، وتوسيعها لتصبح العاصمة الموحدة، ومن ثم سن قانون القدس لعام 1981، فإن المدينة تحظى بمكانة أساسية من عمل كل الحكومات الإسرائيلية اليسارية واليمينية، والجميع يسرع التهويد والأسرلة.
إستراتيجية تتجاوز البعد التطويري
وأوضح أنه عند تشكيل حكومة نتنياهو الأخيرة في 29 ديسمبر/كانون الثاني 2022، ورد في المبادئ التأسيسية لعمل الحكومة النص التالي: "ستعمل الحكومة على تعزيز مكانة القدس"، وذلك إلى جانب التأكيد على الحق الحصري للشعب اليهودي في "جميع أنحاء أرض إسرائيل" وتطوير الاستيطان في الجليل والنقب والجولان ويهودا والسامرة.
وفي الاتفاقيات الائتلافية التي بموجبها قبل بتسلئيل سموتريتش الانضمام للحكومة، جاء في البند (156) أن الحكومة "ستركز على إنشاء وتطوير القدس، عاصمة إسرائيل، من خلال البناء على نطاق واسع، وتطوير البنية التحتية، والتوظيف وتخصيص الميزانيات" بينما ورد في البند (157) "ستعمل الحكومة على الحفاظ على السيادة الكاملة وتعزيز الحكم في القدس، بما في ذلك إحباط أنشطة السلطة الفلسطينية في القدس"، وبالتالي تأتي قرارات الحكومة التي نشرت اليوم الاثنين تعزيزا لهذا النهج، وليس استثناء يستدعي تحليله بشكل منفصل، وفق الباحث الفلسطيني.
وعن دلالات التركيز على مشاريع تحمل أبعادا سيادية ورمزية، كتطوير منطقتي حائط البراق ومأمن الله، يشير حبّاس إلى إستراتيجية متكاملة تتجاوز البعد التطويري الظاهري، نحو تثبيت رواية أحادية للسيادة الإسرائيلية على القدس، وإقصاء الرواية الفلسطينية والإسلامية والمسيحية من فضاء المدينة العام.
وإضافة لذلك يؤكد حبّاس أن العبارة الافتتاحية لقرارات الحكومة "تعزيز القدس جزء طبيعي من نهضة شعبنا"، تضع هذه المشاريع ضمن إطار يصور السيطرة على المدينة كاستحقاق طبيعي لا سياسي، وهو ما ينسجم تماما مع البندين (156 و157) من الاتفاق الائتلافي بين الليكود والصهيونية الدينية اللذين يربطان بين "البناء على نطاق واسع" و"إحباط نشاط السلطة الفلسطينية".
وهذا الدمج يحول -وفقا للباحث الفلسطيني- أعمال البنية التحتية والترميم إلى أدوات سيادة بالمعنى الحرفي، إذ يصبح كل حجر يُرمَّم ادعاء سياسيا مضادا للروايات الأخرى.
يذهب الباحث في مركز مدار إلى استقراء دلالات أمنية وسياسية لكل مشروع أعلن عنه:
ساحة البراق: تخصيص قرارين متزامنين لمنطقة ساحة البراق يُظهر أن الموقع لم يعد يُعامَل كمكان عبادة فحسب، بل كـ"موقع تراثي وطني" يستوجب استثمارا مستداما في التنقيب الأثري والأنشطة التعليمية لمختلف فئات المجتمع، وهذا التوصيف يخدم وظيفتين:
ترسيخ مركزية الحائط في المخيلة الإسرائيلية الجمعية عبر "أنشطة تعليمية" موجَّهة، أي تأميم الذاكرة الدينية وتحويلها إلى ذاكرة قومية.
توظيف الحفريات الأثرية لإنتاج "أدلة مادية" تدعم الرواية التوراتية للمكان، في حين تطمس طبقات الوجود الإسلامي والمملوكي والعثماني في محيط المسجد الأقصى.
مقبرة مأمن الله: تحويل موقع مقبرة مأمن الله -الواقعة على تخوم الخط الأخضر وتُمثل أحد أهم المعالم الإسلامية التاريخية- إلى "حديقة حضرية مركزية يسهل الوصول إليها" وموقع تراثي، يمثل نموذجا كلاسيكيا لما يصفه الباحثون بـ"التجميل الاستعماري" الذي يعاد فيه تأهيل الفضاء بصريا مع تجريده من سياقه التاريخي العربي–الإسلامي ودمجه ضمن المشهد السياحي الإسرائيلي.
عطروت: استحضار "موشاف عطروت" في منطقة محاذية لمخيم قلنديا وقرى شمال القدس، وهي منطقة متنازع عليها وتُعد مفتاحية في أي تسوية مستقبلية، يهدف إلى تأسيس سابقة تاريخية يهودية ما قبل 1948 في منطقة شرقي القدس، مما يُفرغ ادعاءات السيادة الفلسطينية من حجتها الزمنية. كما أن ربط الموقع بعملية "عنتيبي" و"بطولات الطيران الإسرائيلي" يدمج الموقع الجغرافي في الميثولوجيا العسكرية للدولة، فيتحول من مطار مدني مهجور إلى نصب قومي حي، ولا ننسى أن شقيق نتنياهو، المفضل لديه، قتل في عملية "عنتيبي".
المركز الطبي: المركز الوطني للفئات السكانية الخاصة في "وادي صهيون" يحمل دلالة رمزية عالية، فيجمع بين الوظيفة الإنسانية المتمثلة بسكن لذوي الإعاقة، والوظيفة الأمنية المتمثلة بمركز إجلاء وطني في الطوارئ. وهذا الدمج يُسبغ على مشروع البنية التحتية شرعية إنسانية تجعل نقده صعبا، بينما يُكرس وجوداً سيادياً دائماً في موقع حساس.
مجمع أونروا: تحويل مجمع أونروا إلى متحف للجيش ومكتب تجنيد ومكتب لوزير الجيش، يحمل دلالة رمزية صارخة تتمثل في إحلال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية محل المؤسسة الأممية التي تجسد الاعتراف الدولي بقضية اللاجئين الفلسطينيين، فهي عملية "محو رمزي مزدوج" تطال أونروا شاهدة النكبة، واللاجئ الفلسطيني الذي ترمز إليه أونروا في آن واحد.
إقرأ ايضاَ
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
سياسة
مقترحات وشروط وردود متبادلة .. أين يتجه مسار التفاوض بين واشنطن وطهران؟
منذ 59 دقيقة
سياسة
اتفاق الطاقة النووية بين أميركا والسعودية لا يتضمن ضوابط صارمة
منذ 1 ساعة
سياسة
كوريا الجنوبية: علينا أن نتخذ قرارنا الخاص بشأن اعتقال نتنياهو
منذ 1 ساعة
سياسة
ارتفاع عدد القتلى بسبب الأمطار الغزيرة في الصين إلى 22
منذ 2 ساعة
أخبار فنية
فن
أحمد العوضي: لا أحد يكسرني وأنا الأكثر مشاهدة رمضان 2027
منذ 14 دقيقة
فن
أحمد حاتم: "الكلام على إيه" معالجة كوميدية مختلفة للعلاقات والزواج
منذ 3 ساعات
فن
وائل كفوري يقلب السوشيال ميديا بتسريبه ثوانٍ من أغنيته الجديدة!
منذ 3 ساعات
فن
بعد أسبوع على رحيله .. رسالة مؤثرة من نجل عبد الرحمن أبو زهرة
منذ 3 ساعات
فن
بلقيس تطرح ألبوم «غل» بـ8 أغنيات
منذ 13 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
المنتخب الوطني يبدأ غدا مرحلة التحضير الأخيرة للمشاركة بكأس العالم
منذ 35 دقيقة
رياضة
ارشيدات مدربا لفريق الكرمل لكرة القدم
منذ 1 ساعة
رياضة
المنتخب الوطني لكرة القدم يبدأ غدا مرحلة التحضير الأخيرة للمشاركة بكأس العالم
منذ 1 ساعة
رياضة
من النهائي إلى الإقصاء .. ناد إنجليزي يسقط بفضيحة تجسس
منذ 2 ساعة
رياضة
أرسنال ينهي اللعنة التاريخية ويتوج بلقب البريميرليغ بعد 22 عاما
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
الصحة العالمية: غياب التمويل يعيق مواجهة "مقاومة مضادات الميكروبات"
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
ولادة أول دجاجة من بيضة اصطناعية .. هل اقتربت عودة الطيور المنقرضة؟
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
علماء: حاسة السمع تختلف بين الجنسين
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
جيش من الموظفين ضحايا الذكاء الاصطناعي في نيوزيلندا
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
النمسا .. قطيع من الأبقار يقتل مسنة ويمزق زوجها
منذ 11 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات