القرعان يكتب: الكاتب بين التقدير والتجاهل… عتبٌ إلى دولة رئيس الوزراء جعفر حسان حول مكانة الكلمة الوطنية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8932
القرعان يكتب: الكاتب بين التقدير والتجاهل… عتبٌ إلى دولة رئيس الوزراء جعفر حسان حول مكانة الكلمة الوطنية
حاتم القرعان

حاتم القرعان

في الأوطان الحقيقية،
لا تكون الثقافة ترفًا يُؤجَّل، ولا يكون الكاتب مجرد اسمٍ يمرّ في زاوية المشهد ثم يُنسى. فالأمم التي تحترم تاريخها تعرف جيدًا أن الحبر الذي يكتب سيرة الوطن لا يقلّ قيمة عن أي جهد يُبذل في ميادين البناء والتنمية، لأن الكلمة الصادقة هي التي تحفظ ذاكرة الدولة من التآكل، وتمنح الأجيال القادمة صورة واضحة عن الطريق الذي سلكه الوطن وسط العواصف.

ومن هذا الإيمان، بدأت رحلتي مع كتابي «على جسر الزمن: الأردن بين رؤية القائد ونهضة الوطن في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين». لم يكن الكتاب بالنسبة لي مشروعًا شخصيًا أو محاولة للظهور، بل كان محاولة صادقة لتوثيق مرحلة مهمة من تاريخ الأردن الحديث، ورصد صورة وطن استطاع أن يحافظ على توازنه وسط إقليمٍ مضطرب، وأن يمضي في طريقه رغم التحديات السياسية والاقتصادية التي أثقلت المنطقة بأسرها.

عملت على هذا الكتاب بجهدٍ طويل، وبحثٍ متواصل، وتحمّلت تكاليف كبيرة لأنني كنت أؤمن أن الكتابة عن الأردن ليست تجارة، بل مسؤولية وطنية وأدبية. فكل صفحة فيه كُتبت بمحبة لهذا الوطن، وبإيمانٍ بأن توثيق مسيرته وقيادته الهاشمية واجب يجب أن يُحفظ للأجيال القادمة.

وخلال لجنة الإشهار التي رافقت إطلاق الكتاب، كان هناك شهود حقيقيون على قيمة هذا العمل وما يحتويه من جهد وتوثيق، وفي مقدمتهم المؤرخ الدكتور بكر خازر المجالي، والمؤرخ الدكتور محمد المناصير، والأستاذ الدكتور ماجد القرعان، الذين تحدّثوا عن أهمية الكتاب وقيمته الوطنية والتوثيقية. كما جاء حفل إشهار الكتاب برعاية كريمة من دولة عبد الرؤوف الروابدة، في مشهدٍ حمل بالنسبة لي رسالة تقدير كبيرة للكلمة الوطنية الصادقة، ورسالة تؤكد أن الثقافة ما زالت قادرة على جمع أصحاب الفكر والتاريخ حول مشروع يخدم ذاكرة الوطن.

لكن المؤلم حقًا أن الكاتب، بعد كل هذا التعب، يشعر أحيانًا أن المؤسسات التي يفترض أن تكون الأقرب إليه، أصبحت الأبعد عن معاناته. فقد تقدّمت بطلب دعم إلى وزارة الثقافة، وأنا أحمل قناعة بأن الوزارة التي تمتلك موازنات مخصصة لدعم الكتب الوطنية ستكون حاضنة لأي عمل يتناول الأردن وملوكه وتاريخه. إلا أن ما حدث كان صادمًا بالنسبة لي، حين اكتفت الوزارة بشراء خمس عشرة نسخة فقط، وحددت سعر النسخة الواحدة بخمسة عشر دينارًا، رغم أن تكلفة النسخة الحقيقية مع الصندوق بلغت خمسةً وخمسين دينارًا.

لم يكن الوجع في قيمة الدعم وحدها، بل في الرسالة التي تصل إلى الكاتب حين يشعر أن تعبه الطويل اختُصر في أرقام لا تعكس حجم الجهد المبذول. فالكاتب لا يحتاج إلى المال فقط، بل يحتاج قبل ذلك إلى شعور حقيقي بأن هناك من يرى تعبه ويحترم رسالته ويقدّر ما يقدمه لوطنه.

ومن هنا، أتوجّه بهذه الكلمات إلى دولة رئيس الوزراء جعفر حسان، وإلى معالي وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، لأنني لا أبحث عن امتياز شخصي، ولا أطلب أكثر من حق الكاتب الأردني في أن يجد دعمًا معنويًا يسبق الدعم المادي. فالكاتب حين يشعر أن دولته تقف إلى جانبه، يصبح أكثر قدرة على العطاء، وأكثر إيمانًا بأن الكلمة ما زالت تملك قيمتها في هذا الزمن.

إن الثقافة يا دولة الرئيس ليست بندًا ثانويًا، بل هي روح الدولة وذاكرتها. والكتاب الذي يوثّق تاريخ الأردن وقيادته لا يجب أن يُعامل كأي منتج عابر، لأنه يحمل بين صفحاته صورة وطن كامل، بكل ما فيه من تعبٍ وإنجازٍ وأمل.

ورغم كل ما أشعر به من عتب، فإن الأردن سيبقى أكبر من الخيبة، وستبقى الكتابة عنه شرفًا لا ينطفئ. لأن الأوطان العظيمة تُبنى بالحجارة والعرق، لكنها تبقى حيّة بالكلمة الصادقة التي تحفظ صورتها في ذاكرة الزمن.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين عهده وولي الأمين .
بقلم : حاتم القرعان
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم