د. دانييلا القرعان يكتب: مجلس التعاون الخليجي بين ضرورات البقاء وتحديات التفعيل

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9762
د. دانييلا القرعان يكتب: مجلس التعاون الخليجي بين ضرورات البقاء وتحديات التفعيل
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، ظلّ هذا الكيان واحداً من أكثر التجارب العربية تماسكاً واستمرارية مقارنة بغيره من مشاريع العمل العربي المشترك، فعلى الرغم من العواصف السياسية والحروب الإقليمية والتحولات الدولية التي عصفت بالمنطقة طوال عقود ماضية بقي المجلس قائماً محافظاً على حدّ أدنى من التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي بين دوله الأعضاء، غير أن السنوات الأخيرة كشفت بوضوح حجم التحديات التي تواجه مستقبل هذا الكيان، خاصة في ظل تباين السياسات الخارجية، وتصاعد التنافس الاقتصادي، واختلاف الأولويات والتحالفات الإقليمية والدولية بين دوله.

لقد أظهرت أزمة مقاطعة الخليج لقطر بين عامي 2017 و2021 هشاشة البيت الخليجي عندما تتغلب الخلافات السياسية على منطق المصالح المشتركة، ورغم أن قمة العلا نجحت في إنهاء الأزمة وإعادة العلاقات، إلا أنها كشفت أيضاً أن المجلس يفتقر إلى آليات مؤسساتية قادرة على احتواء الخلافات قبل انفجارها، كما أكدت أن العلاقات بين الدول الأعضاء ما تزال تُدار بدرجة كبيرة وفق اعتبارات سياسية ظرفية، أكثر من اعتمادها على بنية تكاملية راسخة تشبه ما هو قائم في التجارب الاتحادية الكبرى،
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل حقيقة أن دول الخليج أصبحت أكثر استقلالية في رسم سياساتها الخارجية، فبينما تتجه بعض الدول نحو بناء تحالفات واسعة ومتعددة الاتجاهات مع قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا وتركيا، تحاول دول أخرى الحفاظ على سياسة التوازن والحياد النسبي في ملفات المنطقة، هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود صراع مباشر، لكنه يجعل الوصول إلى سياسة خليجية موحدة أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً في القضايا الحساسة المرتبطة بالأمن الإقليمي والعلاقات الدولية،
إلى جانب ذلك، برز في السنوات الأخيرة نوع جديد من التنافس داخل البيت الخليجي، يتمثل في المنافسة الاقتصادية والتنموية، فكل دولة تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز مالي أو سياحي أو لوجستي أو استثماري في المنطقة، وهو ما خلق سباقاً اقتصادياً واضحاً، خاصة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ورغم أن هذا التنافس قد يكون صحياً في بعض جوانبه، إلا أنه يضعف أحياناً فكرة “السوق الخليجية الموحدة” ويجعل المصالح الوطنية الضيقة تتقدم على مشاريع التكامل الجماعي،
ومع ذلك، فإن الحديث عن تفكك المجلس يبدو بعيداً عن الواقع. فالتحديات الأمنية المحيطة بالخليج، والتقلبات في المواقف الدولية، والتوترات الإقليمية المتصاعدة، كلها عوامل تجعل من استمرار المجلس حاجة استراتيجية لجميع أعضائه، كما أن دول الخليج تدرك أن أي انهيار لهذا الكيان سيضعف قدرتها الجماعية على حماية مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة تعيش حالة دائمة من عدم الاستقرار.

لكن استبقاء المجلس وحده لا يكفي، فالتحدي الحقيقي يكمن في كيفية تفعيله وتحويله من إطار تنسيقي محدود إلى منظومة أكثر حيوية وتأثيراً، وهذا لن يتحقق عبر الشعارات الكبرى أو الدعوات العاطفية للوحدة، بل من خلال التركيز على ملفات عملية تمس مصالح المواطنين والدول بشكل مباشر، فتعزيز التكامل في مجالات الأمن الغذائي، والطاقة، والمياه، والربط الكهربائي، والنقل والسكك الحديدية، والتكنولوجيا، والصناعات العسكرية، يمكن أن يخلق نموذجاً ناجحاً للتعاون التدريجي القائم على المصالح المشتركة. كما أن تطوير آليات مؤسساتية لحل النزاعات بين الدول الأعضاء بات ضرورة ملحة، حتى لا تتحول أي خلافات سياسية أو إعلامية مستقبلاً إلى أزمات تهدد تماسك المجلس بأكمله، فنجاح أي اتحاد أو تكتل إقليمي لا يقاس فقط بقدرته على العمل في أوقات الاستقرار، بل بقدرته على إدارة الخلافات ومنعها من تقويض المشروع المشترك.

وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، يبدو أن مستقبل مجلس التعاون الخليجي لن يتجه نحو نموذج الاتحاد الكامل على غرار الاتحاد الأوروبي، لكنه في الوقت نفسه لن يعود إلى مرحلة الجمود التقليدي، أما الأقرب للواقع فهو أن يتحول المجلس إلى تحالف إقليمي مرن، يقوم على البراغماتية السياسية والتكامل الاقتصادي التدريجي، مع الحفاظ على خصوصية كل دولة وسيادتها. إن قوة مجلس التعاون الخليجي لا تكمن فقط في البيانات الختامية والقمم الدورية، بل في قدرته على بناء شعور حقيقي لدى المواطن الخليجي أن هذا الكيان ينعكس على حياته اليومية أمناً واستقراراً وفرصاً وتنمية، فحين يشعر المواطن بأن المجلس أصبح جزءاً من واقعه لا مجرد عنوان سياسي، عندها فقط يمكن القول إن التجربة الخليجية تجاوزت مرحلة البقاء إلى مرحلة الفاعلية والتأثير.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم