يوسف رجا الرفاعي يكتب: الصدام العسكري الصيني الأمريكي المستحيل

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 16396
يوسف رجا الرفاعي يكتب: الصدام العسكري الصيني الأمريكي المستحيل
يوسف رجا الرفاعي

يوسف رجا الرفاعي

لن يستطيع كل العاشقين والمعجبين بالصين أن يأتوا بدليل أو برهان واحد على ان للصين كلمة في هذه الحرب الدائرة سلبيةً كانت ام ايجابيه لأي طرفٍ من الاطراف ،
إنَّ تَوَقّف هذه الحرب المؤقت لم يكن بسبب الرُعب من الصين او روسيا أو تقديراً واحتراماً لغيرهما،وانما جاء بسبب معطيات الحرب ومتطلباتها القتاليّة مِن تَزَوُّدٍ بانواع من الذخائر والصواريخ الدفاعية والهجومية على حدٍّ سواء وهذا أمر يعرفه العامة والخاصة من الناس اجمعين ،
وليس بخافٍ على احد ان الضغط الاقتصادي الهائل الذي يضرب امريكا حيث اقترب من الخطوط الحمراء التي تَمَسّ المواطن الامريكي بشكل مباشر بما يتعلق بحياته المعيشية الصحية والاقتصادية والمالية تحديداً والتي تعنيه وليس اي شيء آخر، هذان العاملان هما اللذان يفرضان واقعهما على هذه الحرب وليس لاوروبا ولا لغيرها رأي او كلمة يمكن قولها وان قيلت فلا استماع لها ،

العرض العسكري الصيني الضخم الذي أبهر العالم والذي أُقيمَ في 3 سبتمبر 2025 قلتُ في حينه انه
لم يكن عرضاً عسكرياً استعراضياً فارغَ المضمون بل كان بمثابة رسالةٍ شديدةِ الوضوح لكل مراقبٍ للاحداث ،
وقلتُ إن الصين التي لم يكن في سجلها التاريخي الى يومنا هذا أيَّة نوايا او اهداف عسكرية توسعية على الإطلاق ولكن وبما انها بالاصل ومنذ القِدَم هي موطن الحكمة (( كاليمن )) في بلاد العرب ادرَكَتْ بحِكمَتها انها سوف تُجَرُّ الى أتون حربٍ لا مَفرَّ منها فاستَعدَّت لها أيّما استعداد وقد ظهر هذا جليَّاً في عرضها العسكري الاستثنائي وغير المسبوق ،
وإن ما قاله المستشار الصيني في العلاقات الدولية ( Victor Zhikai Gao ) في وقت سابق هو قولٌ غير مسبوق أيضاً ، حيث قال بلهجةٍ مليئةٍ بالتحدي أن الصين لن تُطلِق الرصاصة الاولى ولكنها لن تسمح لك باطلاق الرصاصة الثانيه" الكلام موجَّه لامريكا"
كما ان حديثه عن الصاروخ ٦١ الذي يحمل ستين رأساً نوويا اضافة الى قنبلةٍ هيدروجينيه حيث اكد ان الصين وحدها تمتلك هذه القنبله هو حديث وتهديد غير مسبوق ايضاً ،
أن تتحدى الصين امريكا بهذه اللهجة وبهذه الشفافية وبهذا التهديد الناري وبأنها قادرة على تدميرها حيث قال " آمل ان تكون واشنطن قد تعلمت الدرس " وتابعَ يقول ؛ إذا اردت الحرب فسوف تحصل عليها ، واذا اردتم تدمير الصين بحرب نوويه فسوف يتم القضاء عليكم بحربٍ نووية ،
هذه اللهجة وهذا الكلام امر خارج عن السيطرة .

‏لقد ثبت من واقع مجريات هذه الحرب الدائرة حالياً بما لا يدع مجالا للشك أن قراءة الرسالة لذلك العرض كانت في غير محلها وأنه إنما كان عرضا تجارياً الهدف منه الترويج لتلك الأسلحة النوعية وبيعها للدول المعنية بمثل هذه الأسلحة المتطورة جدا والتي ربما انفرَدَت بها كاسلحة غير تقليدية ، وإلا لو كان الهدف من هذه الأسلحة هو استخدامها صينياً خالصاً لكان من المفترض أنها لا تظهر للعلن ، بل الاصل ان تبقى سِرِّيَّةً تفاجئ بها أعدائها إذا ما اقتضى الأمر ذلك ، ولكن ما أثبتته هذه الحرب أن هذه الأسلحة هي حقيقة للتجارةِ وليست للاستخدام على ارضها .

لقد تم ضرب العصب الرئيسي لها وتم ضرب الشريان الحيوي والعمود الفقري لاقتصادها بعد اغلاق مضيق هرمز بما يُمثِّله من بُعدٍ استراتيجي بالغ الخطورة بالنسبة لها ولم تستطع بل لم تجرؤ على اتخاذ موقف يليق بها كدولة عظمى ، وإن القول انها ما زالت تأخذ نفطها من ايران ولكن عبر طرقٍ التفافية او بوسائل ووسائط أُخرى، فهذا بحدّ ذاته كارثة على دولةٍ بحجم الصين وهذا دليل قطعي انها في هذا الوقت بالذات ظهرت في مظهر العاجز عن فعل شيءٍ يثبت انها قادرة على فرض توازنات في الوقت الذي يستدعي اظهار القوة والمنعة ، وقت اثبات الذات ، واثبات الوجود ، وانها قوة عالمية قادرة على الردع بمعناه الحقيقي ، وإلا بالله عليك متى تظهر هذه القوة ومتى يثبت جدوى إظهار ما ظَهرَ في عرضها العسكري الذي ابهر العالم !

إن هذه الحرب واحداثها ومجرياتها جاءت تاكيداً لنهج الصين الذي لم يتغير منذ الاف السنين واثبتت هذه الحرب الدائرة اليوم كما اثبتته حرب غزه خسارة المراهنين على روسيا والصين معاً ، ولا نعلم المقصد من اصرار اولئك الذين اشغلوا بعض المتابعين لهم بأن روسيا والصين هما الزعيمان القادران على خوض معركة عسكرية حقيقية مع الأمريكيين ،
لم تُقدِّم الصين نفسها في هذه الحرب التي هي حرب كبرى مفصلية على مستوى لا اقول الشرق الأوسط بل على المستوى العالمي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ،
ولم تقدم الصين نفسها على غرار ما قدمت نفسها امريكا اثناء الحرب العالمية الثانية حين دخلت كزعيم للعالم له كلمة الفصل عندما استخدمت السلاح النووي ضد اليابان معلنةً بذلك عن وجودها الحاسم على مستوى العالم،
لم تفعل الصين شيئا ينبئ عن نيةٍ او توجهٍ لان يكون لها دور ولو على مستوى وسيط ( نزيه او غير ذلك )
بل هي تفقد في كل يوم يمر من ايام هذه الحرب اي ثقةٍ ربما كانت قد تشكلت تجاهها في يومٍ ما وتفقد ايضاً ثقة الذين راهنوا عليها كزعيمة مرتقبة .

إن انشغال الصين بما تتناقله وسائل الاعلام وبما تُظهره النشرات الاقتصادية الاوروبية في هذه الأيام مِن بحثٍ لافتٍ للأوروبيين عن سياراتٍ كهربائيةٍ بديلة للسيارات ذات المحركات المُعتَمِدةِ على الوقود هو شغلها الشاغل ، وما يزيد من تمتين وتمكين مركزها الاقتصادي العالمي الرائد هو ما يبديه المستهلكون الاوروبيون من ثقةٍ كبيرةٍ في صناعتها لهذا النوع من السيارات والآلات بشكل عام والذي يُعدّ الرافد الرئيسي لاقتصادها ، مما يزيدها بُعداً عن مجرد التفكير باي صدام عسكري سواء مع الامريكان او غيرها من الامم ، فهذا الأمر بالنسبة لها لم يكن يوماً ومُنذُ الأزل بالحسبان .

ختاماً ، ربما تخشى الصين على صورتها الدبلوماسية التي روَّجتها للعالم لعقود طويلة من الزمن كقوةٍ " ناعمةٍ " تنئى بنفسها عن التدخل في شؤون الآخرين ، وأن الدخول والخوض في النزاعات العسكرية سيسقط قناع " الوسيط النزيه " ويحولها في نظر العالم إلى قطب استعماري جديد، وهو ثمن دبلوماسي لا يبدو أن بكين مستعدة لدفعه حالياً ،
وربما أن سبب هذا العجز عن القيام بأي فعل لا يعود فقط لغياب الإرادة لديها ، بل هو نتيجة مباشرة لخشيتها من التبعات القانونية والدبلوماسية القاسية ، فهي مكبلة بسلاسل رهيبة من الاستثمارات والاتفاقيات الدولية التي تجعل مِن إطلاق طلقةِ رصاص واحدة مغامرة قد تؤدي إلى عزلها مالياً وقانونياً عن العالم وتعلم أن امريكا قادرة على فعل ذلك ، كما ان رغبتها في الحفاظ على بريق صورتها الدبلوماسية وهيبتها كقوة سلام عالمية يجعلها بعيدة كل البعد عن التفكير في خوض حرب من الحروب الكبرى أو الصغرى بصورةٍ مباشرة او حتى مِن وراء حجاب .
يوسف رجا الرفاعي
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم