زيارة نواف سلام إلى دمشق: هل تفتح صفحة سورية – لبنانية جديدة في الأمن والتجارة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 41956
زيارة نواف سلام إلى دمشق: هل تفتح صفحة سورية – لبنانية جديدة في الأمن والتجارة؟

سرايا - لا تبدأ العلاقة بين سوريا ولبنان من زيارة واحدة، ولا تنتهي عندها. بين البلدين حدود طويلة، وذاكرة أثقل من المجاملات، ومصالح يومية لا تنتظر اكتمال المصالحات السياسية. لذلك جاءت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق في لحظة تحتاج إلى قراءة هادئة، لا إلى إعلان سريع عن صفحة جديدة ولا إلى إنكار إمكان فتحها.


الزيارة التي جرت في التاسع من أيار 2026، وفق ما أعلنته الرئاسة السورية ووسائل إعلام لبنانية وعربية، وضعت على الطاولة ملفات لا يمكن لأي حكومة في بيروت أو دمشق الهرب منها طويلاً. الأمن، الحدود، التجارة، السجناء، المفقودون، اللاجئون، والمعابر. هذه ليست عناوين بروتوكولية، إنها مفاصل العلاقة نفسها.

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع رئيس الحكومة اللبنانية على رأس وفد وزاري في قصر الشعب بدمشق. البيان السوري تحدث عن تعزيز العلاقات الثنائية، وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، وتكثيف التنسيق الأمني، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية. أما نواف سلام فأشار، بعد اللقاء، إلى تحقيق تقدم مهم في عدد من الملفات المشتركة.

العبارة الأخيرة مهمة، لكنها لا تحسم شيئاً. التقدم ليس اتفاقاً نهائياً. هو انتقال من الجمود إلى الحركة. ومن هنا تبدأ القراءة. فالزيارة ليست حلاً، لكنها قد تكون محاولة لإعادة العلاقة إلى مسار رسمي بعد سنوات من التداخل والشك والقطيعة الجزئية.


الأمن كان حاضراً حتى عندما لم يتصدر كل العناوين. الحدود السورية اللبنانية ليست خطاً هادئاً على الخريطة. هي مساحة تداخل عائلي وتجاري وأمني، وفي الوقت نفسه ممرات تهريب ونقاط احتكاك ومناطق نفوذ قديمة وجديدة. لذلك لا يمكن الحديث عن تجارة أو عودة لاجئين أو تعاون سياسي من دون سؤال الحدود.

التنسيق الأمني الذي تحدث عنه الجانبان يعني، عملياً، ملفات محددة. ضبط المعابر غير الشرعية، ملاحقة شبكات التهريب، منع انتقال السلاح والمخدرات، وتبادل المعلومات حول المطلوبين. هذه قضايا يعرفها الطرفان جيداً. لبنان لا يستطيع ضبط حدوده الشرقية والشمالية وحده. وسوريا لا تستطيع بناء استقرارها الغربي إذا بقيت الحركة عبر الحدود خاضعة لمنطق الشبكات لا لمنطق الدولة.

الأمن هنا ليس بنداً عسكرياً فقط. هو شرط اقتصادي أيضاً. فكل معبر غير شرعي يضرب المعبر الشرعي. وكل شاحنة تمر خارج القانون تعني رسوماً ضائعة، وتاجراً قانونياً يتضرر، ودولة تفقد جزءاً من سلطتها. لذلك يصبح ضبط الحدود جزءاً من بناء الثقة، لا مجرد إجراء أمني.

لكن هذا الملف حساس. في لبنان، توجد خشية قديمة من أن يتحول التنسيق الأمني مع دمشق إلى عودة قنوات مغلقة فوق المؤسسات. وفي سوريا، توجد رغبة في تثبيت سلطة الدولة الجديدة على حدود كانت مفتوحة على نفوذ قوى عديدة. بين الحاجتين، يجب أن يكون التنسيق واضحاً ومؤسسياً. الأمن المطلوب لا ينبغي أن يعيد إنتاج الوصاية، ولا أن يترك الحدود للفوضى.

إذا كان الأمن ملفاً معقداً، فالتجارة أكثر قابلية للقياس. يمكن معرفة ما إذا تغير شيء من عدد الشاحنات، ومن وقت العبور، ومن رسوم النقل، ومن حركة التصدير والاستيراد. لذلك تبدو المعابر امتحاناً مبكراً لأي صفحة جديدة بين البلدين.

لبنان يحتاج إلى سوريا ممراً برياً نحو العراق والأردن والخليج. وسوريا تحتاج إلى لبنان منفذاً اقتصادياً وخدمياً، رغم الأزمة العميقة في القطاع المالي اللبناني. هذه مصلحة متبادلة، لكنها لا تعمل تلقائياً. تحتاج إلى معابر مؤهلة، وإجراءات معلنة، ورسوم واضحة، وقرار سياسي يمنع عودة الاقتصاد غير الرسمي إلى ابتلاع الاقتصاد الرسمي.

كانت الحكومتان قد بحثتا سابقاً تأهيل وتفعيل المعابر المغلقة لتعزيز حركة التجارة والنقل. هذا الملف قد يبدو فنياً، لكنه يحمل معنى سياسياً واضحاً. فتح المعبر لا يكفي إذا بقيت الشاحنة رهينة الوسيط أو المزاج أو الكلفة غير المعلنة. المطلوب أن يعرف التاجر ما الذي يدفعه، ولمن، وبأي سند قانوني.

التجارة المنظمة يمكن أن تخلق مصلحة مشتركة. والمصلحة المشتركة قد تكون أحياناً أقوى من البيانات السياسية. لكن ذلك يتوقف على شكل الإدارة. فإذا عاد التهريب أقوى من الجمارك، والواسطة أقوى من القانون، فلن تكون المعابر جسراً بين البلدين، بل باباً جديداً للشكوى.

حملت الزيارة أيضاً ملفات لا يمكن وضعها في خانة الإدارة اليومية فقط. سلام تحدث عن تنفيذ اتفاقيات تتعلق بنقل المحكومين السوريين إلى بلدهم، وعن متابعة ملف المفقودين في البلدين. وتحدثت تقارير عن اتفاق موقع في شباط 2026 يخص نقل نحو 300 محكوم سوري من لبنان إلى سوريا.

هذا ملف قانوني وإنساني في وقت واحد. نقل المحكومين قد يخفف الضغط عن السجون اللبنانية، وقد يفتح قناة قضائية منظمة بين البلدين. لكنه يحتاج إلى ضمانات واضحة، لأن الإنسان لا يتحول إلى ملف شحن بين دولتين. يجب أن تكون الأحكام معلنة، والحقوق محفوظة، وظروف النقل والمتابعة خاضعة لرقابة قانونية.

أما ملف المفقودين فهو أعمق. اللبنانيون يحملون ذاكرة طويلة عن مفقودين في السجون السورية منذ الحرب الأهلية وما بعدها. والسوريون بدورهم يفتحون اليوم ملفات مرتبطة بسنوات الحرب والتحولات الأخيرة، بما فيها مطلوبون أو شخصيات لجأت إلى لبنان أو عبرت منه. هذه الذاكرة لا تُحل بصورة جماعية ولا ببيان موجز. تحتاج إلى وثائق، وأرشيف، ولجان جدية، وربما وقت طويل.

مع ذلك، فإن وضع هذا الملف على الطاولة له معنى. لا يمكن للصفحة الجديدة أن تبدأ إذا طُلب من الذاكرة أن تصمت. يمكن أن تبدأ المصالح بسرعة أكبر، لكن الثقة لا تنمو إذا بقيت القضايا المؤلمة خارج النقاش الرسمي.


ملف اللاجئين السوريين في لبنان حاضر في كل لقاء تقريباً. لبنان يتحدث منذ سنوات عن عبء اقتصادي واجتماعي وأمني كبير، وتشير تقديراته إلى وجود ما بين 1.5 و2 مليون سوري على أراضيه، بين مسجلين وغير مسجلين. وسوريا، بعد التحول السياسي، تريد أن تقدم نفسها بوصفها قادرة على استقبال عودة آمنة وتدريجية.

لكن العودة ليست قراراً يصدر في اجتماع. اللاجئ لا يعود لأنه سمع تصريحاً مطمئناً. يعود عندما يشعر أن أمنه الشخصي محفوظ، وأن أوراقه قابلة للتسوية، وأن بيته أو أرضه أو عمله يمكن أن يستعاد أو يعوض، وأن الخدمات الأساسية ليست معدومة.

سلام تحدث عن استمرار الحوار لتسهيل العودة الآمنة. هذه صياغة مهمة لأنها لا تتحدث عن ترحيل قسري ولا عن حل سريع. لكنها تفتح اختباراً صعباً. هل يستطيع الطرفان بناء مسار عودة يحترم إرادة اللاجئين ويعالج الوثائق والأملاك والملاحقات والخدمات؟ أم سيبقى الملف مستخدماً في الداخل اللبناني كعنوان ضغط أكثر منه مسار حل؟

لبنان لا يستطيع تحمل الملف إلى ما لا نهاية. هذا صحيح. لكن سوريا أيضاً لا تستطيع استقبال عودة واسعة بلا بنية جاهزة وخطط محلية وتمويل كاف. بين الضغط اللبناني والقدرة السورية يجب أن يكون هناك مسار منظم، لا عجلة سياسية تجعل الضعيف يدفع الثمن مرتين.


جاءت الزيارة في محيط إقليمي متوتر. التصعيد الإسرائيلي في لبنان وسوريا، والضغوط الأمريكية، وتبدل موازين القوى بعد سقوط النظام السوري السابق، كلها عوامل تجعل أي لقاء بين بيروت ودمشق أكبر من ملف ثنائي عادي.

لبنان يريد، بحسب خطاب حكومته، أن يمنع استخدام أراضيه كساحة مفتوحة لحروب الآخرين. وسوريا تريد تثبيت موقعها الجديد، وحماية وحدة أراضيها، ورفض تحويل حدودها إلى مناطق نفوذ متحركة. لكن الجغرافيا تفرض نفسها. ما يحدث في الجنوب اللبناني لا يبقى دائماً هناك، وما يحدث في سوريا ينعكس على لبنان أمنياً واقتصادياً واجتماعياً.

لهذا يحتاج التنسيق إلى حدود واضحة. لبنان لا يريد أن يبدو تابعاً لدمشق. وسوريا لا تريد أن تدخل في تفاصيل الانقسام اللبناني الداخلي. العلاقة الصحية بين البلدين يجب أن تقوم على التعاون لا الوصاية، وعلى المصالح لا المحاور المغلقة.

هذه صيغة سهلة في الكلام، صعبة في التنفيذ. لكنها الممر الوحيد إذا أراد الطرفان علاقة أقل توتراً وأكثر فائدة.

صفحة جديدة أم إدارة جديدة للقديم؟
عبارة الصفحة الجديدة تبدو جذابة. استخدمها مسؤولون ومراقبون لأنها تختصر رغبة مشتركة في تجاوز مرحلة ثقيلة. لكن العلاقات بين الدول لا تتغير لأنها أعلنت ذلك. تتغير عندما تتبدل الآليات التي تدير الخلاف.

إذا جرى التعامل عبر السفارات والوزارات واللجان العلنية، فهذه بداية مختلفة. إذا عولجت ملفات السجناء والمفقودين بوثائق وقضاء واتفاقيات واضحة، فهذه بداية مختلفة. إذا تحولت المعابر إلى ممرات رسمية مضبوطة، لا إلى أسواق موازية للتهريب والرسوم الخفية، فهذه بداية مختلفة. وإذا تعامل ملف اللاجئين مع الناس كأصحاب حقوق لا كعبء رقمي فقط، فهذه بداية مختلفة أيضاً.

أما إذا بقيت العلاقة محكومة بالغموض، وتعدد الوسطاء، والاتفاقات غير المعلنة، فإن الحديث عن الصفحة الجديدة سيبقى أقرب إلى تبديل في العنوان منه إلى تبديل في الواقع.

ما يميز زيارة نواف سلام إلى دمشق أنها وضعت الملفات كلها تقريباً في مكان واحد. هذا جيد. لكنه يزيد المسؤولية. فبعد الاجتماع لا يكفي أن يقال إن الأجواء كانت إيجابية. يجب أن تظهر نتائج يمكن قياسها.

ما الذي يمكن أن يتغير سريعاً؟
ليست كل الملفات تحتاج إلى الزمن نفسه. بعض المسارات يمكن أن يتقدم بسرعة إذا وُجد قرار واضح. المعابر يمكن أن تفتح أو تُؤهل وفق جدول. نقل المحكومين يمكن أن يبدأ إذا ثبتت القوائم والضمانات. التنسيق ضد التهريب يمكن أن يظهر في أرقام المضبوطات وحركة الشحن الشرعي. أما ملف المفقودين فيحتاج إلى صبر أكبر، لأنه يمس أرشيفاً وذاكرة وألماً شخصياً لا يمكن تجاوزه بسرعة.

اللاجئون يحتاجون إلى مسار مختلف أيضاً. لا يمكن اختزالهم في رقم أو في خطاب انتخابي. العودة الآمنة تحتاج إلى مناطق قادرة على استقبال الناس، وإلى ضمانات قانونية، وإلى دور دولي، وإلى معالجة مسائل الملكية والخدمات.

لذلك يجب ألا تُحمّل الزيارة أكثر مما تحتمل. هي خطوة سياسية مهمة. لكنها ليست تسوية شاملة. قيمتها ستظهر في المتابعة. هل ستجتمع اللجان؟ هل سيصدر جدول عمل؟ هل ستتحسن حركة التجارة؟ هل سيتراجع التهريب؟ هل سيجد ملف المفقودين بداية مؤسسية لا مجرد مجاملة؟

هذه هي الأسئلة العملية. وهي وحدها التي ستحدد هل الزيارة بداية مسار، أم محطة في سجل طويل من الزيارات التي لا تترك أثراً واضحاً.

يحتاج لبنان إلى علاقة منظمة مع سوريا. لا يستطيع أن يدير ملف اللاجئين أو الحدود أو التصدير البري أو الأمن الشرقي من دون دمشق. وتحتاج سوريا إلى لبنان أيضاً. تحتاج إلى منفذ اقتصادي، وإلى ضبط حدودها الغربية، وإلى علاقة رسمية مع جار يتداخل معها في السكان والمصالح والتاريخ.

لكن الحاجة لا تلغي الحذر. في لبنان، توجد قوى تخشى عودة النفوذ السوري بلباس جديد. وفي سوريا، توجد خشية من أن يبقى لبنان مساحة مفتوحة لحسابات إقليمية لا تخدم الاستقرار السوري. وبين الطرفين ذاكرة طويلة من سوء الثقة.

من هنا تبدو الواقعية أفضل من الحماسة. العلاقة الجديدة، إذا كانت ستولد فعلاً، يجب أن تُبنى على ملفات محددة. الأمن، المعابر، السجناء، المفقودون، اللاجئون، التجارة. كل ملف له معيار. إما أن يتقدم أو يبقى في مكانه.

زيارة نواف سلام إلى دمشق فتحت باباً إضافياً. لم تفتح الصفحة كلها. هناك تقدم معلن في الحوار، وهناك رغبة في تنظيم العلاقة، وهناك إدراك بأن الفراغ لم يعد صالحاً. لكن الصفحة الجديدة تحتاج إلى قواعد، لا إلى عبارات. تحتاج إلى احترام متبادل للسيادة، وإلى حدود أكثر انضباطاً، ومعابر أكثر شفافية، وملفات إنسانية لا توضع جانباً باسم المصلحة.

قد تكون الزيارة بداية عملية إذا خرجت منها لجان تعمل وتعود بنتائج. وقد تبقى حدثاً سياسياً عابراً إذا توقفت عند الصور والتصريحات. الفرق سيظهر قريباً. الناس والتجار واللاجئون والعابرون على الحدود هم الذين سيحكمون، لا البيانات وحدها.

لبنان وسوريا لا يملكان ترف القطيعة. ولا يملكان ترف العودة إلى علاقة مختلة. ما يحتاجه البلدان هو علاقة واضحة، باردة بما يكفي كي تكون عقلانية، ودافئة بما يكفي كي تكون مفيدة. إذا حدث ذلك، يمكن القول إن زيارة سلام إلى دمشق لم تكن مجرد لقاء جديد، بل خطوة أولى في طريق طويل.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم