النجداوي يكتب: الخبرة الوطنية وحماية القرار الفني الدكتور محمد الطراونة نموذجاً في الاستقلال الاكتواري

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 7455
النجداوي يكتب: الخبرة الوطنية وحماية القرار الفني الدكتور محمد الطراونة نموذجاً في الاستقلال الاكتواري
فيصل أسامة النجداوي

فيصل أسامة النجداوي


لا يمكن قراءة المشهد الحالي في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي بمعزل عن الصراع الأبدي بين الرؤية الإدارية العابرة والمرجعية الفنية الراسخة. فالمقال الرصين الذي سطره الدكتور محمد صالح الطراونة زميل جمعية الاكتواريين الأمريكية ومدير عام مؤسسة الضمان الإجتماعي السابق لم يكن مجرد رد على استفسارات نيابية، بل كان وثيقة وطنية تضع النقاط على الحروف في ملف هو الأكثر حساسية في الدولة الأردنية الاستدامة الاكتوارية.

إن جوهر القضية لا يكمن في سجال أرقام فحسب، بل في فلسفة إدارة المؤسسات السيادية. فحين يتحدث خبير بحجم الدكتور الطراونة، قضى أكثر من عقدين في مأسسة العمل الاكتواري، فإنه يتحدث بلسان الأرقام التي لا تجامل. إن محاولة تصوير الكفاءة الوطنية كعنصر مساند أو مزود بيانات لجهات خارجية هي مقاربة تحتاج إلى مراجعة عميقة؛ فالعمل الاكتواري هو عقل المؤسسة، وتوطين هذا العقل داخل مركز الدراسات الاكتوارية كان منجزاً وطنياً بامتياز، وفّر على المؤسسة كلفاً مالية طائلة، والأهم من ذلك، وفّر لها استقلال القرار الفني.

إن المنهج الذي طرحه الدكتور الطراونة في تفنيد المغالطات حول كلف الدراسات وسجلات الخبراء، يعيدنا إلى المربع الأول هل نحاكم الكفاءة بمعايير العمل في الخارج أم بمعايير الإنجاز وحماية الصندوق في الداخل؟ إن الزمالة الدولية التي يحملها الطراونة (SOA) هي أرفع وسام مهني عالمي في هذا المجال، وهي لا تُمنح بناءً على جغرافيا العمل، بل على عمق المعرفة ودقة التحليل. ومن هنا، فإن إنصاف هذه القامات ليس ترفاً، بل هو ضرورة للحفاظ على ما تبقى من هيبة التخصص في وجه الاجتهادات التي قد لا تدرك خطورة الافتراضات المتفائلة على مستقبل الأجيال.

إن ما نحتاجه اليوم هو وقفة مراجعة شجاعة تُعيد للاعتدال الاكتواري هيبته، وتُنصف الرجال الذين قالوا كلمة الحق الفنية في أصعب الظروف. إن حماية المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تبدأ من حماية كبار خبراءها من التهميش، والاعتراف بأن الخبرة الوطنية المحصنة بالعلم هي خط الدفاع الأول عن مدخرات الأردنيين. إن مقال الدكتور الطراونة هو دعوة لاستعادة البوصلة الفنية قبل أن تضيع في زحام التبريرات الإدارية، وهي صرخة إنصاف لرجل لم يبخل بعلمه يوماً ليظل الضمان الاجتماعي مؤسسة عصية على الاهتزاز.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم