الرسائل التي وجهها ترامب إلى الكونغرس جاءت بعبارات محسوبة، إذ أكد أن العمليات العسكرية التي بدأت في أواخر فبراير قد انتهت فعليًا، مستندًا إلى غياب الاشتباكات المباشرة منذ إعلان وقف إطلاق النار. لكن هذا الإعلان، الذي يبدو في ظاهره توصيفًا للواقع، يخفي في جوهره هدفًا سياسيًا وقانونيًا واضحًا، يتمثل في تجاوز القيود التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب، وتحويل المواجهة من حالة “حرب نشطة” إلى “وضع أمني مستمر”، يسمح للإدارة الأميركية بالحفاظ على وجودها العسكري دون الحاجة إلى تفويض جديد.
غير أن التناقض سرعان ما يظهر داخل الخطاب ذاته، إذ يؤكد ترامب في الرسائل نفسها أن التهديد الإيراني لا يزال قائمًا، وأن وزارة الدفاع تواصل إعادة تموضع قواتها في المنطقة لمواجهة أي تطورات محتملة. هذا الجمع بين إعلان انتهاء الحرب واستمرار الاستعداد العسكري ليس ارتباكًا في الموقف، بل يعكس سياسة مدروسة تقوم على إدارة الصراع بدل حسمه، وعلى إبقاء كل الخيارات مفتوحة دون الالتزام بتعريف تقليدي للحرب.
في هذا السياق، يتضح أن واشنطن لا ترى في المواجهة مع طهران حدثًا عسكريًا محدودًا بزمن، بل مسارًا طويلًا يمكن التحكم بإيقاعه وأدواته. فبدل الاستمرار في العمليات العسكرية المباشرة، التي تحمل كلفة بشرية واقتصادية وسياسية مرتفعة، يجري الانتقال إلى أدوات أكثر تأثيرًا وأقل كلفة، في مقدمتها الحصار الاقتصادي والضغط البحري، خاصة في مضيق هرمز الذي يشكل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. وهنا تتحول الحرب من صواريخ وغارات إلى اقتصاد وضغوط مالية، ومن مواجهة مفتوحة إلى استنزاف طويل الأمد.
في المقابل، تشير المعطيات إلى أن إيران بدورها بدأت تتعامل بمرونة نسبية، من خلال طرح اتفاق مرحلي يؤجل القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها الملف النووي، مع التراجع عن بعض الشروط المسبقة مثل رفع الحصار البحري قبل بدء المفاوضات. هذه الخطوة لا تعكس بالضرورة ضعفًا، بقدر ما تعكس محاولة لشراء الوقت وتخفيف الضغط، في مواجهة استراتيجية أميركية تقوم على إنهاك الخصم تدريجيًا.
اللافت أن هذا التحول في تعريف الحرب يتزامن مع حسابات سياسية أوسع لدى الإدارة الأميركية، إذ يسعى ترامب إلى الظهور بمظهر المنتصر الذي أنهى الحرب، خاصة قبيل تحركات دبلوماسية مهمة، من بينها لقاء مرتقب مع الرئيس الصيني Xi Jinping. في مثل هذا السياق، يصبح الإعلان عن “نهاية الحرب” أداة لتعزيز الموقع التفاوضي، حتى وإن كان الواقع الميداني يشير إلى استمرار الصراع بأشكال أخرى.
ما تكشفه هذه التطورات هو أن الحرب لم تنتهِ فعليًا، بل انتقلت من شكل إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى. إنها لم تعد حربًا تقليدية يمكن تحديد بدايتها ونهايتها بوضوح، بل أصبحت عملية مستمرة من الضغط والتكيّف وإعادة التموضع. وفي هذا الإطار، لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل كيف يتم تعريفها، ومن يملك حق هذا التعريف.
في المحصلة، نحن أمام نموذج جديد من الصراعات، حيث لا تُحسم الحروب بالضرورة في ساحات القتال، بل في كيفية إدارتها سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا. وبين إعلان رسمي بنهاية الحرب وواقع عملي يشير إلى استمرارها، تتشكل منطقة رمادية هي التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط في العلاقة بين واشنطن وطهران، بل في طبيعة الحروب الحديثة عمومًا.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات