سرايا - أكد تقرير تحليلي صادر عن مركز جينيفا للدراسات والأبحاث، أعده الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أن العالم لا يواجه اليوم مجرد ارتفاع عابر في أسعار السلع، بل يعيش إرهاصات تحول هيكلي خطير فيما أسماه "جيوسياسية الغذاء".
وقال الزعبي إن العالم يقف فعليا على حافة "هاوية" بروتينية، مشيرا إلى أن وصول أسعار القمح إلى أعلى مستوياتها خلال عامين، وتزامن ذلك مع المكاسب المتواصلة للذرة، لم يعودا مجرد أرقام على شاشات البورصات العالمية، بل يمثلان مؤشرا خطيرا على تآكل المخزونات الإستراتيجية العالمية، وسط تقاطع مميت بين التغير المناخي المتطرف، والاضطرابات الجيوسياسية في سلال الغذاء العالمية كالبحر الأسود وأميركا الجنوبية، وأزمة مدخلات الإنتاج التي تقودها أسعار الطاقة.
ويقول الدكتور الزعبي حول محركات هذا الصعود واشتعال أسواق الحبوب، إن هناك ثلاثة عوامل رئيسة تتضافر لخلق هذه "العاصفة الكاملة"، أولها المخاطر الجيوسياسية المتجددة؛ حيث أدت عودة التوترات في حوض البحر الأسود إلى زيادة "علاوة المخاطر"، محذرا من أن أي تهديد للموانئ أو ممرات التصدير الأوكرانية والروسية يعني فورا خروج ملايين الأطنان من القمح عالي البروتين من السوق العالمية.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في الاضطرابات المناخية المرافقة لظاهرة "لا نينا"، والتي ضربت مناطق الإنتاج الرئيسة في الولايات المتحدة والبرازيل بموجات جفاف غير مسبوقة، وأغرقت محاصيل أوروبا الغربية بأمطار غزيرة غير موسمية.
في حين يعود العامل الثالث إلى ترابط الطاقة والغذاء، حيث رفع غلاء الغاز الطبيعي تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، ما أدخل المزارعين في حلقة مفرغة يضطرون فيها إما لرفع السعر أو تقليل المساحات المزروعة، ليدفع المستهلك الثمن في النهاية، تبعا له.
الهشاشة الغذائية
وفي ما يتعلق بخريطة "الهشاشة الغذائية"، حذر الدكتور الزعبي من أن الضرر ليس متساويا؛ فبينما تمتلك الدول المتقدمة قدرة على امتصاص الصدمة عبر الدعم المالي، تواجه الدول النامية مأزقا وجوديا.
وفصّل التقرير الفئات الأكثر عرضة للخطر، لافتا إلى أن دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، كمصر والجزائر وتونس ولبنان، تعتمد على استيراد أكثر من نصف احتياجاتها من القمح، ما يضغط على ميزانيات الدعم ويهدد استقرارها الاجتماعي، في حين تعاني دول جنوب الصحراء الكبرى من ضعف عملاتها أمام الدولار، ما يخلق "تضخما مستوردا" يفوق قدرة الأفراد.
كما أشار إلى معاناة الدول ذات الكثافة السكانية العالية والاكتفاء الذاتي المنخفض، مثل بنغلاديش وفيتنام، حيث يستنزف الغذاء الأساسي النسبة الأكبر من دخل المواطنين.
ونبه الزعبي في تقريره إلى معضلة صامتة تتجاوز كمية الغذاء لتضرب في صميم جودته، وهي معضلة الأسمدة التي اعتبرها المكون الأساسي للبروتين في القمح والنشويات في الذرة.
وأوضح أن تقنين المزارعين لاستخدام الأسمدة بسبب ارتفاع أسعارها بنسب تجاوزت 100%، أدى إلى تراجع الإنتاجية وانخفاض المعروض العالمي، فضلا عن تدهور الجودة؛ فالقمح المفتقر للتسميد الكافي يفقد بروتينه ويتحول من قمح إستراتيجي لصناعة الخبز إلى قمح علفي منخفض القيمة.
وحذر من أن الاعتماد على الزراعة دون تعويض التربة بالمواد المغذية سيؤدي إلى استنزافها على المدى الطويل، ما يجعل التعافي في المواسم المقبلة أصعب وأكثر تكلفة.
الأسوأ آت
ولم يستبعد الخبير الإستراتيجي أن يكون الأسوأ لم يأتِ بعد، متوقعا أن تظهر ذروة الأزمة بعد موسم الحصاد الحالي.
وعزا الزعبي ذلك إلى نضوب المخزونات الإستراتيجية لدى العديد من الدول التي استهلكت "وسائد الأمان" خلال العامين الماضيين لامتصاص الصدمات، إضافة إلى الأعباء الخفية المتمثلة في الارتفاع الحاد لتكاليف الشحن البحري وتأمين السفن في مناطق النزاعات.
كما أشار إلى أزمة الديون السيادية التي تعاني منها الدول المستوردة للغذاء، والتي تضعف قدرتها على فتح اعتمادات مستندية لاستيراد شحنات جديدة.
واستشرف التقرير ثلاثة سيناريوهات للمستقبل الممتد بين عامي 2026 و2027؛ أولها يحمل احتمالية 30 % ويتمثل في "استقرار هش" يعود معه التصدير وتتراجع أسعار الطاقة بشكل طفيف مسببة هدوءا نسبيا مع استمرار الضغوط التضخمية.
وثانيها، وهو المرجح بنسبة 50 %، يتمثل في "اضطراب مستدام" تستمر فيه الأسعار المرتفعة ونقص الأسمدة، ما قد يولد احتجاجات اجتماعية في الدول النامية ويضغط على الأنظمة السياسية.
أما السيناريو الثالث، والذي منحه التقرير احتمالية 20 %، فيتمثل في "انكماش حاد" ناتج عن فشل المحاصيل في منطقتين رئيستين وتوقف سلاسل الإمداد، ما قد يفجر "مجاعات جيوسياسية" وهجرات جماعية كبرى غير مسبوقة.
الزراعة الذكية
وختم الزعبي تقريره بتأكيد أن الغذاء تحول اليوم من مجرد سلعة تجارية إلى "سلاح جيوسياسي" وأمن قومي صلب، محذرا الحكومات من أن فقدان السيادة على البذور والأسمدة يبقيها رهينة للتقلبات الخارجية.
وذكّر بأن قفزات أسعار الخبز كانت تاريخيا الشرارة الأولى للثورات كما حدث في 2008 و2011، مشددا على أن المخرج الوحيد للدول النامية هو الاستثمار في "الزراعة الذكية" وتقليل الاعتماد على الكيماويات المستوردة بالتحول للأسمدة العضوية والمحاصيل المقاومة للجفاف.
وخلص إلى أن العالم يدخل حقبة "الغذاء الغالي" كواقع بنيوي، محذرا من أنه إذا لم يتم التحرك دوليا لضمان تدفق الأسمدة بأسعار عادلة ودعم المزارعين الصغار، فإن الأزمة ستتجاوز حدود الأسواق لتضرب في عمق الاستقرار السياسي للدول.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات