د. ايمن الخزاعلة يكتب: الأردن في أسبوع: تكتونياتٌ سائلة، مِعراجُ التمويلِ، وهَاوِيةُ "المزرعة" الحزينة، وراديومُ المحسوبية

منذ 1 ساعة
5232
د. ايمن الخزاعلة يكتب: الأردن في أسبوع: تكتونياتٌ سائلة، مِعراجُ التمويلِ، وهَاوِيةُ "المزرعة" الحزينة، وراديومُ المحسوبية
د. أيمن الخزاعلة

د. أيمن الخزاعلة

في مشهدٍ يمكن توصيفه بـ"إعادة هندسة المجال العام"، افتتح الأسبوع المنتهي في الثاني من ايار 2026 بلقاء الملك مع الصحفيين وكتّاب الأعمدة ومدراء المواقع الإلكترونية، في خطوة تتجاوز بعدها البروتوكولي إلى محاولة ترميم البنية الإدراكية للعلاقة بين الدولة والإعلام، وإعادة إنتاج الثقة بوصفها رأس مال سياسياً لا يقل أهمية عن الموارد المادية. هذا اللقاء جاء في لحظة تكتسب فيها إدارة السردية الوطنية أهمية مضاعفة، بالتوازي مع حراك دبلوماسي عالي الوتيرة، تمثل باستقبال وزير الخارجية الكويتي، وإجراء اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي، والتواصل مع الرئيس الفلسطيني، في سياق ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية الاحتواء الوقائي" لتداعيات الإقليم.
غير أن هذا النشاط الخارجي لم يكن معزولاً عن سياق دولي مضطرب، حيث تزامن مع أنباء محاولة اغتيال دونالد ترامب، وبدء محاكمة بشار الأسد غيابياً، إلى جانب تعيين علي الزيدي رئيساً لوزراء العراق، وهي تحولات تعكس إعادة تشكل في البنية الجيوسياسية للمنطقة. ضمن هذا الإطار، يبدو الأردن وكأنه يتحرك على "خط تماس استراتيجي"، يحاول فيه تحقيق توازن دقيق بين الثبات والمرونة، في بيئة تتسم بسيولة سياسية عالية وتغيرات غير خطية.
في البعد السوسيواستراتيجي لبناء الإنسان، ظهر ولي العهد عبر مسارين تكامليين يعكسان رؤية مركبة لإعادة تشكيل الحقل الشبابي؛ الأول بإطلاق "مراكز الأمير علي للواعدين" كمنصات لاكتشاف رأس المال الرياضي وتحويله إلى قيمة مضافة وطنياً، والثاني من خلال تخريج دفعات "خدمة العلم"، بما تحمله من رسائل تتجاوز الإطار الاحتفالي إلى إعادة تفعيل منظومة الانضباط والاندماج الوطني، وربط الشباب بسلاسل إنتاج حقيقية. هذا التوازي بين "الانضباط الصلب" و"التمكين الناعم" يكشف عن مقاربة تسعى لإعادة بناء الشخصية الوطنية ضمن معادلة تجمع بين الهوية والمهارة.
أما في الحقل الداخلي، فقد أعاد تقرير مركز راصد حول أداء النواب والكتل والأحزاب والحكومة فتح ملف "الفعالية المؤسسية" في النظام السياسي، مسلطاً الضوء على فجوة متنامية بين التمثيل الشكلي والتمثيل الفعلي. وتقاطعت هذه الإشكالية مع لغط واسع أثاره تعيين خريج جديد في وزارة الخارجية، وسط اتهامات بتدخل والده الدبلوماسي السابق، ما أعاد إنتاج خطاب "الواسطة" كآلية موازية تُقوّض مبدأ تكافؤ الفرص. وفي سياق موازٍ، فجّر "السيلاوي" موجة غضب مجتمعي إثر إساءات منسوبة للرسول الكريم، ما أعاد التأكيد على هشاشة التوازن بين حرية التعبير والضوابط القيمية، وعلى مركزية البعد الديني كعنصر استقرار في البنية الاجتماعية.
اقتصادياً، يلوح في الأفق ما يمكن تسميته بـ"التحول البراديغمي الجزئي" مع طرح 10 ملايين صكوك إسلامية في البورصة، في إشارة إلى محاولة تفكيك الاعتماد الأحادي على أدوات التمويل التقليدية، والانتقال نحو نماذج أكثر تنوعاً واستدامة. هذا التوجه يتقاطع مع عودة مفهوم "العمل اللائق" إلى الواجهة مع عيد العمال، في ظل ضغوط تضخمية ومعيشية متصاعدة، ما يطرح سؤال العدالة التوزيعية في سياق النمو الاقتصادي. وفي مستوى أوسع، يثير خروج الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك احتمالات إعادة تشكيل في سوق الطاقة، وهو ما يفرض على الأردن قراءة استباقية لتداعيات قد تمتد إلى كلفة الإنتاج والمعيشة.
وفي البعد السوسيولوجي للأزمات، شكّلت جريمة الكرك- حيث أقدم أب على قتل أطفاله- صدمة جمعية يمكن قراءتها كـ"انهيار موضعي في منظومة التوازن النفسي والاجتماعي"، تعكس تراكم الضغوط الاقتصادية والنفسية، وتطرح تساؤلات حول كفاءة منظومات الحماية الاجتماعية. وعلى النقيض، برزت معان كنموذج مضاد حين سطّرت مشهداً أخلاقياً لافتاً بالعفو عن السائق العراقي المتسبب بوفاة أحد الضباط، في تجلٍ لما يمكن وصفه بـ"الرأسمال الأخلاقي الكامن" في المجتمع الأردني، القادر على إنتاج التضامن حتى في لحظات الفقد.
واختُتم الأسبوع على إيقاع مقلق تمثل باستمرار حوادث السير المميتة، إلى جانب حادثة احتراق صهريج على الطريق الصحراوي، ما يعيد ملف السلامة المرورية إلى صدارة الأجندة بوصفه "أزمة بنيوية صامتة" تتطلب تدخلاً يتجاوز الحلول الإجرائية إلى إصلاحات هيكلية في البنية التحتية والرقابية. في المحصلة، يقف الأردن أمام مشهد متعدد الطبقات: دبلوماسية نشطة تحاول تثبيت الموقع في إقليم متغير، بنية داخلية تواجه اختبارات الثقة والعدالة، واقتصاد يسعى للخروج من نماذج تقليدية نحو أفق أكثر مرونة. وبين هذه المستويات، يبقى التحدي المركزي هو القدرة على تحويل "الزخم السياسي" إلى "أثر معيشي"، وعلى مأسسة القيم المجتمعية في سياسات عامة تضمن الاستقرار والاستدامة في آن واحد.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم