الخوالدة يكتب: أردنيون لا تعرفهم المنابر

منذ 2 ساعة
8453
 الخوالدة يكتب: أردنيون لا تعرفهم المنابر
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

مع تقدّم العمر، يميل بعض المسؤولين المتقاعدين—وبعض من سبحوا في بحر المعارضة ثم عادوا إلى مرافئ الحكومة—إلى التمسّك بالسردية الأردنية بوصفها مرجعية جامعة. غير أن استدعاء السردية لا يكفي لبلوغ القمم؛ فالمعيار الأعمق يبقى في اتساق الموقف عبر الزمن، وفي القدرة على تفسير التحوّلات تفسيرًا معرفيًا وأخلاقيًا يمنحها مشروعية.

لقد أفنى الحسين بن طلال—رحمه الله—شبابه وعمره وهو يحفظ هذا الوطن في محيطٍ ملتهب، وسجّل مواقف شهد لها العالم، العدو قبل الصديق. ثم سُلِّمت الأمانة إلى جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، الذي يمضي بها ضمن إطار السلطات الدستورية، على قاعدةٍ راسخة مفادها أن الأوطان لا تُدار بالشعارات، بل بالكفاءة والاتساق؛ وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

لم تُخلِّد الذاكرة الأردنية أسماءً لأنها شغلت مواقع، بل لأنها ثبتت حين كان الثبات مكلفًا، كما في نماذج مثل حابس المجالي ووصفي التل. وفي المقابل، ثمّة أردنيون لا تعرفهم المنابر، لكن آثارهم راسخة في بنية الدولة والمجتمع؛ يعملون بصمت، والله يعلم الطيب ويعلم المصلح.

لقد تعلّم الأردني من أجداده العمل، ثم العمل، ثم العمل؛ عملًا مبنيًا على الانتماء والولاء. غير أنّ فئةً قليلة تريد أن تقدّم القليل، وأن تتقدّم الصفوف عند الغنائم.

لقد تجاوز الأمر حدّه؛ فالاحتواء، كما تعلّمناه من الهاشميين، قيمةٌ تُدار بميزان، لا أن تُترك بلا معيار. وحين يغدو قاعدةً عامة، يتراجع أثر العاملين ويُدفعون إلى هامش الذاكرة، بل ويُوضع من يعمل في ميزانٍ واحد مع من يمارس الابتزاز؛ في مشهدٍ يعكس خللًا في معايير التقييم.

ونعم، نحن مع الاحتواء… مع الاحتواء… مع الاحتواء؛ لكنّه ليس مظلّةً بلا ميزان، ولا بابًا يُفتح لكل عابر. الاحتواء حين يفقد معاييره، يُطفئ ضوء العاملين. نريده احتواءً يحفظ المقامات، ويُبقي لكل جهدٍ قدره، فلا تختلط الصفوف ولا تضيع الفوارق. والاحتواء حين يُحسن ضبطه، يحفظ للمجتهدين قدرهم، ويصون توازن العدالة في الصفوف.

ونحن مع الوطن، ومع مواقف الوطن، ومع كل أردني يقف مع الوطن—بغضّ النظر عن موقعه—حتى أولئك الذين يختلفون أو يخطئون التقدير؛ فالبوصلة في النهاية تميل إلى من يعمل، ويثبت، ويجعل الوطن أولويةً في فعله قبل قوله.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم