السردية الأردنية .. ميثاق الأرض ووجدان الإنسان

منذ 39 دقيقة
1829
السردية الأردنية ..  ميثاق الأرض ووجدان الإنسان

سرايا - «السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، استجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط. في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. ووقفتنا الآتية مع الأديب الدكتور هشام مقدادي، وهو كاتب وناقد، حاصل على عدد من الجوائز الأدبية منها: المركز الأول في القصة القصيرة لعام 2018، جائزة الدولة التشجيعية لعام 2021/ حقل القصة القصيرة، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان «صلصال»، شارك في العديد من المؤتمرات المختصة بالنقد، حاصل على درجة الدكتوراة من جامعة اليرموك في النقد والأدب، ?نشر العديد من الأبحاث العلمية والدراسات الأدبية المحكمة.

كيف ترى مفهوم «السردية الأردنية» خارج الإطار التعريفي الرسمي؟ هل تراها رواية جامعة، أم فسيفساء من الروايات المتجاورة؟

- أرى أن السردية الأردنية في جوهرها الإبداعي والاجتماعي هي حالة تلاحم عضوي، تتجاوز النصوص التوثيقية لتصبح بناءً معماريًا متماسكًا؛ حيث لا يمكن فصل الحجر عن الطين الذي يمسكه.

وفي الوقت ذاته هي ليست رواية جامعة تذيب الخصوصيات قسراً، أو حتى فسيفساء متناثرة يصعب لمّ شتاتها، وذلك لكونها وحدة من التناغم والتنوع، وقصة كفاح الإنسان فوق هذه الأرض، حيث تتجاور الحكايات المحلية لتمثل في مجموعها صوتاً واحداً يعبّر عن الهوية الوطنية التي تبدأ من تفاصيل القرية والبادية والمدينة، لتصبّ في بناء وطني شُيد بتراكم تضحيات الأردنيين عبر الأجيال.

أين يقف مشروعك الإبداعي داخل هذه السردية؟ هل تكتب من موقع الشاهد، أم الناقد، أم الباحث عن زاوية مختلفة؟

- أجد مشروعي الإبداعي والنقدي يقف عند نقطة التقاطع بين هذه الأدوار جميعاً، فهي أدوار متداخلة بطبيعتها؛ فالباحث يحمل حسّ الشاهد، والناقد ينفتح على زوايا لم تُقرأ بعد.

فأنا أكتب بوصف القلم أداةً لاستنطاق المسكوت عنه؛ وأيضًا أنا شاهدٌ على تحولات المجتمع والإنسان الأردني، وباحثٌ يغوص في أعماق النصوص ليحلل كيف تشكلت هويتنا عبر الأدب المقارن، وكيف تشكلت صورته لدى الشعوب والأمم المختلفة عبر تتبع مضان الإبداع بحيث أعيد تفكيك الروايات السائدة بشكل يجعلنا أكثر قدرة على فهم الذات والآخر.

إلى أي حد تتشكل الهوية الأدبية من الجغرافيا؟ وكيف يتجلى المكان الأردني في أعمالك بوصفه معنى لا مجرد خلفية؟

- تتشكل الهوية الأدبية من الجغرافيا إلى حد تصبح فيه الأرض هي المتن لا الهامش؛ فالجغرافيا في الأدب هي ذاكرة حية محتشدة بالحكايا والمواقف، التي تنهل من طبيعة التضاريس لتمثل عالمًا خاصًا.

في أعمالي، يتقدّم المكان الأردني إلى قلب التجربة السردية بوصفه عنصرًا حيًّا وفاعلًا؛ فحضوره يتجاوز الإطار العام ليغوص في أعماق الشخصيات، ليسهم في تشكيل وعيها وملامحها الداخلية ونبرة صوتها. وتمتد الجغرافيا الأردنية، بصحرائها وجبالها وغورها، كفضاء ثقافي نابض يوجّه مسار الحكاية ويمنحها شروطها ومعناها، فتغدو جزءًا أصيلًا من بنية النص.

الأردن تشكّل عبر الزمن من حكايات بشر قدموا من جغرافيات وتجارب مختلفة، ثم انصهرت هذه الحكايات في قصة واحدة للمكان والدولة. إلى أي حد استطاع الأدب الأردني أن يلتقط هذا التعدد الإنساني بوصفه مصدرًا لثراء الهوية، لا مجرد خلفية تاريخية للسرد؟

- استطاع الأدب الأردني، في محطات عديدة تجاوز الرصد التاريخي الجاف ليدخل في عمق الاشتباك الإنساني؛ بحيث لم يعد التعدد مجرد أرقام أو تواريخ لغايات التوثيق، بقدر ما تحول إلى مادة حية في صلب النص الإبداعي.

فقد التقط الأدب هذا التنوع بوصفه رافدًا للحكايات، حيث انصهرت الهويات والمنابت لتشكل الهوية الوطنية الجامعة. هذا الثراء تجلى في الرواية والقصة الأردنية كعنصر قوة ناعمة منحت النص أبعاداً إنسانية انصهرت في بوتقة واحدة، منتجةً هوية قادرة على استيعاب الآخر دون فقدان الذات. وبذلك، تحول التعدد من مجرد خلفية إلى محرك بنيوي للسرد.

المشروع يركز على الإنسان الذي صنع التاريخ؛ من هو هذا الإنسان في نصوصك؟ البطل؟ المهمّش؟ أم الصوت الصامت؟

- في نصوصي، الإنسان الذي صنع التاريخ ليس بطلاً ملحميًا، بل هو الإنسان العادي الذي حوّل صموده اليومي إلى فعل تاريخي تراكمي صاغ وجه البلاد؛ فهو المهمش الذي يسكن المتن بعد أن حرث الأرض وبنى البيوت وحفظ الحكاية شفوياً قبل تدوينها، وهو الصوت الصامت الذي أحاول منح اللغة لسيرته.

كيف يمكن للإبداع أن يقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن -مثل الثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة- دون أن يتحول إلى خطاب تقريري؟

- يتحرر الإبداع من قيد التقريرية حين يتخلى عن دور المؤرخ الذي يسرد الوقائع، لينفذ إلى أثر الواقعة في الوجدان الإنساني؛ فحين يقترب الأدب من التاريخ، ينشغل بأثره في الإنسان، ويعيد تشكيله عبر التجربة الشعورية لا عبر السرد الوقائعي. بحيث تمنح البطولة للمشاعر الفردية كقلق الجندي وانتظار الأم، وعبر الاتكاء على الرمز الذي يرفع الحدث من سياقه الزمني الضيق إلى رحاب القيمة المطلقة. إن الإبداع الناجح هو الذي يفتش في المسكوت عنه خلف الزوايا الرسمية، محولاً التاريخ من ماضٍ جاف ومغلق إلى قوة دافعة تسكن حاضرنا، مما يضمن للنص حيوية متجددة تتجاوز لغة التقارير المباشرة والخطاب الإنشائي.

هل يمكن أن تتعايش السردية الوطنية الجامعة مع سرديات الاختلاف والألم والاحتجاج، أم أن بعض الحكايات تُؤجَّل دائمًا؟

- إن التعايش بين السردية الوطنية وسرديات الاختلاف والألم هو شرط لصلابة الهوية وديمومتها، فالسردية الحقيقية وعاء مرن يتسع لكل الأصوات ولا يخشى مواجهة الانكسارات. إن محاولة تأجيل حكايات الألم بذريعة التماسك هي مقاربة قاصرة تجعل التاريخ هشاً، بينما نرى في الألم والاحتجاج جزءاً أصيلاً من الانتماء وحرصاً على بناء نص وطني أكثر عدلاً. وبوصف السردية الجامعة نهراً كبيراً تغذيه روافد الاختلاف، فإن استيعاب هذه الحكايا يمنحها مصداقية أخلاقية ويحول الندوب في الذاكرة الجمعية إلى دروس تسهم في تطوير مسار الدولة؛ فدورنا كمبدعين هو التأكيد على أن السردية الأردنية هي قصة الكل بأفراحهم وأوجاعهم، وهو التلاحم الذي يجعلها حكاية عصية على النسيان.

كيف نوازن بين الانتماء الوطني وحرية الكاتب في النقد والمساءلة؟

- أرى أن التوازن بين الانتماء الوطني وحرية النقد علاقة تكاملية، فالمبدع يمارس النقد بوصفه أعلى درجات الانتماء الذي ينبع من الحرص على سلامة بناء الدولة من الخلل. ويتحقق هذا التوازن حين يتحول النقد إلى فعل بناء يهدف لتصويب المسارات بمسؤولية أخلاقية، وحين يشكل الانتماء مرجعية قيمية تضبط إيقاع المساءلة ليكون غرضها الإصلاح لا الهدم. إن كسر ثنائية الولاء والتمرد الضيقة يحرر دور الكاتب التنويري، فالحرية هي الرئة التي يتنفس بها الانتماء؛ إذ بدون المساءلة تتحول الوطنية إلى تبعية صامتة، وبدون الانتماء تفقد الحرية بوصلتها.

في رأيك، ما الذي لم يُحكَ بعد في القصة الأردنية؟

- ما لم يُحك في القصة الأردنية يكمن في المسكوت عنه خلف الزخم التاريخي الرسمي، حيث تنتظرنا مساحات بكر لتوثيق تاريخ الهوامش والتحولات الاجتماعية التي صاغت الروح الأردنية في مواجهة الحداثة. نحن بحاجة لاستنطاق سير النساء المجهولات اللواتي صنعن بطولات ناعمة، والالتفات إلى المكان المنسي في القرى والبوادي خارج القوالب الجاهزة، مع ضرورة تفكيك الجانب الفلسفي للهوية وتفسير مزيج الشخصية الأردنية بين الصلابة والرقة. إن القصة الأردنية تظل نصاً مفتوحاً يكتنز في ذاكرة الأرض فصولاً لم تُدوّن بعد، وتستحق أن تُروى بلسان نقدي وأدبي مبدع.

إذا طُلب منك أن تكتب فصلًا موجَّهًا إلى الأجيال القادمة ضمن السردية الأردنية، ماذا سيكون عنوانه؟

- أختار لفصلي عنوان الذاكرة: ميثاق الأرض ووجدان الإنسان؛ لكونه يختزل فلسفتي في قراءة الهوية الأردنية؛ حيث ترمز الأرض للجغرافيا الصلبة والعراقة، بينما يمثل الوجدان الإنسان الذي ملأ هذا الفضاء بالقيم والكرامة. سيكون هذا الفصل دعوة للأجيال القادمة ليدركوا أن الأردن تجربة متجددة، يُعاد بناؤها كل يوم بجهد أبنائه وإيمانهم المستمر، مؤكداً لهم أن السردية الوطنية هي البوصلة نحو المستقبل، فقوتنا تكمن في تمسكنا بأصالتنا وسط الحداثة، وإيماننا بأن هذا الوطن قصة حب وصبر بدأت بجهد الأجداد وتستمر بإبداع الأحفاد.

كيف ترى دور الشباب في إعادة صياغة هذه السردية بلغة العصر الرقمي وتحولاته؟

- أرى أن الشباب هم المؤلفون الجدد للسردية الأردنية، فهم يمتلكون الأدوات التقنية ويتمتعون بـحساسية العصر القادرة على نقل الحكاية من رفوف المكتبات إلى الفضاء الرقمي الرحب. ويتجلى دورهم في عصرنة الهوية بتحويل التراث إلى محتوى بصري وتفاعلي عالمي، وتفكيك القوالب الجامدة عبر قراءات نقدية ذكية تربط المنجز التاريخي بتطلعات المستقبل، وصولاً إلى بناء سردية رقمية سيادية تحمي حكايتنا من التغييب. إنهم الجسر الذي يعبر بالهوية من الذاكرة إلى الاستمرارية، ليعيدوا تعريف علاقة الأرض بالإنسان بلغة العصر، مؤكدين أن الهوية الأردنية كيان حيّ يتطور ولا يندثر.

بجملة واحدة: ما الذي يجب ألا ننساه ونحن نكتب قصة الأردن؟

- يجب ألا ننسى أن خلف كل إنجازٍ وطنيٍّ حكاية إنسانٍ أردنيٍّ بسيط، صهرَ صمتَ الصخورِ بوهجِ الصبر، ليجعلَ من الانتماءِ فعلاً يومياً لا مجرد شعار.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم