كُتاب سرايا 27-04-2026 11:43 AM

الخطيب يكتب: جرائم المخدرات في الأردن… تراجع الأرقام لا يعني انتصار المعركة

منذ 4 ساعات
8019
 الخطيب يكتب: جرائم المخدرات في الأردن… تراجع الأرقام لا يعني انتصار المعركة
عقيد متقاعد محمد الخطيب

عقيد متقاعد محمد الخطيب

في كل مرة يصدر فيها تقرير إحصائي عن الجرائم، تتجه الأنظار مباشرة إلى الرقم الأهم: هل ارتفع أم انخفض؟ وفي تقرير مديرية الأمن العام الأخير حول جرائم المخدرات، يبدو المشهد للوهلة الأولى مطمئناً؛ انخفاض بنسبة 12.78% في إجمالي الجرائم، وتراجع ملحوظ في جرائم الاتجار. لكن، هل هذا كافٍ للقول إننا نقترب من حل المشكلة؟
الإجابة، ببساطة: لا.
الأرقام، حين تُقرأ بعمق، لا تقول فقط ما يظهر على السطح، بل تكشف ما هو أخطر… ما يجري تحت السطح.
فبينما تراجعت الجرائم إجمالاً، بقيت الحقيقة الأكثر دلالة أن أكثر من 71% من القضايا تتعلق بالحيازة والتعاطي. هذا الرقم وحده كفيل بإعادة توجيه بوصلة النقاش من “مكافحة المروجين” إلى “فهم سلوك المتعاطين”. نحن هنا لا نتحدث عن شبكات منظمة فقط، بل عن طلب مجتمعي مستمر يغذي هذه السوق.
بمعنى أدق: نجحنا نسبياً في تضييق الخناق على “العرض”… لكن “الطلب” ما زال قائماً، وربما يتوسع بصمت.
وإذا كان التراجع في جرائم الاتجار بنسبة تقارب 19% مؤشراً إيجابياً على فعالية الجهد الأمني، فإن تراجع جرائم التعاطي بنسبة أقل (10%)، مع احتفاظها بالحصة الأكبر، يكشف أن المشكلة لم تعد أمنية بحتة، بل اجتماعية – سلوكية – نفسية بالدرجة الأولى.
الأخطر من ذلك، أن المؤشر الزمني – جريمة كل 23 دقيقة و51 ثانية – لا يزال مرتفعاً. قد يكون أقل من العام السابق، لكنه لا يعبّر عن حالات معزولة، بل عن ظاهرة متجذرة تتكرر عشرات المرات يومياً.
أما على صعيد الفئات العمرية، فإن أرقام الأحداث تستحق التوقف طويلاً. صحيح أن العدد الإجمالي لم يرتفع، لكن زيادة جرائم التعاطي بين الأحداث تعني أن الفئة الأصغر سناً تدخل دائرة الخطر بوتيرة مقلقة. وهذا ليس رقماً عابراً، بل إنذار مبكر لمشكلة أكبر في المستقبل، إذا لم تُعالج من جذورها داخل الأسرة، والمدرسة، والمجتمع.
وفي قراءة البعد الجغرافي، قد يكون من الطبيعي أن تتصدر العاصمة الأرقام بحكم الكثافة السكانية، لكن توزيع الجرائم على مختلف الأقاليم يؤكد أن الظاهرة ليست محصورة، بل ممتدة أفقياً، ما يستدعي سياسات وطنية شاملة، لا معالجات موضعية.
أما فيما يتعلق بالأجانب، فإن التراجع الإجمالي في الجرائم يقابله ارتفاع في جرائم الاتجار، وهو ما قد يشير إلى تحولات نوعية في أنماط النشاط الإجرامي، تستدعي قراءة أمنية أكثر تخصصاً، وتعزيز أدوات الرصد والاستباق.
كل ذلك يقودنا إلى خلاصة لا بد من قولها بوضوح: نحن أمام تحسّن تكتيكي… لا تحول استراتيجي بعد.
ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن الجهود الكبيرة التي تبذلها إدارة مكافحة المخدرات، سواء على الصعيد العملياتي أو الاستخباري أو التوعوي. فقد شهدت الفترة الماضية تكثيفاً واضحاً في الضربات الاستباقية للشبكات الإجرامية، وتطويراً في أدوات الرصد والتحليل، إلى جانب حملات توعية ميدانية وإعلامية استهدفت المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية، في محاولة لمعالجة جذور المشكلة لا مظاهرها فقط. كما يبرز في هذا السياق الاهتمام والمتابعة الحثيثة من سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الذي يولي ملف المخدرات أولوية واضحة، من خلال دعمه للمبادرات الوطنية الهادفة إلى حماية الشباب وتعزيز الوقاية، بما يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة الظاهرة وضرورة التعامل معها برؤية شمولية تجمع بين الأمن والتنمية والوعي.
الجهد الأمني مهم وضروري، وقد أثبت فاعليته في ملاحقة الشبكات وتقليص نشاطها. لكن المعركة الحقيقية لم تعد فقط مع “التاجر”، بل مع “البيئة التي تنتج المتعاطي”.
وهنا، تتقدم أسئلة أكثر عمقاً: لماذا يتعاطى الشباب؟ ما الذي يدفع فرداً إلى الهروب نحو المخدر؟ هل هي البطالة؟ الفراغ؟ الضغوط النفسية؟ ضعف الوعي؟ أم مزيج من كل ذلك؟
الإجابة ليست واحدة، وبالتالي الحل لا يمكن أن يكون أحادياً.
نحن بحاجة إلى مقاربة متعددة الأبعاد:
• تعليمية تعزز الوعي المبكر
• إعلامية تكسر التهوين والتطبيع
• اجتماعية تعيد الاعتبار لدور الأسرة
• اقتصادية تفتح أبواب الأمل والعمل
• ونفسية توفر الدعم والعلاج قبل أن تتحول المشكلة إلى جريمة
النجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بعدد القضايا المسجلة، بل بعدد الحالات التي لم تصل أصلاً إلى الجريمة.
فالمخدرات ليست مجرد ملف أمني… بل مرآة لاختلالات أعمق في المجتمع.
ومواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ من الشارع فقط… بل من العقل، والوعي، والفرصة.
وعندها فقط… يمكن أن نقول إننا لا نخفض الأرقام فحسب، بل نغيّر الواقع.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم