حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الثلاثاء ,24 مارس, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5382

مراحل الطفولة بين الحقيقة والمبالغة بتحميلها مسؤولية الاضطرابات النفسية

مراحل الطفولة بين الحقيقة والمبالغة بتحميلها مسؤولية الاضطرابات النفسية

مراحل الطفولة بين الحقيقة والمبالغة بتحميلها مسؤولية الاضطرابات النفسية

24-03-2026 12:38 PM

تعديل حجم الخط:

سرايا - عمان- بين الحين والآخر، تنتشر فيديوهات لأشخاص يتحدثون عن مراحل الطفولة وما مروا به من أحداث وتجارب مؤلمة وقاسية، حيث البعض منهم ما عاشوه كسبب رئيسي وراء اضطراباتهم النفسية.
ويكثر الميل نحو المبالغة في ربط ما يعيشه الإنسان في حاضره من أزمات أو اضطرابات نفسية، بتجارب الطفولة القاسية. حتى أصبحت الطفولة في بعض الخطابات بمثابة شماعة تعلق عليها أخطاء الإنسان أو قراراته في الحاضر.
وهذا ما تراه سارة (26 عاما)، إذ تبين أن ما تمر به الآن من مشاكل نفسية، من اكتئاب وقلق مستمر، يعود إلى طفولتها التي لم تشعر فيها بالأمان، بحسب قولها.
وتوضح أن انفصال والديها وما رافقه من تشتت عاطفي ترك لديها شعورا بالخوف والوحدة، ما انعكس على قدرتها في بناء علاقات صداقة مستقرة.
تعترف أنها تواجه الفقد أو الخذلان حتى في علاقاتها الجديدة، الأمر الذي يدفعها للانسحاب أو التردد. ومؤخرا بدأت بمحاولة فهم ذاتها بشكل أفضل عبر الحصول على دعم نفسي يساعدها على تجاوز تلك المشاعر، مؤكدة أنها لا تريد أن تبقى أسيرة لما عاشته في الماضي.
بينما خالد (33 عاما)، فيرى أن قسوة والده عليه هي ما جعلته يشعر بقلق نفسي ويعاني من نوبات غضب مستمرة، دون أن يستطيع السيطرة عليها. هو يرى أن هناك مشاعر في داخله نمت منذ صغره وانعكست على سلوكياته وعلاقاته، وكانت سببا في فشل زواجه، إذ إن تمسكه بالماضي وذكرياته يدفعه إلى ردود فعل غير متزنة، بحسب قوله."حلقة مش قادر أطلع منها"؛ بهذه الكلمات يصف خالد طفولته، مبينا أنه مدرك أنه عالق فيها منذ سنوات طويلة، ويسعى للخروج منها.
وتلعب الطفولة دورا مهما في تشكيل ملامح الشخصية وبناء بعض أنماط التفكير والسلوك، لكن المبالغة في تحميلها مسؤولية كل ما يعانيه الإنسان لاحقا قد تختزل التجربة الإنسانية في سبب واحد فقط. والحقيقة أن حياة الإنسان تتأثر أيضا بظروفه اللاحقة، وخياراته الشخصية ووعيه وقدرته على التغيير، وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر توازنا، تعترف بأثر الطفولة دون أن تحولها إلى العامل الحاسم الوحيد في تشكيل مصير الإنسان النفسي.
الطفولة القاسية والمصير النفسي للإنسان
المتخصصة في الإرشاد النفسي والتربوي في الجامعة الهاشمية الدكتورة سعاد غيث، تشير الى أنه لا يوجد خلاف علمي يذكر حول أن تجارب الطفولة، خاصة تلك التي تتسم بالسلبية الشديدة أو التكرار، مثل الإهمال أو العنف أو سوء المعاملة الوالدية أو الاضطرابات الأسرية، تترك آثارا عميقة وممتدة على الصحة النفسية في المستقبل.
وأوضحت أن الدراسات العلمية الحديثة تشير بوضوح إلى ما يعرف بالخبرات السلبية في الطفولة، وارتباطها بارتفاع احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب واضطرابات التكيف، إضافة إلى بعض الصعوبات المرتبطة بالعلاقات والانفعالات.
وأظهرت العديد من الدراسات قوة هذه العلاقة، بما يؤكد أن تأثير الطفولة حقيقي وليس مجرد وهم أو تفسير مبالغ فيه، بحسب غيث. ومع ذلك، من الضروري التأكيد على أن تأثير الخبرات الصادمة أو الصعبة في الطفولة هو تأثير احتمالي لا حتمي، بحسب غيث، بمعنى أن الطفولة القاسية قد تزيد من قابلية الفرد للتعرض لبعض الصعوبات النفسية، لكنها لا تحكم عليه حكما نهائيا، ولا ترسم مصيره النفسي بصورة مغلقة أو قطعية.
وتشير غيث إلى أن الإنسان كائن نمائي يتأثر عبر مسار حياته بأكمله، وليس فقط خلال سنواته الأولى، إذ تلعب عوامل لاحقة دورا بالغ الأهمية في تشكيل شخصيته وصحته النفسية، مثل التعليم والعلاقات الاجتماعية والبيئة الجامعية، ووسائل الإعلام والمؤثرات الثقافية، والصداقات، والتخصص الدراسي، والفرص المتاحة، وشريك الحياة.
إلى ذلك؛ مستوى الدعم الاجتماعي والظروف الاقتصادية، وإمكانية الحصول على العلاج النفسي، وتنمية الوعي الذاتي، واكتساب المهارات اللازمة لتنظيم الانفعالات وضبط المشاعر.
وتبين أن هذه العوامل مجتمعة قادرة على تعديل أثر تجارب الطفولة، ما يؤكد أن الطفولة تسهم في تشكيل الاستعدادات النفسية، لكنها ليست التفسير الوحيد ولا العامل الحاسم.
الاضطرابات ما بين تجارب مبكرة وضغوط حياتية
ومن منظور إكلينيكي وعلاجي، تبين غيث أنه لا ينبغي التعامل مع الطفولة باعتبارها السبب الوحيد أو التفسير المغلق لكل المشكلات النفسية، بل ينظر إليها كأحد المكونات ضمن مجموعة معقدة من العوامل، فبعض الاضطرابات النفسية قد تنشأ نتيجة تفاعل مركب بين تجارب مبكرة وضغوط حياتية راهنة. وعلى سبيل المثال، قد تسهم تنشئة صعبة في ظهور مشكلات نفسية، لكن وجود علاقة زوجية ناجحة لاحقا قد يخفف من حدتها.
من جانب آخر، هناك من مر بطفولة قاسية، لكنه استطاع بناء قدرات عالية من الصلابة النفسية في مراحل لاحقة، وفي المقابل قد يعاني شخص آخر من صعوبات نفسية بسبب ظروف حالية قاسية، رغم أنه لم يمر بتجارب طفولة صعبة، وذلك نتيجة افتقاره إلى مهارات المواجهة والتكيف.
وتؤكد غيث أن هذه النقطة من أهم ما يجب التوقف عنده لفهم الصحة النفسية، بوصفها نتاجاً لتفاعل مستمر بين الماضي والحاضر، وليس انعكاسا حتميا لتجارب الطفولة وحدها.
الإنسان قادر على التعافي وفهم ذاته
وتشدد غيث على أن الأسرة الواعية لا تدعي الكمال، ولا تنكر وقوعها في سلوكيات خاطئة، لكنها في الوقت ذاته لا ترسخ لدى الأبناء فكرة أنها دمرت حياتهم أو أنها السبب المطلق في معاناتهم. إن الموقف الصحي يقوم على الاعتراف المتوازن، أي الإقرار بوقوع الأخطاء دون تحميلها أكثر مما تحتمل، مع التأكيد أن هذه الأخطاء لم تصدر عن سوء نية، وإنما قد تكون نتيجة جهل أو نقص في الخبرة أو في مهارات التربية.
وتؤكد غيث أن الأخطاء التربوية، رغم ما قد تتركه من آثار، لا تعني نهاية الطريق، فالإنسان قادر على التعافي، وعلى فهم ذاته وبناء شخصيته، وتطوير مهارات جديدة طوال حياته.
ووفق غيث، فإن قدرات الانسان العقلية تتطور، وذكاءه ينمو، مما يتيح له تعلم سلوكيات وأساليب أفضل للتعامل مع التحديات، مؤكدة بذلك أن الخطاب الأسري المتوازن يخفف من مشاعر اللوم، وفي الوقت ذاته يحافظ على الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية.
وتضيف أن المسؤولية الفردية تظل قائمة، إذ إن كل إنسان مسؤول عن أفعاله وخياراته، ولا يمكنه أن يعزو كل ما يمر به إلى أخطاء والديه، وتقول غيث "الإنسان مطالب بأن يمسك زمام حياته، وأن يتحمل مسؤولية مساره، ويسعى إلى تحسين واقعه".
ومن الناحية التربوية والنفسية، تبين انه من المهم أن تتبنى الأسرة ثقافة الإصلاح، والتي تقوم على الاعتذار الصادق عند الخطأ والإنصات لمشاعر الأبناء، والتحقق من احتياجاتهم، والسعي إلى التعديل والتصحيح.
الأمان النفسي والقدرة على الإصلاح
وتلفت الى أن هذه الممارسات ذات قيمة كبيرة، وقد أكدت الدراسات في مجال العلاقات الإنسانية أهميتها، حيث إن جودة العلاقة بين الآباء والأبناء لا تقاس بغياب الأخطاء أو الأزمات، بل بوجود الأمان النفسي والقدرة على الإصلاح بعد التوتر أو سوء الفهم.
وعندما يخطئ الوالدان، فإن الاعتذار، وتقديم الدعم، والإصغاء والتشجيع، جميعها عناصر تساهم في خلق بيئة آمنة، تخفف من الآثار النفسية لأي سلوك غير سليم، فالمهم ليس غياب الخطأ، بل كيفية التعامل معه.
وتؤكد غيث أنه من الأنسب أن تتبنى الأسرة نهجا يقوم على توجيه الأبناء نحو التفكير الناضج، بحيث لا ينشغلون بالسؤال عن المخطئ ومن السبب في ما وصلوا إليه، بل يتعلمون طرح سؤال أكثر فاعلية وهو "ما الذي أحتاجه الآن لأعيش بصورة أفضل؟"
ووفقا لذلك فإن هذا التحول من التركيز على تفسير الماضي إلى العمل على تحسين الحاضر يعد من أهم مرتكزات الصحة النفسية، فالتجارب السابقة، مهما كانت صعبة، لا ينبغي إنكارها، لكنها في الوقت نفسه لا تمثل هوية ثابتة للإنسان، ولا يجب أن تكون مبرراً للتوقف عن النمو والتطور. ووفقا لذلك تبين أن الحاضر يظل دائما مساحة مفتوحة للاستثمار في التغيير والتحسين والتعافي من أي خبرات سابقة.
وتشدد غيث على أن تحقيق هذا التحول يتطلب قدراً من الوعي، حتى يتمكن الإنسان من الانتقال من موقع الضحية إلى موقع الفاعل القادر على تجاوز التحديات، وبناء حياة أكثر توازناً، مهما كانت التجارب التي مر بها.
ما تأثير مواقع التواصل الاجتماعي؟
وفي إجابتها على سؤال، هل نعيش اليوم حالة من المبالغة في تفسير المشكلات النفسية من خلال العودة إلى الطفولة القاسية، وما خطورة هذا التبسيط؛ توضح غيث أننا نعيش بالفعل في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والخطابات الرقمية والإعلامية حالة من التبسيط المفرط لمفهوم الطفولة الجريحة والصدمات المبكرة.
والمشكلة لا تكمن في الاعتراف بأثر الطفولة، فهذا أمر علمي ومشروع، بل في تحويل هذا الأثر إلى تفسير جاهز وشامل لكل معاناة نفسية، أو تعثر مهني أو فشل عاطفي أو اضطراب في السلوك، أو خلل في العلاقات مع الآخرين، سواء مع الأبناء أو الأزواج.
هذا الطرح يختزل الإنسان في سبب واحد، بينما الحقيقة أن الصحة النفسية هي نتيجة تفاعل معقد بين عوامل متعددة، تشمل الجوانب النمائية والبيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية والحياتية.
وتذكر غيث أنه تكمن خطورة هذا التفسير المبسط في عدة جوانب، أولها أنه قد يدفع الإنسان إلى التمركز حول الماضي، فيصبح أسيراً له، وينشغل بتفسير معاناته بدلاً من العمل على معالجتها في الحاضر. فقد يدرك أن بعض تجاربه في الطفولة ساهمت في ما يعانيه اليوم، لكن السؤال الأهم هو "ماذا سيفعل الآن؟ هل سيبقى في موقع الضحية، أم سيتحمل مسؤولية التغيير؟"
هذا التوجه قد يعزز ما يعرف بالعجز المكتسب، حيث يشعر الإنسان أن ما مر به في طفولته قد حدد مستقبله النفسي بشكل نهائي، فيفقد الأمل في التغيير، ويستسلم للواقع. ومن المخاطر بحسب غيث تحميل الوالدين وحدهم مسؤولية كل ما يمر به الأبناء في مراحل لاحقة من حياتهم، مع تجاهل تأثير عوامل أخرى مهمة، مثل المدرسة، الأصدقاء، البيئة الاجتماعية، الظروف الاقتصادية، والخبرات اللاحقة، وحتى البيئة الرقمية، إضافة إلى القرارات الشخصية التي يتخذها الإنسان.
الفهم يبدأ من الماضي لكن التغيير يحدث بالحاضر
علاجيا، فإن المبالغة في رد كل شيء إلى الطفولة قد لا تكون مفيدة بحسب غيث، بل قد تعيق عملية التغيير، موضحة أن الفهم يمكن أن يبدأ من الماضي، لكن التغيير يحدث في الحاضر، ضمن المعطيات والظروف الحالية. وتؤكد غيث أنه في الحاضر يستطيع الإنسان أن يبني مهارات جديدة، ويعزز عوامل الحماية، ويزيد من مرونته النفسية، ويحدث تغييرات في بيئته وسلوكياته، بما ينعكس إيجاباً على جودة حياته.
والخلاصة بحسب غيث، أن الطفولة وتجاربها ليست وهماً، بل هي جزء مهم من تشكيل الإنسان، لكنها ليست العامل الوحيد، ولا يمكن أن تختزل حياة الانسان أو تحدد مستقبله بشكل مطلق. فالإنسان قادر دائماً على التعافي والنمو، بل إن بعض الصدمات قد تكون دافعاً لما يعرف بالنمو ما بعد الصدمة، حيث يتمكن الفرد من استخراج أفضل ما لديه، وتطوير ذاته، وتحقيق توازن جديد في حياته.
وفي ختام حديثها تبين غيث أن النظرة التي تحصر الإنسان في ماضيه أو تجعله أسيراً له هي نظرة قاصرة، والأجدر هو تبني رؤية أكثر شمولاً توازن بين فهم الماضي والعمل في الحاضر والتطلع إلى المستقبل.








طباعة
  • المشاهدات: 5382
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
24-03-2026 12:38 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضا

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم