حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الأحد ,18 يناير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 5529

د. هيثم علي حجازي يكتب: مستقبل التنمية البشرية في ظل التغيرات العالمية

د. هيثم علي حجازي يكتب: مستقبل التنمية البشرية في ظل التغيرات العالمية

د. هيثم علي حجازي يكتب: مستقبل التنمية البشرية في ظل التغيرات العالمية

18-01-2026 10:49 AM

تعديل حجم الخط:

بقلم : د. هيثم علي حجازي
لم تعد التنمية البشرية مفهوما تقليديا يمكن اختزاله في أرقام الدخل أو مؤشرات التعليم والصحة، بل أصبحت اليوم سؤالا مفتوحا عن مستقبل الإنسان نفسه في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. فالثورات الرقمية، والتحولات الاقتصادية، والتحديات البيئية، والتغيرات الديموغرافية، لم تعد ظواهر منفصلة، بل سياقا عالميا ضاغطا يعيد تشكيل أنماط الحياة والعمل والمعرفة. وفي هذا المشهد المتسارع، تبرز التنمية البشرية بوصفها الإطار الأكثر قدرة على مقاربة هذه التحولات، ليس باعتبارها استجابة ظرفية، بل رؤيا استراتيجية تعيد وضع الإنسان في قلب المعادلة التنموية، بوصفه فاعلا وشريكا في صناعة المستقبل لا مجرد متلقٍ لنتائجه
وفي ظل هذه التحولات، لم يعد من الممكن التعامل مع التنمية البشرية باعتبارها استجابة ظرفية أو سياسات قصيرة الأمد، بل باتت تتطلب رؤيا مستقبلية بعيدة المدى، قادرة على إعادة تعريف مفهوم التنمية ذاته، بدءا من التركيز على المؤشرات الكمية الجامدة إلى الاهتمام ببناء الإنسان، وتنمية قدراته، وتعزيز وعيه، وتمكينه من التفاعل الإيجابي مع المتغيرات العالمية.
ويبرز في هذا السياق مفهوم التنمية البشرية المتجددة بوصفه أنموذجا تنمويا ديناميكيا يتجاوز المقاربات التقليدية. إذ أن هذا الأنموذج لا يقتصر على تحسين شروط الحياة المادية، بل يركز على بناء القدرات الإنسانية بصورة مستمرة، وتعزيز المرونة الفكرية، والقدرة على التعلم مدى الحياة، والمشاركة الفاعلة في الشأن العام؛ كما ينطلق من اعتبار الإنسان محور التنمية وغايتها، لا مجرد أداة لتحقيق النمو الاقتصادي.
تستند التنمية البشرية المتجددة إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها التعليم المرن والمستدام القائم على التفكير النقدي، والابتكار، وبناء المهارات، بدلا من الاقتصار على التلقين ونقل المعرفة. كما تشمل التمكين الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، إلى جانب الحوكمة الرشيدة التي تضمن الشفافية، والمساءلة، والمشاركة المجتمعية. ويضاف إلى ذلك تعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع المخاطر العالمية والاضطرابات المحتملة، سواء كانت اقتصادية أو بيئية أو تكنولوجية.
ومما لا شك فيه أن مسارات التنمية البشرية تتأثر بعدد من المتغيرات العالمية المؤثرة التي يجب إيلاؤها العناية الكافية. فالتغيرات الاقتصادية العالمية تمثل أحد أبرز هذه العوامل، في ظل التحول نحو اقتصاد المعرفة، وتراجع أنماط العمل التقليدية، واتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية. وقد أفرزت هذه التحولات تحديات جديدة تتعلق بإعادة تعريف مفهوم العمل، والأمان الوظيفي، والحماية الاجتماعية، بما يحفظ كرامة الإنسان في ظل اقتصاد يتسم بالتقلب وعدم اليقين.
كما تمثل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي عاملا حاسما في إعادة تشكيل مستقبل التنمية البشرية. فرغم ما أتاحته هذه الثورة من فرص غير مسبوقة لزيادة الإنتاجية وتوسيع نطاق المعرفة، فإنها في المقابل تثير مخاوف جدية تتعلق بإقصاء فئات واسعة من سوق العمل. ومن هنا، تبرز أهمية توجيه التنمية البشرية نحو تأهيل الإنسان للتكامل مع التكنولوجيا، عبر تنمية المهارات الإبداعية، والإنسانية، والأخلاقية التي لا يمكن استبدالها أو استنساخها تقنيا.
ويُعد التغير المناخي من أخطر التحديات المعاصرة التي تؤثر بشكل مباشر في مسارات التنمية البشرية. إذ لم يعد هذا التحدي قضية بيئية منفصلة، بل أصبح مسألة تنموية وإنسانية ذات أبعاد متعددة، تمس الأمن الغذائي، والصحة العامة، وحركات الهجرة، والاستقرار الاجتماعي. وعليه، فإن أي تصور حديث للتنمية البشرية لا بد أن يدمج البعد البيئي في صلب السياسات التنموية، بوصفه شرطا أساسيا لتحقيق الاستدامة.
وتشهد المجتمعات الإنسانية، في الوقت ذاته، تحولات سكانية واجتماعية متباينة، تتراوح بين الشيخوخة السكانية في بعض الدول، والتضخم الشبابي في دول أخرى، فضلا عن التحولات في أنماط الأسرة والهوية والانتماء. وتفرض هذه التحولات ضرورة تبني سياسات تنموية مرنة تراعي التنوع الاجتماعي، وتستثمر الطاقات الكامنة لدى مختلف الفئات العمرية، بدلا من التعامل معها بوصفها تحديا ديموغرافيا فقط.
وفي هذا الإطار، يكتسب التعليم بعدا استراتيجيا متجددا، إذ لم يعد محصورا في مرحلة زمنية محددة، بل أصبح عملية مستمرة تمتد على مدى عمر الإنسان. ويتمثل التحدي الحقيقي في بناء أنظمة تعليمية قادرة على تنمية مهارات التحليل، والتعلم الذاتي، والقدرة على إعادة التأهيل المستمر، بما يواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل.
ومن القضايا المستجدة التي تفرض نفسها بقوة مسألة العدالة الرقمية، إذ أفرز العالم الرقمي فجوة جديدة تتعلق بعدم تكافؤ الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة الرقمية. وتغدو العدالة الرقمية شرطا أساسيا لتحقيق تنمية بشرية عادلة وشاملة، تضمن مشاركة جميع فئات المجتمع في ثمار التقدم التكنولوجي.
وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، يبرز موضوع القيم الإنسانية بوصفه التحدي الأعمق أمام التنمية البشرية. فالتنمية لا يمكن أن تنفصل عن قيم الكرامة الإنسانية، والحرية، والتضامن، والمسؤولية. فالتقدم المادي والتقني، إذا لم يتم ضبطه بإطار قيمي وأخلاقي، قد يؤدي إلى اغتراب الإنسان بدل تمكينه.
على مستوى العالم العربي، تواجه التنمية البشرية تحديات مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والسياسية والتعليمية. فعلى الرغم من الإمكانات البشرية الكبيرة، لا تزال معدلات البطالة، وضعف جودة التعليم، وهجرة الكفاءات، تشكل عوائق رئيسية أمام تحقيق تنمية مستدامة. ويكمن التحدي الجوهري في الانتقال من نماذج تنموية ريعية أو تقليدية إلى نماذج قائمة على المعرفة، والابتكار، والمشاركة المجتمعية، مع تعزيز دور الشباب والمرأة بوصفهما ركيزتين أساسيتين لأي مشروع نهضوي مستقبلي.
إن مستقبل التنمية البشرية لا يُقاس فقط بمدى القدرة على مواكبة التحولات العالمية، بل بمدى القدرة على توجيهها لصالح الإنسان. فالتنمية البشرية، في جوهرها، ليست مشروعا تقنيا ولا وصفة جاهزة، بل مسارا مستمرا لإعادة بناء الإنسان بوصفه كائنا واعيا، متعلما، قادرا على التكيف والإبداع، ومسؤولا عن خياراته الفردية والجماعية. وفي عالم يتسم بالتعقيد وعدم اليقين، تصبح التنمية البشرية الرهان الحقيقي لتحقيق توازن دقيق بين التقدم المادي والارتقاء القيمي، وبين الابتكار والعدالة، وبين السرعة والإنسانية. ولم يعد السؤال اليوم كيف نلحق بركب المستقبل، بل كيف نُسهم في صياغته برؤيا واعية تجعل الإنسان غايته الأولى وحدوده الأخلاقية العليا.











طباعة
  • المشاهدات: 5529
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
18-01-2026 10:49 AM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل ينجح ترامب من خلال محاكمة مادورو في إثبات قانونية العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم