30-11-2025 08:44 AM
بقلم : الدكتور فارس العمارات
انتقلت البشرية من عصر الحداثة إلى عصر المعلومات، وصولًا إلى العصر الرقمي، مما فتح الباب واسعًا لدراسة تأثيرات هذا التحول على الإنسان المعاصر الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من هذه الحقبة. لا شك أن الرقمنة، مع تقدم التطبيقات الذكية، ظهور الذكاء الاصطناعي، والتوسع الهائل في البيانات الضخمة، أثرت على الأفراد والمجتمعات بشكل جذري. ففي هذا العالم الجديد، أصبحت الأفكار، المشاعر، الهويات، وحتى القلق الشخصي للإنسان تُعبر عنها عبر بيانات رقمية يتم تخزينها في قاعدة بيانات ضخمة، مما أدى إلى تغييرات جوهرية في طبيعة الإنسان وفهمه لذاته.
و تساهم النزاعات السياسية العالمية، الميل نحو الهيمنة، سيطرة الثقافة والفكر على الاقتصاد، وعولمة الاستهلاك، في تشكيل هوية الإنسان العصري بصورة غير مألوفة. وقد تحول مفهوم الهوية التقليدية إلى نموذج أكثر تعقيدًا ليشمل أنماطًا متعددة مثل الهوية الافتراضية، الرقمية، الإنترنتية والواقعية، وكل هذا جاء نتيجة للتغيرات المتسارعة .
والهوية الرقمية تمثل انعكاسًا لوجود الإنسان في العالم الافتراضي، فهي هوية "أونلاين" يصممها المستخدمون داخل المجتمعات الرقمية والمنصات الإلكترونية. وبالتالي، يكتسب الأفراد الذين يعيشون هذه التجربة عبر الشاشات أنماطًا سلوكية وتفكيرية مغايرة تمكنهم من التعبير عن أنفسهم وتعزيز الروابط الاجتماعية.
وتتصف الهوية الرقمية بأنها غير ثابتة ومتعددة، مما يتيح تجاوز المحدودية التي قد تفرضها الهوية الأصلية التقليدية. أما الهوية الافتراضية فهي نوع مميز من الهويات الرقمية وتعتبر كيانًا متغيرًا يرتبط أحيانًا بالحقيقة الشخصية للفرد أو يبتعد عنها،و تتشكل هذه الهوية من خلال التفاعلات الاجتماعية عبر الفضاء الرقمي وتضم عناصر متنوعة من الصور الرمزية والنصوص التي تُجسد الشخصية الافتراضية في ملف غير ملموس. بالمقابل، تتميز الهوية الواقعية بثباتها وقوامها الواضح في سياق الحياة الاجتماعية المباشرة المرتبطة بالمكان والزمان والقيم المشتركة التي تنبع من التفاعل الاجتماعي المستمر.
والهوية الواقعية تعكس حقيقة يقوم أساسها على قيم التفاعل المباشر بين الأفراد، وتتصل بعوامل تاريخية وجغرافية تؤثر في تشكيلها. أما الهوية الافتراضية فتفتقر إلى الثبات، حيث توجد في فضاء رقمي يعترف بالتعدد والتنوع دون مركزية واضحة، مما يكسر الحدود الجغرافية والثقافية في سبيل اتصال عالمي،وفي كثير من الحالات، تتحول الهوية الرقمية على الإنترنت إلى نسخة مشوهة عن الذات الحقيقية نتيجة ميلها إلى التشبه بالسلعة. يدفع هذا المستخدمين إلى إجراء تعديلات مستمرة على صورتهم الذاتية لمواكبة التنافس المحتدم حول تقديم النموذج المثالي سواء الشكل أو التأثير. ومن هنا ينبثق مزيج بين الهوية الواقعية والرقمية يؤدي إلى بناء شخصية موازية وقد تكون مختلفة تمامًا عن الأصل، وهذا يتجلى بشكل واضح في عالم وسائل التواصل الاجتماعي متعدد الهويات .
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
30-11-2025 08:44 AM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||