29-11-2025 08:50 PM
سرايا - في ظل علاقة اتسمت بالتوتر المزمن وانعدام الثقة المتابدلة بين البلدين على مدى سنوات، تصاعدت الخلافات بين باكستان وأفغانستان لتطال الجانب الاقتصادي، حيث أثّر التصعيد السياسي المتكرر على حركة التجارة بين البلدين بشكل مباشر، مما هدد العلاقات التجارية والاقتصادية التي لطالما كانت حيوية لكليهما.
وقد شهدت العلاقات بين البلدين الشهر الماضي انحدارا حادا لم تشهد مثله العلاقات على الأقل منذ تولي حركة طالبان للسلطة في أفغانستان. حيث شهدت الحدود اشتباكات على مدار أيام أدت إلى مقتل العشرات من الطرفين، حتى توقف القتال بوساطة قطرية تركية.
جهود الوساطة لم تُفلح في تقريب وجهات النظر، حيث فشلت جولات المحادثات في التوصل لاتفاق دائم بين الطرفين، وهو ما فتح الباب أمام استمرار التوترات والتصعيد على كافة الأصعدة بين البلدين.
فبعد الوصول إلى طريق مسدود في الجولة الثالثة من محادثات إسطنبول أعلنت كابل تحوّلا جذريا في سياساتها التجارية، داعية التجار إلى الاستغناء عن باكستان والانتقال إلى طرق بديلة للاستيراد والتصدير.
تحول جذري للتجارة الأفغانية
مع كل جولة للتصعيد العسكري والسياسي بين البلدين، تكون المعابر أكثر عرضة للإغلاق أمام حركة التجارة ومرور الشاحنات، كما تتأثر تجارة الترانزيت الأفغانية التي تمر عبر الأراضي الباكستانية بشكل كبير، مما يجعل القطاع التجاري الأفغاني عرضة للخسارة.
وبعد فشل الجولة الثالثة من المحادثات في 7 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أعلنت أفغانستان في 12 من الشهر نفسه على لسان نائب رئيس الوزراء الأفغاني للشؤون الاقتصادية الملا عبد الغني برادر أنها ستبحث عن طريق تجارية بديلة عن باكستان، كما أعلن أن الحكومة الأفغانية لن تتعاون مع أي تجار أفغان يستمرون في التعامل التجاري مع باكستان.
كما انتقد الملا برادر تردي جودة الأدوية المستوردة من باكستان، وأعلن أن أمام مستوردي الأدوية مهلة 3 أشهر لإغلاق حساباتهم وإنهاء تعاملاتهم التجارية هناك.
وأكد أنه على باكستان تقديم ضمانات قاطعة بعدم إغلاق هذه الطرق مرة أخرى تحت أي ظرف من الظروف، إذا رغبت في إعادة فتح طرق التجارة مع أفغانستان هذه المرة.
وفي نهاية أكتوبر/تشرين الأول، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، السفير طاهر حسين أندرابي، أن جميع المعابر بين باكستان وأفغانستان مغلقة أمام حركة التجارة، وأنها ستظل مغلقة حتى إشعار آخر، كما أكد أن مسألة إعادة فتح المعابر تتعلق باعتبارات أمنية.
وفي رده على الإعلان الأفغاني، قال أندرابي في ملخص الخارجية الباكستانية في منتصف الشهر الجاري إن تجارة الترانزيت الأفغانية لن تعمل مجددا حتى تتخذ الحكومة الأفغانية إجراءات ضد "الجماعات الإرهابية" التي تهاجم باكستان منطلقة من أفغانستان، مؤكدا حرص باكستان على تطوير التجارة الإقليمية.
وفي خضم هذه الأزمة، وبعد قرار أفغانستان بتعليق التجارة مع باكستان، زار وزير التجارة والصناعة الأفغاني نور الدين عزيزي إيران في 14 نوفمبر/تشرين الثاني. حيث ركز على اهتمام بلاده في استخدام ميناء تشابهار – الذي يتم تطويره بمشاركة الهند – كأحد الطرق المهمة للتجارة الأفغانية، وذلك من تشابهار إلى محطة ميلك الحدودية بين إيران وأفغانستان.
وبعدها توجه عزيزي إلى الهند، حيث اجتمع بكبار المسؤولين الهنود بما في ذلك وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، ووزير التجارة الهندي، بيوش غويال، حيث أفادت وزارة التجارة والصناعة الأفغانية، أن الجانبين ناقشا تفعيل ميناء تشابهار، وإقامة روابط تجارية بين البلدين.
تبادلات تجارية متقلبة
وفقا لبيانات وزارة الخارجية الباكستانية، تُعتبر باكستان هي أكبر شريك تجاري (صادرات وواردات) لأفغانستان، حيث تُعتبر باكستان هي أكبر وجهة تصدير و ثالث أكبر شريك استيراد لأفغانستان، مع وجود العديد من نقاط العبور الحدودية للتجارة الثنائية بين البلدين، مثل تورخام، وشامان.
وفقا لمجلس الأعمال الباكستاني، تصدر باكستان في المقام الأول المنتجات الغذائية والأسمنت والأدوية والمنسوجات والسلع المصنعة إلى أفغانستان. من ناحية أخرى، تصدر أفغانستان الفواكه الطازجة والمجففة والخضراوات والمعادن إلى باكستان.
وتشير دراسة للمجلس صادرة في مايو/أيار 2025 إلى أن صادرات باكستان إلى أفغانستان شهدت اتجاها تصاعديا قويا خلال الفترة المحددة بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 7.55% خلال الفترة من 2020 إلى 2024.
ففي عام 2020، صدرت باكستان بضائع بقيمة 852.31 مليون دولار، ووصلت إلى 1.14 مليار دولار في عام 2024 لتسجل أعلى قيمة للصادرات.
من ناحية أخرى، شهدت واردات باكستان من أفغانستان تقلباتٍ أكبر. فقد ارتفعت من 468.34 مليون دولار في عام 2020 إلى ذروة بلغت 880.07 مليون دولار في عام 2023 قبل أن تشهد انخفاضا حادا العام الماضي إلى 566.44 مليون دولار.
ورغم هذا التقلب، شهد اتجاه الواردات العام نموا معتدلا بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 4.87%.
اضطرابات للتجار والمصانع
وفي هذا السياق، يقول الخبير في العلاقات الباكستانية الأفغانية، ومدير مركز دراسات منتدى الشباب الباكستاني الآسيوي سلمان جاويد، إن ما تصدره باكستان لأفغانستان يمثل ما يقرب من 20% من صادراتها الإقليمية من الأغذية والأدوية، إلا أن هذه النسبة لا تُمثّل سوى 3-5% من إجمالي سلة صادرات باكستان التي تتراوح قيمتها بين 30 و40 مليار دولار.
ويرى جاويد ، أنه على المدى القصير، تُشكّل الخسائر التي تتراوح بين 400 و700 مليون دولار على مدى 6 أشهر، مصدر إزعاج للمصدرين لكنها قابلة للإدارة من قِبَل الدولة، وتتركز بشكل كبير في دقيق القمح والأرز والمنتجات الطازجة والأدوية منخفضة التكلفة، بحسب الجزيرة.
ويضيف جاويد، منتجو الأدوية الباكستانيون كانوا يُورّدون سابقا ما بين 30 و40% من الأدوية إلى أفغانستان، تأخيرا في المدفوعات وخطوط إنتاجٍ مُعطّلة. ومع ذلك، لا تُترجم هذه الانتكاسات القطاعية إلى عدم استقرار على المستوى الكلي.
ويعتقد جاويد أن الاقتصاد الباكستاني يمكنه استيعاب هذا الاضطراب لأن الصادرات الموجهة إلى أفغانستان لا تُشكل سوى 3-5% من الصادرات الوطنية، حيث يقع الضغط الحقيقي على المناطق الحدودية والمصدرين متوسطي الحجم، وليس على الوضع الاقتصادي الكلي للدولة.
من جهته قال الكاتب والخبير في العلاقات الباكستانية الأفغانية شهاب يوسفزي، إن باكستان تواجه صدمة تصديرية فورية تزيد عن 900 مليون دولار، مع توقف 20% من صادراتها من الأغذية والأدوية، مضيفا أنه على المدى القصير هناك احتمالية لتجميد التدفقات النقدية، وتعرض السلع القابلة للتلف لخطر التلف، واحتمال انهيار الشركات الصغيرة والمتوسطة في المناطق الحدودية.
وأضاف يوسفزي، على المدى المتوسط، سيحدث انخفاض للإنتاج الصناعي، واضطرابات في سلاسل التوريد، وضغط تنازلي على الناتج المحلي الإجمالي، مما قد يؤدي إلى تراجع النمو بنسبة 3-5% في القطاعات المتضررة.
ويعتقد يوسفزي أن القطاعات الأكثر تأثرا ستكون في تصنيع الأغذية، والحبوب، والفواكه والخضراوات، والسكر، والأدوية. في حين سيكون هناك نحو 14 ألف وظيفة في القطاع الرسمي مهددة، وضغط إضافي على الخدمات اللوجستية، والتخزين البارد، والتغليف. في حين ستكون المناطق الأكثر تضررا هي أقاليم خيبر بختونخوا، وبلوشستان، والمناطق الحدودية في البنجاب.
إجراءات ممكنة لباكستان
يرى سلمان جاويد، أن باكستان لا تزال تحتفظ بأدوات سياسية لتخفيف تداعيات الأزمة على القطاعات المتضررة، حيث يرى أن ثمة إجراءات يمكن اتخاذها للتقليل من آثار الأزمة:
• إعادة توجيه حوافز التصدير لتوسيع نطاق الصناعات الدوائية والأسمنتية والزراعية الباكستانية إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى.
• يمكن للإعفاءات الضريبية الموجهة والتمويل الميسر دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في خيبر وشامان، في حين يمكن لتجمعات الخدمات اللوجستية في كراتشي التكيف من خلال إعادة توجيه طاقتها إلى خطوط الشحن الخليجية والأفريقية.
• يمكن لباكستان تسريع تنويع أسواقها، حيث تشهد صادرات الأدوية نموا بنسبة 34% على أساس سنوي، ويتمتع منتجو الأسمنت والأغذية الباكستانيون بفرص واعدة في أسواق الخليج وأفريقيا وآسيا الوسطى.
• دبلوماسيا، يُمكن للتنسيق الفني من خلال سلطات الجمارك والغرف التجارية ولجان الحدود إعادة بناء التدفقات التجارية دون تقديم تنازلات سياسية.
ويختم جاويد قائلا، إنه يمكن لباكستان التكيف مع انخفاض التجارة الأفغانية؛ بينما لا يُمكن لأفغانستان بسهولة استبدال ممرات باكستان أو قدرتها الإنتاجية أو لوجستياتها المقاومة للشتاء.
من جهته يقول شهاب يوسفزي، إن ثمة خيارات يمكن العمل عليها:
• استهداف صادرات الأغذية والأدوية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا، للتخفيف من الخسائر على المدى المتوسط.
• التواصل الدبلوماسي من خلال إشراك كابل والوسطاء الإقليميين لإعادة فتح التجارة.
• أدوات السياسة التجارية من خلال دعم الصادرات، والإعفاءات الضريبية المؤقتة، وحوافز للسلع القابلة للتلف. ودعم المصنّعين والعمال.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
29-11-2025 08:50 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||