سرايا - في خطابه أمام البرلمان الأوروبي، أعاد جلالة الملك عبدالله الثاني التذكير بما يبدو أن العالم قد أضاعه وسط الركام السياسي والحسابات الباردة من على منبر برلمان يمثل ذاكرة أوروبا الأخلاقية، إذ جاء الخطاب الأردني ليكون أكثر من مجرد موقف، بل صدمة أخلاقية مدروسة في وجه عالم يفقد توازنه، ويكاد يفقد بوصلته الأخلاقية، مستخدماً لغة غير مسبوقة في المباشرة والوضوح وتعرية «السائد المخزي».
جاء الخطاب، بتوقيته ومضامينه، ليكون نداءً استثنائياً في لحظة تاريخية يعصف بها الانقسام والتخاذل، حيث لا تكاد تمر أزمة حتى تلحقها أخرى، بينما «الكراهية والانقسام يزدهران، والاعتدال والقيم العالمية تتراجع أمام التطرف الأيديولوجي»، بحسب تعبير الملك. ومن هنا، بدا حديثه كأنه محاولة لإعادة ضبط المسطرة الأخلاقية، لا للأوروبيين وحدهم، بل للأسرة الدولية برمتها.
الملك لم يتحدث عن غزة بوصفها فقط جرحاً نازفاً، بل بوصفها مقياساً حاسماً لانهيار النظام القيمي العالمي. قالها بوضوح: «ما لا يمكن تصوره أصبح اعتيادياً»، وتحوّلت المجازر إلى روتين دموي عابر، حتى «أن الهجمات على مرافق الرعاية الصحية في غزة، التي بلغت قرابة 700 هجوم، بالكاد تُذكر».
جلالة الملك، وهو يذكر أوروبا بماضيها القريب، ذكّرها أيضًا بخياراتها بعد الحرب العالمية الثانية، حين اختارت القيم لا الانتقام، واحترام الكرامة الإنسانية لا الهيمنة. «لقد استنتجت أوروبا في أعقاب الحرب أن الأمن الحقيقي لا يكمن في قوة الجيوش، بل في قوة القيم المشتركة»، قال الملك، موجهًا حديثه مباشرة إلى وجدان القارة لا إلى مؤسساتها فقط.
هذا ليس خطابًا عاطفيًا ولا نداءً معزولاً. إنه بناء محكم لقضية القيم باعتبارها الضمانة الحقيقية للسلم العالمي، ومفتاح بقاء العالم ككيان أخلاقي جامع. الملك وضع المجتمع الدولي أمام خياراته الجوهرية: «بين السلطة والمبدأ، بين حكم القانون أو حكم القوة، بين التراجع أو التجديد»، وهي ثلاثية تعكس بعمق اللحظة الحرجة التي يعيشها النظام العالمي.
لم يكن الخطاب دفاعاً عن غزة فقط، بل صرخة تحذير من أن ما يحدث هناك هو اختبار لهوية العالم ذاته. قال الملك: «هذه ليست مجرد لحظة سياسية أخرى لتسجيل المواقف؛ بل إنه صراع حول هويتنا كمجتمع عالمي في الحاضر والمستقبل».
والقضية، كما صاغها، ليست فقط في أن أطفال غزة يُذبحون، أو أن المجاعة تُستخدم كسلاح، بل في أن العالم لم يعد يشعر بالخجل، وكأن تلك الانتهاكات باتت «أمراً شائعاً بالكاد يُذكر». هذا الانحدار الأخلاقي، كما وصفه جلالته، «يهدد الشعوب في كل مكان»، لأن غياب الردع القيمي في غزة سيتكرر في أماكن أخرى، وبذرائع مختلفة.
أكد جلالة الملك أن الدفاع عن القدس ومقدساتها ليس مسألة سياسية فحسب، بل التزام أخلاقي وتاريخي موغل في الجذور. استدعى من التاريخ العهدة العمرية، ومن القانون الدولي اتفاقيات جنيف، ليقول إن حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية واجب لا يُساوَم عليه، وهو «وعد لأهل القدس منذ قرون»، وأمانة حملها الهاشميون عن وعي ومسؤولية.
ربما يمكن تلخيص خطاب الملك بأنه إعلان أخلاقي عالمي جديد، يستنهض ما تبقى من ضمير العالم، ويعلن أن الصمت لم يعد خياراً، وأن الحياد في وجه الظلم ليس سوى شراكة غير معلنة في الجريمة. قالها صراحة: «إذا فشل مجتمعنا العالمي في التصرف بشكل حاسم، فإننا نصبح متواطئين في إعادة تعريف معنى أن تكون إنساناً».
الملك دعا إلى صياغة رؤية عالمية جديدة تقوم على ركنين أساسيين: التنمية كأداة استقرار، والأمن المشترك القائم على القانون والعدالة. وحين شدد على أن «الفلسطينيين، مثلهم كمثل جميع الشعوب، يستحقون الحق في الحرية والسيادة، ونعم.. إقامة دولتهم المستقلة»، فإنه لم يكن يسجل موقفاً، بل كان يؤسس لمعادلة أمنية وسياسية شاملة ترى أن إنهاء الاحتلال هو شرط للاستقرار، لا مطلب تفاوضي مؤجل.
قال الملك في ختام خطابه: «إن الطريق الذي نسلكه للارتقاء بأنفسنا لا يمكن أن يكون ممهداً بالتقدم التكنولوجي أو الإنجازات العلمية أو الانتصارات السياسية وحدها، بل إنه يصنع بالخيارات التي نتخذها كل يوم كأفراد وقادة».
هذه الخلاصة ليست دعوة أخلاقية فقط، بل تحذير سياسي أيضاً. العالم أمام مفترق حقيقي، وإذا ما اختار أن يواصل مساره الحالي، فستنهار القيم تباعاً، وتنهار معها البنية الأخلاقية التي قامت عليها الأمم المتحدة والقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان.
بكلمات أخرى، كان خطاب الملك عبدالله الثاني أمام البرلمان الأوروبي صرخة أخيرة للعالم كي يتذكر إنسانيته، ويفهم أن الغد الأخلاقي يبدأ من اليوم، أو لا يكون.
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
الأردن اليوم
هام لسكان منطقة القويسمة - صورة
منذ 16 دقيقة
الأردن اليوم
النائب الخصاونة: حلاقينا فتحت لهم فرص العمل بأوروبا
منذ 20 دقيقة
الأردن اليوم
ضبط 3 اعتداءات جديدة على خطوط المياه في العقبة وإحالة المتورطين إلى القضاء
منذ 24 دقيقة
الأردن اليوم
سلاح الجو الملكي يعترض ويسقط 4 مسيّرات قادمة من إيران استهدفت أراضي المملكة
منذ 31 دقيقة
الأردن اليوم
بالفيديو .. النائب القباعي مهددًا بعد فصل الميكروفون: "المرة الجاية أنا بورجيكم شو بده يصير"
منذ 34 دقيقة
أخبار فنية
فن
منة فضالي تتحدث عن رأي الناس في النجاح والفشل
منذ 6 دقائق
فن
صاحب معزوفة "النمر الوردي" .. رحيل أسطورة الجاز بلاس جونسون
منذ 1 ساعة
فن
أحمد السقا: لا أتنافس مع أحد .. وتخليت عن الأكشن
منذ 1 ساعة
فن
ياسمين عبد العزيز وأحمد السقا يحتفلان بالعرض الخاص لفيلمهما بحضور نجوم الفن (فيديو)
منذ 1 ساعة
فن
تامر حسني يتخذ خطوة جريئة في طرح ألبومه الجديد
منذ 1 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
بعد مزاعم استهدفت المنتخب .. الاتحاد الأرجنتيني يدرس إجراءات قانونية واسعة
منذ 55 دقيقة
رياضة
أبرز مرشحي خلافة سكالوني في تدريب منتخب الأرجنتين- صورة
منذ 1 ساعة
رياضة
الحسين عموتة يطالب الأهلي المصري ببديل "تريزيغيه"
منذ 1 ساعة
رياضة
تحكيم ووساطات وكسر قواعد .. 7 صدمات لن ينساها العالم في مونديال 2026
منذ 3 ساعات
رياضة
كأس العالم 2026 .. سر تشجيع جورجينا لإسبانيا وشاكيرا للأرجنتين
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
ساعة بـ100 دولار تهدد مراهقًا بالسجن 5 سنوات في تايلاند
منذ 47 دقيقة
منوعات من العالم
العثور على سيف نادر من العصر البرونزي في أعماق المحيط الأطلسي
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
الصين .. مزحة في حفل الزفاف تنتهي بإعاقة خطيرة لوصيفة العروس
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
دمار واسع جراء أمطار غزيرة في الهند و26 قتيلا في أسام وحدها
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
سلطات تشيلي: مقتل 13 وفقدان 7 بعد أمطار غزيرة
منذ 2 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات