نعيش اليوم مرحلةً خطيرةً تتجلّى فيها أزمة القيم الأخلاقية بأوضح صورها، حيث تفشّت ظواهر العنف المجتمعي وأصبحت جزءًا من المشهد اليومي في أسواقنا وشوارعنا. نلاحظ تصاعدًا ملحوظًا في العصبية وفقدان السيطرة على التصرفات، سواء باللسان أو اليد، حتى بات الانفعال سمةً غالبةً على كثير من الناس، وعلامةً تظهر على وجوههم وجوارحهم. ولعلّ أكثر ما يثير الاستغراب أنّ هذا السلوك برز بشكلٍ جليّ خلال شهر رمضان المبارك، وهو الشهر الذي يُفترض أن يكون موسمًا للسكينة والرحمة، لا مسرحًا للغضب والتوتر، وكأنّ البعض يصوم مُكرهًا، لا عن قناعةٍ ويقين والتزام.
من المؤسف أن نرى هذا التناقض الصارخ بين جوهر العبادات وسلوك الصائمين، فمن المفروض أن يرتقي الإنسان بأخلاقه في هذا الشهر الفضيل، وأن يكون التسامح والمحبة عنوانًا للتعامل بين الناس. لكن الواقع كشف العكس تمامًا، فالشوارع تحوّلت إلى ساحات سباقٍ محمومة تسودها الفوضى والتهور، حتى أصبح الخروج من المنزل مخاطرةً بسبب رعونة البعض. المشاحنات في الأسواق والأماكن العامة أضحت مشهدًا يوميًا، وكأنّنا ننتظر انتهاء الشهر بفارغ الصبر، لا حبًّا في إتمام الطاعة، بل خلاصًا من موجة الإساءات التي اجتاحت المجتمع.
إنّ العبادات ليست مجرد طقوسٍ شكلية، بل ينبغي أن تنعكس على سلوك الفرد، فمتى ما كانت العبادة نابعةً من إيمانٍ صادق، ظهرت آثارها على التصرفات والأخلاق. أمّا من يمارسها رياءً ومجاراةً للمجتمع، فإنّها لا تترك أثرًا إيجابيًا، بل قد تُنتج سلوكًا متناقضًا يعكس انفصال العبادة عن جوهرها الحقيقي.
لا أحد ينكر أنّ ضغوط الحياة كثيرة، وأنّ متطلبات العيش تفوق أحيانًا القدرة على تلبيتها، لكن حسن التدبير والتوازن في الإنفاق يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا. التركيز على الأولويات والتقليل من الكماليات ليس ضعفًا، بل دليلٌ على الوعي والمسؤولية.
إنّ حسن الخلق ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو انعكاسٌ لحقيقة الإيمان، فمن لم تهذّبه صلاته، ولم يضبطه صيامه، فإنّ عبادته لا تعدو كونها حركاتٍ بلا معنى. الأخلاق هي الميزان الذي يُقاس به سموّ الإنسان، ومكانته في قلوب الآخرين، وتأثيره في مجتمعه. بكلمةٍ طيبة تُفتح القلوب، وبابتسامةٍ صادقة تُزرع المحبة، وبسلوكٍ راقٍ يُبنى الاحترام.
وغرس القيم الأخلاقية يبدأ من الأسرة، لكنه لا يكتمل إلا عبر المؤسسات التعليمية، حيث يقع على عاتق المدارس والجامعات دورٌ محوري في تعزيز الأخلاق وترسيخها لدى الأجيال القادمة. ولا يكون ذلك بمجرد تدريسها نظريًا، بل من خلال تقديم نماذج حية تمثل القدوة الحسنة. فالمعلم الذي يتحلى بالصبر والعدل، والأستاذ الجامعي الذي يلتزم بالنزاهة والاحترام، يصبحان مصدر إلهامٍ للطلاب، فيتعلمون منهم أكثر مما يتلقونه من المناهج الدراسية. لذا، فإنّ بناء جيلٍ يحمل القيم الأخلاقية النبيلة لا يتحقق إلا إذا رأى الطلاب هذه القيم مجسدةً في واقعهم اليومي، لا مجرد شعاراتٍ تُقال في المحاضرات والخطب.
ما أحوجنا اليوم إلى إعادة الاعتبار للأخلاق في مناهجنا التربوية، وأن نرسّخها في نفوس أبنائنا من خلال القدوة الحسنة، لا المواعظ الجوفاء. فالتربية ليست خطبًا تُلقى، بل نموذجٌ يُحتذى، فمن فقد الأخلاق فقد تأثيره، ومن كان سلوكه مناقضًا لكلامه، لن يصنع تغييرًا.
إنّ أزمة الأخلاق ليست مجرد حالةٍ طارئة، بل جرس إنذارٍ يُحتم علينا جميعًا مراجعة ذواتنا وإعادة بناء القيم التي تُحصّن المجتمع من الانهيار. فالأخلاق ليست خيارًا، بل ضرورةٌ لحياةٍ متزنةٍ ومجتمعٍ أكثر وعيًا ورُقيًا.
أ.د. يحيا سلامه خريسات
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
العدوان يكتب: الأردن .. جغرافيا الدولة الراسخة بين الأرشيف العثماني وعمق التاريخ الإسلامي
منذ 9 ساعات
كُتاب سرايا
د.منذر الحوارات يكتب: المنطقة غارقة في اللايقين
منذ 10 ساعات
كُتاب سرايا
د.عاصم منصور يكتب: "هامنت" للحزن وجوه كثيرة
منذ 10 ساعات
كُتاب سرايا
ماهر أبو طير يكتب: نصدق الإشاعات ونكذب النفي
منذ 10 ساعات
كُتاب سرايا
فهد الخيطان يكتب: رسائل من القطرانة
منذ 10 ساعات
أخبار فنية
فن
ياسر جلال يستعيد ذكريات "آخر أيام الحب" مع سلاف فواخرجي
منذ 3 ساعات
فن
رسالة مؤثرة من مي عز الدين لإسعاد يونس
منذ 3 ساعات
فن
حورية فرغلي تستغيث بالأمن المصري بعد محاولة بلطجية اقتحام منزلها (فيديو)
منذ 5 ساعات
فن
الشامي في دويتو غنائي جديد مع لين الحايك
منذ 7 ساعات
فن
مؤلف فيلم ياسمين صبري يتحدث عن كواليس تعاونه الأول معها
منذ 9 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
المنتخب النمساوي يتلقى صفعة قوية بعد اصابة احد أهم نجومه قبل ملاقاة النشامى في المونديال
منذ 51 دقيقة
رياضة
مونديال 2026 سينعش خزائن أندية الكرة الأردنية بمبالغ ضخمة .. تفاصيل
منذ 1 ساعة
رياضة
خلاف كبير حول الراتب .. نجم بارز يقترب من مغادرة الأهلي المصري
منذ 3 ساعات
رياضة
مونديال 1950 .. اتهام وكالات الأنباء بإرسال النتيجة الخطأ
منذ 3 ساعات
رياضة
مدرب النمسا: تركيزنا منصبّ على مواجهة الأردن في افتتاح كأس العالم
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
سرقة «الموزة المليونية»
منذ 26 دقيقة
منوعات من العالم
تقنية مبتكرة تنتج مياه شرب من البحر دون نفايات
منذ 27 دقيقة
منوعات من العالم
فرنسا تشهد الربيع الأكثر حرا منذ عام 1900
منذ 53 دقيقة
منوعات من العالم
دعوة دينية في مصر لترك الهواتف المحمولة
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
السجن المشدد 10 سنوات .. إسدال الستار نهائيًا على قضية الطفل ياسين بمصر
منذ 2 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات