حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الخميس ,9 ديسمبر, 2021 م
طباعة
  • المشاهدات: 2773

ليلة النجوم

ليلة النجوم

ليلة النجوم

17-10-2021 09:55 AM

تعديل حجم الخط:

سرايا - مضت شهور على إقامتي في هذه المصحة، الجميع يعاملني بلطف رغم فظاظتي، لا يبخلون علي بالطعام والشراب، أعيش في غرفة صغيرة لها نافذة ذات قضبان، غير أن الاتصال المحدود بغيري من المرضى سبّب لي الملل الذي كاد يقتلني.

اشتقت للمسير طويلا وسط الحقول أعكس المناظر الطبيعية التي أراها في القرى ألوانا ورسوما في لوحاتي. طلبت من أحدهم توفير بعض أدوات الرسم من ألوان زيتية وقماش كتّاني ليتسنى لي قتل الوقت في رسم أي لوحة.

في كثير من الأحيان أشتاق إلى الحديث مع «تيو» شقيقي الأصغر سنّا لكن الأنضج عقلا كما يروق لوالدي تصنيفه بعد أن عدّني سيئَ الطبع ومتمردا عن مفاهيمه التي حشا بها رؤوسنا منذ نشأتنا، إلا أن الدافع الأقوى وراء شوقي هو سرد ذلك الحلم في تلك الليلة، لذا هممت بكتابة رسالة له:

(عزيزي تيو،

أرسل لك رسالتي آملاً أن تكون وزوجتك في وافر الصحة، شاكرا لك إرسال النقود لي كل شهر دون انقطاع، متأملا في الوقت نفسه أن تكون مقاطع القصيدة التي نسختها في رسالتي السابقة قد أعجبتك كما أعجبتني. لا أخفي عليك الشعور الذي يتملكني وأنا أكتب الرسالة، فقد راودني حلم غريب في إحدى الليالي المملة في المصحة، رأيت شخصا يمشي ليلا وسط حقول مشابهة لحقول قرية كويزمس وهو يرتدي قبعة دائرية كاشفا عن عينين خضراوين ولحية صهباء ووجه ممتلئ بالنمش مثلي، حسبته شخصا غريبا عن القرية إلا أنه كان أنا!

مشيت طويلا حتى تسلقت تلة مرتفعة تطل على قرية فيها بعض البيوت والأكواخ البسيطة المتراصة جانب بعضها بعضا، وقد ظهرت عند أطراف القرية كنيسة مشابهة لتلك التي كنا نرتادها في صبانا، انتشت روحي للهواء العليل الذي أضفى بعض السكينة في نفسي، حتى السماء امتلأت بالغيوم والنجوم الغزيرة، وقد لمحت في كل نجم صورة لكل شخص سببت له الإزعاج في حياتي، فلمحت وجه أبي مبتسما لي وكأنه سامحني، وأختي التي طالما تشاجرت معي ونعتتني بالمجنون لمحتها راضية عني، حتى أمي وأنت وزوجتك وابنة خالتي و.... لمحت وجوهكم سعيدة، وقمت بمناداتكم، إلا أ?كم لم تسمعوني، فصحت بصوت أعلى سمعت صداه يرتد من بعيد. شعرت كأني شبح أطل عليكم بعد فوات الأوان وقد أصبحت مجرد ذكرى بينكم.

حلم غريب. أليس كذلك يا تيو؟ لذا قبل أن أنسى تفاصيله قمت برسم مخطط أولي في ورقة جانبية وضعتها مع رسالتي.

اكتب لي أكثر ولا تتأخر عليّ في الرد

المخلص دوما

فينسنت).

سلّمت الرسالة لأحد الموظفين بعد تدوين العنوان، ثم تأملت المنظر الخارجي من خلف قضبان نافذتي، فبدا مشابها لذلك المنظر في الحلم، فضحكت عاليا وسط ذهول الموظف الذي اعتقد أن حالتي ساءت مجدّدا!

* تستعرض القصة الحالة النفسية التي سيطرت على فان جوخ عند رسمه لوحة «ليلة النجوم»، وتسلط الضوء على بعض الجوانب في حياته مع بعض التحويرات من وجهة نظر الكاتبة.

ربـا الناصر (كاتبة أردنية)
- المصحّة النفسية في سان ريمي دي بروفانس/ فرنسا (1889)


لمتابعة وكالة سرايا الإخبارية على "فيسبوك" : إضغط هنا

لمتابعة وكالة سرايا الإخبارية على "تيك توك" : إضغط هنا

لمتابعة وكالة سرايا الإخبارية على "يوتيوب" : إضغط هنا






طباعة
  • المشاهدات: 2773

إقرأ أيضا

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم