23-04-2026 11:49 PM
سرايا - عكست أرقام رسمية أعلنتها وزارة العدل قبل أيام، عن تحول متسارع في السياسة العقابية في الأردن، وذلك مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في تطبيق العقوبات البديلة خلال الربع الأول من العام الحالي.
وبحسب البيانات المعلنة، بلغ عدد العقوبات البديلة المنفذة 562 للفترة المذكورة، مقارنة بـ426 حالة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بنسبة زيادة تُقدّر بنحو 32%.
وأظهرت الأرقام ارتفاعا لافتا في استخدام الرقابة الإلكترونية، التي سُجلت في 85 حالة، مقابل 49 حالة في الفترة ذاتها من العام الماضي، بنسبة زيادة بلغت 73.5%، ما يعكس تنامي الاعتماد على التكنولوجيا كأداة داعمة للعدالة الجنائية.
تحولات الوعي القضائي
في قراءة تحليلية لهذه المؤشرات، يرى أستاذ القانون العام المشارك في جامعة البترا د.علي الدباس أن هذا الارتفاع لا يمكن فصله عن تحولات أعمق في الوعي القضائي والمجتمعي، مشيرا إلى أن القضاة باتوا أكثر إدراكا لأهمية العقوبات البديلة كخيار تشريعي حديث ينسجم مع متطلبات تطوير منظومة العدالة، معتبرا أن هذا التوجه يعكس انتقالا تدريجيا من نماذج العقاب التقليدية إلى مقاربات أكثر مرونة تركز على النتائج الإصلاحية.
ويؤكد الدباس أن التحول لا يقتصر على المؤسسة القضائية، بل يمتد إلى المجتمع الذي بدأ يظهر تقبلا متزايدا لهذا النوع من العقوبات، خاصة بعد أن لمس آثارها الإيجابية على الأفراد والمجتمع.
وهذا التقبل، بحسب الدباس، أسهم في تعزيز ثقة القضاة بفعالية هذه الأدوات، ودفع باتجاه التوسع في استخدامها ضمن نطاق أوسع من القضايا.
ويضع الدباس هذا التوجه في سياق السياسة الجنائية الإصلاحية، التي تعيد تعريف وظيفة العقوبة بوصفها أداة لإصلاح الجاني وإعادة دمجه في المجتمع، بدلًا من الاقتصار على الردع أو العزل.
ويشير إلى أن اعتماد وسائل مثل الإسوارة الإلكترونية يعكس هذا التحول، حيث تتيح مراقبة المحكوم دون فصله عن بيئته الاجتماعية، بما يقلل من الآثار السلبية المرتبطة بالسجن.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى أن التوسع في العقوبات غير السالبة للحرية، خصوصًا في الجرائم التي لا تشكل خطرًا مباشرًا على المجتمع، يعزز فرص إعادة التأهيل، ويحد من احتمالات الانخراط في أنماط سلوكية سلبية قد تنتج عن الاحتكاك داخل مراكز الإصلاح.
كما يتيح هذا النهج، وفق تقديره، بدائل أكثر فاعلية للشباب والأحداث، تقوم على خدمة المجتمع وتحمل المسؤولية بدلًا من العقاب التقليدي.
كما تحمل هذه المؤشرات، وفق القراءة ذاتها، أبعادا تتعلق بإدارة المنظومة العقابية، إذ تسهم العقوبات البديلة في التخفيف من اكتظاظ مراكز الإصلاح والتأهيل، وهي مشكلة تؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة للنزلاء، وعلى قدرة هذه المراكز على تحقيق أهدافها التأهيلية.
ويؤكد أن تقليل الاكتظاظ لا يقتصر أثره على تحسين الظروف المعيشية داخل السجون، بل يعزز أيضًا فرص نجاح برامج الإصلاح وإعادة الإدماج.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يحذر الدباس من أن نجاح هذا التوجه يظل مرهونا بوجود منظومة رقابية فعالة، داعيا إلى تعزيز آليات المتابعة، خاصة فيما يتعلق بتطبيق الرقابة الإلكترونية، لضمان عدم تكرار الجريمة أو الانحراف نحو سلوكيات أخرى.
ويشدد على ضرورة وضع معايير دقيقة وواضحة لتطبيق العقوبات البديلة، بما يكفل تحقيق العدالة والمساواة بين المحكومين، ويحول دون أي تباين أو تمييز في تطبيقها.
نصوص قانونية
وفي الإطار التشريعي الناظم لهذا التوجه، تعرف وزارة العدل "بدائل العقوبات السالبة للحرية" بأنها عقوبات تُستبدل بالعقوبة التقليدية القائمة على الحبس، ويتم تنفيذها وفق ما نصّت عليه المادة (25 مكررة) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، بما يعكس توجّهًا تشريعيًا متقدمًا نحو تنويع أدوات العدالة الجنائية.
وبحسب النص القانوني، تتعدد أشكال هذه البدائل لتشمل الخدمة المجتمعية، التي تقوم على إلزام المحكوم عليه -وبموافقته- بالقيام بعمل غير مدفوع الأجر لخدمة المجتمع لمدة تحددها المحكمة، على ألا تقل عن 50 ساعة وبواقع خمس ساعات يوميًا.
كما تشمل البرامج التأهيلية إخضاع المحكوم عليه لمسارات إصلاحية تهدف إلى تقويم سلوكه وتحسينه، إلى جانب البرامج العلاجية الخاصة بحالات الإدمان، والتي تُعد جزءا من المقاربة الإصلاحية الشاملة.
ويمتد نطاق هذه البدائل ليشمل المراقبة الإلكترونية، التي تُخضع المحكوم عليه لرقابة دقيقة على تحركاته، مع إمكانية حظر ارتياده أماكن أو مناطق جغرافية محددة، أو إلزامه بالإقامة في منزله أو ضمن نطاق جغرافي معين، بشكل جزئي أو كلي، طوال المدة التي تقررها المحكمة، على أن تكون هذه الإجراءات مقترنة باستخدام وسائل الرقابة الإلكترونية.
كما يجيز القانون للمحكمة أن تقرن أيا من هذه البدائل بتدابير إضافية، من بينها منع السفر لمدة محددة، أو إلزام المحكوم عليه بتقديم تعهد مالي بعدم التعرض أو التواصل مع أشخاص أو جهات معينة، في إطار تعزيز الضمانات المرتبطة بحسن تنفيذ العقوبة.
أما من حيث نطاق التطبيق، فيمنح القانون المحكمة صلاحية استبدال العقوبات السالبة للحرية ببدائلها في جميع الجنح، وكذلك في الجنايات التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها فيها الأشغال المؤقتة أو الاعتقال المؤقت لمدة ثلاث سنوات، باستثناء حالات التكرار، وذلك استنادًا إلى تقرير الحالة الاجتماعية، ومع مراعاة ظروف كل قضية على حدة، وتمتد هذه الصلاحية لتشمل إمكانية الاستبدال سواء عند صدور الحكم أو بعد اكتسابه الدرجة القطعية.
كما أتاح التشريع إمكانية استبدال ما تبقى من مدة العقوبة بعد صدور الحكم، شريطة أن يكون المحكوم عليه حسن السيرة والسلوك داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وألا تزيد المدة المتبقية على سنة واحدة، وأن تكون العقوبة الأصلية لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تتجاوز ثماني سنوات، في خطوة تعزز من مبدأ التحفيز على السلوك الإيجابي داخل المؤسسات الإصلاحية.
في المقابل، حدد القانون مجموعة من الجرائم المستثناة من تطبيق هذه البدائل، وتشمل الجنايات الواقعة على أمن الدولة، وجرائم تزوير البنكنوت والمسكوكات، والجنايات الواقعة على الأشخاص ما لم تقترن بإسقاط الحق الشخصي، إضافة إلى الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة، وجرائم الاغتصاب وهتك العرض والخطف الجنائي، وجرائم التعذيب المنصوص عليها في المادة (208)، فضلًا عن الجرائم الواردة في قوانين منع الإرهاب، والمخدرات والمؤثرات العقلية، وحماية أسرار ووثائق الدولة، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري وقانون خدمة العلم.
إعادة بناء الحياة
بحسب وزارة العدل- واستنادًا إلى تصريحات سابقة لوزيرها بسام التلهوني- فإنّ تطبيق بدائل العقوبات السالبة للحرية أتاح لعدد من المحكومين فرصة حقيقية لإعادة بناء حياتهم بعيدًا عن بيئة السجون، بما يسهم في تقليل احتمالات تكرار الجريمة، ويمنحهم إمكانية البقاء ضمن النسيج الاجتماعي.
وأكد التلهوني أن هذه السياسة الجنائية الحديثة أسهمت في التخفيف من اكتظاظ مراكز الإصلاح والتأهيل، وتقليل الأعباء المالية على خزينة الدولة، إلى جانب الحد من اختلاط المحكومين لأول مرة بذوي السوابق الخطرة، وما قد ينجم عن ذلك من انتقال السلوك الجرمي.
ويرى أن النتائج التي تحققت خلال السنوات الماضية تعزز من جدوى هذا النهج، وتدعم التوجه نحو التوسع في تطبيقه وفقًا لمتطلبات العدالة.
كما تبرز الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لهذه البدائل، إذ تتيح للمحكوم عليه الاستمرار في عمله وعدم الانقطاع عن مصدر رزقه، بما يحول دون تحميل أسرته أعباء إضافية، خاصة في ظل وجود أطفال أو معالين.
وفي هذا السياق، عملت الوزارة على توقيع مذكرات تفاهم مع عدد من الوزارات والمؤسسات الرسمية لتوفير بيئة مناسبة لتنفيذ هذه البدائل، مع مراعاة خصوصية الفئات المختلفة، بما في ذلك الاعتبارات المرتبطة بالنوع الاجتماعي واحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
23-04-2026 11:49 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||