19-04-2026 01:32 PM
بقلم : م. صلاح طه عبيدات
لم تعد القيادة مجرد منصب إداري يُدار بالأوامر والتعليمات، بل أصبحت مسؤولية مركبة تتطلب وعياً عميقاً بالمبادرة، وقدرة حقيقية على العمل تحت الضغوط، ومهارة في إدارة فرق العمل بكفاءة عالية. فالمؤسسات العامة اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد بالإمكان الاستمرار بذات الأساليب التقليدية في ظل بيئة تتطلب سرعة الاستجابة وجودة القرار.
تظهر الحاجة إلى المبادرة بوضوح داخل الأجهزة الحكومية التي تعاني في كثير من الأحيان من بطء الإجراءات وتراكم المعاملات. فالموظف المبادر والقائد المبادر يمثلان نقطة التحول من الجمود إلى الفاعلية، ومن الانتظار إلى الإنجاز. المبادرة هنا لا تعني تجاوز الأنظمة، بل تعني تفعيلها بروح مرنة ومسؤولة، والبحث عن حلول مبتكرة ضمن الأطر القانونية. وفي ظل التحولات الرقمية التي تشهدها العديد من الدول، تصبح المبادرة عاملاً حاسماً في تسريع التحول نحو خدمات حكومية أكثر كفاءة وشفافية.
أما العمل تحت الضغوط، فهو السمة اليومية في العديد من مؤسسات الدولة، خاصة تلك التي تتعامل مباشرة مع المواطنين أو تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية. الضغط الناتج عن كثافة العمل، أو محدودية الموارد، أو التوقعات المرتفعة من الجمهور، قد يتحول إلى عامل هدم إذا لم يُدار بشكل صحيح. وهنا تبرز أهمية القيادة القادرة على امتصاص التوتر، وتوجيه الجهود، واتخاذ قرارات متزنة في الوقت المناسب، دون الوقوع في فخ الارتجال أو التردد. فالمؤسسات التي تنجح في إدارة الضغوط هي تلك التي تحولها إلى دافع لتحسين الأداء، لا إلى مبرر للتقصير.
وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن تطوير الأداء الحكومي دون التوقف عند العمل الجماعي، الذي لا يزال في بعض المؤسسات يعاني من ضعف التنسيق وغياب التكامل بين الوحدات المختلفة. إن العمل بروح الفريق داخل القطاع العام لم يعد خياراً، بل ضرورة، خاصة في ظل تداخل الاختصاصات وتشابك الملفات. القائد الناجح في هذا السياق هو من يعزز ثقافة التعاون، ويكسر الحواجز البيروقراطية، ويخلق بيئة عمل قائمة على الثقة وتبادل المعرفة، بما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التكامل بين هذه العناصر الثلاثة داخل بيئة حكومية غالباً ما تحكمها الأنظمة الصارمة والإجراءات المعقدة. فالمبادرة قد تُقيد بالخوف من المساءلة، والعمل تحت الضغط قد يؤدي إلى قرارات متسرعة، والعمل الجماعي قد يتأثر بثقافة فردية أو تنافس غير صحي. لذلك، فإن تطوير القيادة في مؤسسات الدولة يتطلب إعادة نظر شاملة في الثقافة التنظيمية، وليس فقط في الهياكل الإدارية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى حلول عملية يمكن أن تشكل نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي، من أبرزها الاستثمار الجاد في بناء قيادات حكومية وسطى قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وتبني برامج تدريبية متخصصة تركز على مهارات القيادة الحديثة وإدارة الضغوط والعمل الجماعي. كما يتطلب الأمر مراجعة الأنظمة والإجراءات بهدف تحقيق توازن بين الرقابة والمرونة، بما يسمح بتشجيع المبادرات دون الإخلال بالحوكمة.
ومن المهم أيضاً ترسيخ ثقافة الحوافز المرتبطة بالأداء والإنجاز، بحيث يتم تكريم المبادرات الناجحة والعمل الجماعي الفعّال، بدل الاكتفاء بالتقييم التقليدي القائم على الأقدمية. إضافة إلى ذلك، فإن التحول الرقمي يشكل فرصة حقيقية لتقليل الضغوط وتحسين التنسيق بين الوحدات المختلفة، إذا ما تم توظيفه بشكل استراتيجي ومدروس.
إن مستقبل مؤسسات الدولة لن يتحدد فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على بناء قيادات واعية، مبادرة، وقادرة على العمل بكفاءة تحت الضغط، ضمن فرق عمل متماسكة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان، ومن طريقة تفكيره وإدارته للواقع، قبل أن يكون في النصوص والأنظمة.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
19-04-2026 01:32 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||