14-04-2026 03:04 PM
بقلم : الدكتور علي الصلاحين
لا يقوم التصور القرآني للقيادة النبوية على مجرد تنظيم الجماعة أو إدارة حركتها، بل ينطلق من بناء الإنسان الذي تقوم عليه الجماعة ابتداءً. فالقائد في هذا الإطار ليس مديرًا للواقع، بل صانعٌ للداخل الإنساني؛ يعيد تشكيل الفكرة، ويضبط الدافع، ويمنح المعنى الذي يحرك الإنسان في عمقه. لذلك لم تكن القيادة النبوية تكتفي بتوجيه الناس نحو الأهداف، بل كانت تُعيد صياغتهم وهم يسيرون إليها، حتى يصبح الهدف جزءًا من وعيهم لا مجرد مهمة عابرة.
وفي قول الصحابي: “كنا إذا احضتدم الوطيس لذنا برسول الله” يتجلى هذا المعنى بوضوح؛ إذ يكشف عن قيادةٍ تتحول إلى ملاذ نفسي قبل أن تكون مرجعية تنظيمية. فالإنسان في لحظات الخطر لا يبحث عن كثرة التوجيه، بل عن يقين يستمده من حضورٍ صادق، وعن نموذجٍ يختصر عليه التردد. وهذا لا يتكوّن فجأة، بل هو ثمرة بناء عميق يجعل القائد تجسيدًا حيًا للثبات.
وقد قدّم القرآن هذا النموذج بوصفه “أسوة”، لا مصدر أوامر. فالأسوة واقع يُرى ويُعاش، ومن خلالها تتغير النفوس؛ فيتحول الخوف إلى دافع، والمسؤولية إلى معنى، والغاية إلى حضور دائم. وهكذا، لم تكن القيادة النبوية تصنع تابعين، بل تُنشئ إنسانًا قادرًا على الامتداد، يحمل المعنى ويصبح بدوره مصدرًا للتأثير.
لكن عند مقارنة هذا التصور بواقع القيادة اليوم، تظهر فجوة واضحة في المنهج. فقد انتقل التركيز من بناء الإنسان إلى إدارة الظاهر، ومن صناعة المعنى إلى ضبط السلوك. وأصبح كثير من الأداء قائمًا على التوجيه الخارجي دون تأسيس داخلي، لذلك يبدو متماسكًا في الظروف العادية، لكنه يضعف عند الأزمات.
ولا يعود هذا العجز إلى نقص الإمكانيات، بل إلى اختلال نقطة البداية. فالقيادة النبوية تبدأ من الداخل إلى الخارج، بينما تبدأ كثير من قيادات اليوم من الخارج إلى الداخل. كما أن غياب القدوة الحاضرة، واتساع المسافة بين القائد ومن يقودهم، أضعف الثقة، وحوّل العلاقة إلى امتثال مؤقت لا يصمد تحت الضغط.
ومع ذلك، ما تزال في الواقع بذور قوة حاضرة؛ فالمجتمعات لا تزال تنجذب إلى النموذج الصادق، وتتفاعل مع القائد الذي يتقدم بالفعل لا بالقول. وهذا يؤكد أن الأزمة ليست في فقدان القابلية، بل في غياب المنهج الذي يفعّلها.
إن جوهر الأزمة ليس في قلة القادة، بل في ندرة من يُلجأ إليهم عند الشدة. فالقيادة الحقيقية لا تُصنع بالمناصب، بل تُبنى عبر الصدق والحضور والتجسيد. ومن هنا يبدأ الإصلاح: بإعادة الاعتبار لمنهج بناء الإنسان، لأنه وحده القادر على إنتاج قيادةٍ تصمد، وتمتد، وتُنشئ من بعدها قادة آخرين… كما حدث في النموذج النبوي.
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
14-04-2026 03:04 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||